بنت الصحن والزربيان
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
ليلى أمين السيف من المعروف أن الشعوب تتنافس في الحضارة والعلم والاقتصاد والرياضة أما اليمنيون فيبدو أنهم قرروا خوض منافسة مختلفة تماما! من يستطيع اختيار أغرب اسم لطعام لذيذ!! فأنت في بعض البلدان تطلب «ستيك» أو «بيتزا» أو «لازانيا» أو «تشيز كيك»فتشعر أنك تقرأ قائمة طعام «شيك». أما في اليمن فالأمر مختلف قليلاً تشعر وكأنك تقرأ تقريراً أمنياً أو ملف قضية جاسوسية أو أسماء شخصيات وهمية في مسلسل أسطوري وهكذا يحدث مع كل من يتعرف على المطبخ اليمني. يرتاد أحدهم أحد المطاعم اليمنية من باب التغيير وحين يقدم له النادل قائمة الطعام يشعر بإعصار من حوله. عتر، شفوت، سلته، لحسة، عصيدة، حنيذ، برم، بنت الصحن، سبايا، عقدة، مقلقل، كشنة، مطبق، معصوب، زربيان، عريكة. فيغلق القائمة ويقول بصوت مرتجف: «لو سمحت هل عندكم شيء نقدر نطلبه بدون ما نحتاج جلسة نفسية؟» لكن ما لم يكن يحسب حسابه أنه بعد أشهر قليلة فقط يكون قد انزلق بهدوء إلى عالمهم وصار يتحدث مثلهم تماما فإذا سافر سأل: وين أقرب مطعم يبيع حنيذ؟ وين أحصل بنت الصحن؟ هل عندكم مقلقل؟ هل المعصوب طازج؟ وأصبح يدافع عن الأسماء بشراسة فإذا ضحك أحد على اسم (معصوب) قال: اسكت أنت لم تذقه بعد. وإذا استغرب أحد اسم (سلته) قال:تكلم بأدب عن الأساطير. وإذا سخر أحد من (بنت الصحن) كاد أن يقيم عليه دعوى قضائية. في البداية يضحك ساخرا من الأسماء ثم يعشق الأكلات ثم يتحول إلى محام رسمي للدفاع عنها وأخيراً يكتشف الحقيقة الكبرى أن المشكلة لم تكن في أسماء الأكلات اليمنية. لكن الحقيقة أن المشكلة كانت في ذائقته التي تأخرت كثيرا عن اكتشاف هذا الجمال. ذات يوم قال لي زوج إبنتي: خالة ليلى. أنا أحبك وأحترمك كثيرا لكن عندي رجاء. قلت: أبشر. قال: «تكفين حاولي تتوسطين في بلادكم يغيرون أسماء الأكلات» قلت له والله لو ذقت لقمة من الحنيذ لن يعود اسمه يهمك بعد اليوم ولوجربت بنت الصحن ستطالب بإنجاب أخت لها، أما لوتذوقت الشفوت في الصيف فإنك حتما ستدافع عنه أكثر من أهل اليمن أنفسهم، أما المقلقل فبعد أول صحن منه ستصبح أنت المقلقل إذا تأخر عنك. فقال وهو يحاول أن يختار كلماته بحذر كأنه لا يريد أن يجرح أحدا: «أنا بصراحة أخاف من الأسماء قبل ما أخاف من الطعم» ثم أكمل بسرعة كأنه يبرر موقفه: خذي مثلا (لحسة) هذه ليست اسم أكلة هذا وصف لما سيحدث للصحن بعدها. ضحكت وقلت له: «طيب وباقي القائمة؟» قال: «المصيبة أنها أسماء تخوف لكن أول لقمة تطمّنك» سكت لحظة ثم قال بصوت أخف: «أنا ما عندي مشكلة مع الأسماء أنا مشكلتي أني أحبها رغم خوفي منها لأنني كلما سمعت اسم أكلة يمنية أشعر أنني دخلت في قصة لا علاقة لها بالطعام. وبدأ يعدد الأسماء وكأنه يقرأ قائمة مطلوبين للعدالة ثم نظر إليّ وقال: «هل هذه قائمة طعام أم أسماء ملفات في مركز الشرطة؟» تنهد قائلا: بالله (عقدة) من الذي قرر أن يسمي وجبة غداء باسم شيء نحاول جميعا التخلص منه عند الطبيب النفسي؟ كيف كان الغداء؟ والله ممتاز! لكن العقدة كانت قوية اليوم. ثم جاء إلى (مقلقل) وقال: «أنا متأكد أن الشخص الذي سماها كان يراقب الزبائن وهم يأكلونها لأنك بعد أول لقمة تصبح مقلقلا من السعادة وبعد ثاني لقمة مقلقلا من الطرب وبعد انتهاء الصحن مقلقلا تبحث عن زيادة.» وعندما سمع اسم (سلته) قال: هذه ليست أكلة هذه لجنة برلمانية. سلطة؟ لا. (سلته) وكأنها هيئة رسمية لمتابعة شؤون البطون الجائعة. أما (شفوت) فقد قال: كلما سمعت الاسم شعرت أن هناك سرا انكشف. فلان ماذا حدث له؟ شفوت! وعند (برم) توقف قليلا ثم قال: هذا اسم أكلة أم تعليمات من مدرب عسكري؟ برم يمين! برم يسار! ثم اكتشف المسكين أنها أكلة شعبية محترمة لا علاقة لها بالعسكرية ولا بالدوران. أما (كشنة) فبدت له كصوت باب خشبي قديم أو اسم حركة قتالية في فيلم أكشن. وعندما قرأ (معصوب) انتفض معترضا وقال: أنا جئت لآكل لا لأسمع وصفا لحادث مروري لكن الاعتراض انتهى تماما بعد أول ملعقة. لكن الضربة القاضية كانت مع (عتر) قال: والله يا خالة لو سمعتها دون سياق لظننت أنها مشكلة في السيارة. كيف السيارة؟ فيها عتر! ثم قلت له: طيب وما رأيك بالحنيذ؟ أطرق ساكتا. قلت: لماذا لا تتكلم؟ قال: لأن هذه الكلمة لا تبدو اسم أكلة بل اسم فارس أسطوري خرج من جبل شاهق وهو يحمل سيفا عمره ألف سنة.الأمير حنيذ بن حنيذ! حاكم بلاد الرز واللحم المدفون! وصلنا إلى العريكة. قال: خالة ليلى بالله عليكِ هل هذه أكلة أم مشكلة عائلية؟ حاول تحليل الاسم بنفسه قال: «من المؤكد أن هناك شيئاً قد تعرض للعرك الشديد حتى أصبح اسمه عريكة» والحقيقة أنني لم أستطع مجادلته كثيرا في هذه النقطة! لكن الكارثة الحقيقية حدثت عندما عرف أنها تؤكل بالعسل والسمن فسكت قليلا ثم قال: لحظة. يعني بعد كل هذا الاسم المخيف تطلع حلوى؟ ثم تذوقها وبعد أول لقمة تغيرت ملامحه وبعد الثانية أصبح يبتسم وبعد الثالثة سحب الطبق نحوه وقال : أرجوكِ يا خالة لا يغيرون الاسم. لأن العريكة لو كان اسمها (التحفة الذهبية بالعسل والسمن) لما كانت بهذه الهيبة. أما (زربيان) فبدا له وكأنه سلطان يحكم إمبراطورية البهارات. السلطان زربيان الأول حاكم القرن الخامس عشر وقائد معركة القرنفل والقرفة والكاري والذي منه. ثم التفت إليّ وقال: لكن بصراحة هل تعرفين ما المشكلة الحقيقية؟ أجبته وعيناي تلمعان بين الدمع والابتسام: ما هي؟ قال: كل مرة أضحك على اسم أكلة يمنية أجربها بعد ذلك فأكتشف أنها ألذ من نصف أكلات العالم فالعقدة لذيذة والشفوت رائع والسلته أسطورة قائمة بذاتها والحنيذ جريمة في حق الحميات الغذائية وبنت الصحن مشروع إدمان معتمد والمقلقل يحتاج إلى وزارة مستقلة تشرف عليه. وبعد أشهر من التعليقات والاعتراضات حدث ما لم يكن يتوقعه.. أصبح يبحث بنفسه عن الحنيذ ويسأل عن المقلقل ويتشاجر من أجل آخر قطعة من بنت الصحن ويعتبر العريكة حقا إنسانيا لا يجوز المساس به وأصبح يدافع عن أسماء الأكلات اليمنية أكثر من أهل اليمن أنفسهم. وفي النهاية قلت له بابتسامة هادئة: يا ولدي اليمنيون شعب لا يجيد تسويق نفسه كثيراً ولا يجيد تلميع الأشياء بالأسماء البراقة فقد يسمون الأكلة اسماً بسيطاً أو غريباً أو عجيباً لكنهم يضعون فيها من الكرم والمحبة والمهارة ما يجعل الاسم مجرد تفصيل صغير. فالذي يعرف اليمن حقا لا يتذكر غرابة الأسماء بل يتذكر دفء المجالس ورائحة القهوة وكرم البيوت ولمة الأهل وطعما يبقى في الذاكرة سنوات طويلة. ولهذا بقيت هذه الأسماء كما هي عبر القرون.. بسيطة.. صادقة.. وعفوية تشبه اليمن وأهله تماما.. ففي اليمن قد تستغرب الاسم أولا لكنك لا تنسى الطعم أبدا. وهنا صرح لي الحبيب زوج الحبيبة أنه اكتشف قاعدة غريبة في المطبخ اليمني. كلما كان اسم الأكلة أغرب كان طعمها أروع حتى أصبح يشك أن اليمنيين يتعمدون اختيار أسماء تربك الناس حتى يفاجئوهم بعد أول لقمة! «اليمنيون لا يسمون أكلاتهم لكي تسوّق نفسها بل يتركون المهمة للطعم» ** ** - كاتبة يمنية مقيمة في السويد





