... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
37467 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7684 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

بنشماش يتساءل: إلى متى تتحمل الدولة كلفة أعطال السياسة وأمراض الوساطة؟

العالم
هسبريس
2026/03/27 - 19:00 501 مشاهدة

في الحلقة الثالثة من مذكرته “دولة المهمة والوساطة المعطلة”، التي يخص بها الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس مجلس المستشارين السابق حكيم بن شماش، جريدة هسبريس الإلكترونية، اعتبر الكاتب أن “المعضلة الحزبية في المغرب أصبحت مشكلة ذات كلفة سيادية مباشرة على الدولة والمجتمع معاً”، مؤكداً في الوقت ذاته أن الخلل الحقيقي يكمن في “اتساع الفجوة بين زمن الدولة وزمن الوسائط السياسية والحزبية التي يفترض أن تكون روافع صلبة في البناء”.

وضمن سلسلة المقالات الرامية إلى توضيح وتدقيق بعض مضامين ما ورد في “بيان مغرب السرعة الواحدة”، أشار إلى أن النداء “ليس تمريناً نظرياً خالصاً، ولا مجرد تعليق من خارج الحلبة”، وتابع: “إنه، في جانب مهم منه، عصارة خبرة وتجربة شخصية متواضعة راكمتها من موقع المسؤولية الحزبية، والاحتكاك المباشر بتضاريس السياسة وتعقيدات القرار والتدبير، ومن موقع تحمل مسؤوليات مؤسساتية، ترابية وبرلمانية، أتاح لي اختبار منطق الاشتغال العمومي”.

نص المقالة الثالثة والأخيرة:

المسألة كما أراها اليوم لم تعد تقبل المجاملة ولا التخفيف اللفظي: المغرب يوجد أمام لحظة دقيقة، ولحظة كهذه لا تُقرأ فقط بلغة التوازنات المعتادة، بل بلغة المسؤولية المواطنة. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل تعيش الأحزاب أزمة؟ أو من يتحمل مسؤولية ما انتهى إليه حالها؟ بل: هل يتوجب على الدولة أن تستمر في تحمل كلفة أعطال السياسة وأمراض الوساطة الحزبية حين تمسك بالقرار العمومي وتدبر الشأن الوطني؟

ليست أزمة رؤية، بل أزمة وساطة ليست المشكلة أن الدولة المغربية بلا رؤية، وليست المشكلة أن المغرب لا يدرك ما الذي يتغير حوله. بالعكس: الدولة تشتغل داخل رؤية واضحة لمصالحها العليا، وداخل أفق مرجعي يتقوى بالنموذج التنموي الجديد بما هو خارطة طريق كبرى معتمدة على أعلى مستوى. كما أن الدولة تبدو، أكثر من الجميع، واعية بطبيعة التحول الجاري في العالم، بما يتميز به من إعادة لصياغة موازين القوة، وعودة للجغرافيا إلى قلب السياسة الدولية، ولجوء مكثف إلى “جيوبوليتيك الدم” في رسم خرائط النفوذ، وإعادة ترتيب لسلاسل القيمة، وتصاعد للتنافس على الممرات والطاقة والتكنولوجيا.

غير أن وضوح الرؤية ودقة الإدراك لا يكفيان وحدهما إذا لم يجدا، في السياسة ووسائطها، ما يكفي من القدرة على الحمل والترجمة والإنجاز. ومن هنا تحديداً يبدأ الخلل: ليس في غياب المشروع، بل في المسافة التي ما تزال تفصل، في أكثر من مستوى، بين ما راكمته الدولة من وضوح في الاتجاه، وبين قدرة الحامل السياسي والمؤسساتي على تحويل هذا الوضوح إلى أثر.

وبناءً على ذلك، يتوجب أن يرتقي النقاش حول مكانة الدولة الوطنية وموقعها في سياق التحول الجاري في العالم، إلى طرح أسئلة القدرة على الحسم، والسرعة في التنفيذ، والنجاعة في تحويل التحديات إلى فرص، والفرص إلى مكاسب. ذلك لأن الزمن نفسه -في سياقنا الوطني الراهن- يصبح مورداً سيادياً ثميناً بما لا يقاس. وفي هذا السياق تصبح أولى العبر التي يتعين استخلاصها هي أن الدول التي تؤجل حسم أسئلتها الداخلية أو تؤخر معالجتها لا تخسر فقط بعض الكفاءة، بل قد تخسر جزءاً من موقعها الممكن في خرائط القوة الجديدة التي يجري صياغتها.

والمغرب، من هذه الزاوية، لا يدخل هذه اللحظة من موقع هش أو هامشي؛ لقد راكم خلال العقدين الأخيرين عناصر قوة حقيقية: استقراراً مؤسساتياً، وموقعاً جيوسياسياً فريداً بين المتوسط والأطلسي وإفريقيا، وبنية لوجستية وصناعية تتقدم تدريجياً، وتموضعاً خارجياً أكثر وضوحاً في ملفات السيادة والربط القاري والطاقة. لكن ما يحد اليوم من تحويل هذه العناصر إلى قفزة نوعية ليس نقصاً في الرؤية الاستراتيجية، بل اتساع الفجوة بين زمن الدولة وزمن الوسائط السياسية والحزبية التي يفترض أن تكون روافع صلبة في البناء.

هنا تحديداً يجب أن يقال الأمر بوضوح: المعضلة الحزبية في المغرب لم تعد مجرد أزمة وساطة أو تراجع ثقة أو ضعف تأطير، أو عجز عن إنتاج المعنى، على أهمية كل ذلك. لقد أصبحت، في جانب منها، مشكلة ذات كلفة سيادية مباشرة على الدولة والمجتمع معاً. ذلك أن الأحزاب، حين تمسك بالقرار العمومي في الحكومة والبرلمان وفي المختبر الإداري والترابي، ولا ترتقي إلى مستوى الرهانات الوطنية والدولية المصيرية، لا تعطل نفسها فقط، بل تستنزف طاقة المجتمع ومعها الزمن السيادي للدولة، وتبطئ حركتهما، وتحوّل جزءاً من الفرصة التاريخية المتاحة إلى فرصة مهدورة.

ويتراءى لي أن عقلاء كُثر من أبناء البلد، ومن حساسيات وآفاق مختلفة، ما انفكوا يدعون لمعالجة هذا الخلل؛ بل إن أعلى سلطة في الدولة نفسها -ومنذ سنوات- نبهت إلى ضرورة التصدي لهذا الخلل. ويكفي أن نذكر هنا -على سبيل المثال فقط- أن جلالة الملك وجه في خطاب العرش لسنة 2017 نقداً شديداً للعجز عن الإنصات للمواطنين وعن حل مشاكلهم، ودعا صراحة في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2018 إلى مراجعة طرق اشتغال الأحزاب وتقوية أجهزتها بالكفاءات العاملة في التفكير والتحليل والابتكار. في مثل هذه الخطابات، التي تكرر محتواها لاحقاً بكثرة، لم يكن الأمر مجرد موعظة سياسية، بل كان تشخيصاً عميقاً لخلل بنيوي. لكن ما وقع بعد ذلك يبرهن أن التنبيه وحده لا يكفي؛ لأن الأحزاب، في مجملها، لم تظهر بالقدر الكافي من المسؤولية تحولاً يوازي حجم النقد ولا منسوب الرهانات والتحديات المطروحة على الأجندة الوطنية.

لهذا يبدو الرهان على الإصلاح الذاتي الحزبي رهاناً ضعيفاً إلى حد بعيد. ليس فقط لأن الإرادة غير ظاهرة، بل لأن البنية نفسها لا تدفع إليه. فالأحزاب مطالبة بإصلاح نفسها عبر الآليات ذاتها التي أنتجت أعطابها: منطق الزعامة، وشبكات التموضع، وهشاشة الديمقراطية الداخلية، وفقر الأجهزة الفكرية، وضعف صناعة النخب التنفيذية، ومقاومة مستميتة تبديها ذهنية الريع والغنيمة المتجذرة في مفاصلها. وفي مثل هذه البنية لا يولد الإصلاح من الداخل غالباً، بل يولد الاكتفاء بإعادة التموضع داخل الاستمرار وتحت سقف النمط نفسه. تلك واحدة من تجارب شخصية عشتها من الداخل وفي معمعة تحمل المسؤولية الحزبية، التي قد يأتي أوان التفصيل فيها ذات يوم.

حين يضيق الزمن السيادي ثم يأتي عامل الزمن ليزيد الصورة حدة؛ فالانتخابات التشريعية المقبلة حُدد لها يوم 23 شتنبر 2026. وهذا الأفق الزمني لا يسمح، عملياً، بأي إصلاح حزبي عميق قبل الاقتراع. لذلك، فإن التوقع الأقرب إلى الواقعية ليس أن تنتج الانتخابات قطيعة بنيوية مع الأعطاب الحالية، بل أن تعيد -بدرجات متفاوتة وبصيغ مختلفة- إنتاج المشهد نفسه، حتى لو تبدلت المراتب والتحالفات. والخطر ليس فقط في إعادة الإنتاج، بل في أن هذا التكرار سيقع في ظرف دولي أشد حساسية وضغطاً من أي وقت مضى.

هذا الظرف الدولي الضاغط لا يرتبط فقط بإعادة تشكيل النظام الدولي على نحو عام، بل أيضاً بثلاثة استحقاقات كبرى تمس المغرب بصورة مباشرة:

الأول: أن المغرب يقترب، أكثر من أي وقت مضى، من ترجيح أفق الحكم الذاتي بوصفه الحل الواقعي والجاد للنزاع المفتعل حول الصحراء. وعلى الرغم من عدم وجود معطيات دقيقة وموثقة عن مآل المفاوضات الجارية -برعاية أمريكية وأممية وبدعم معلن من قوى دولية وازنة تنتصر للحكم الذاتي- فإن المؤشرات التي تتوالى بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي 2797، وتتعزز أكثر في سياق ما يتم رصده من معطيات مرتبطة بالمفاوضات الجارية، جميعها تعني أن المغرب يتحرك داخل دينامية دولية ترجح سيناريو حل الحكم الذاتي أكثر من السابق. ومن ثم فإن التحدي المقبل لم يعد فقط كسب الاعترافات وحشد الدعم، بل الاستعداد السياسي والمؤسساتي والتنموي لما يفرضه هذا الأفق من مسؤوليات واستحقاقات جديدة.

وفي ارتباط بهذا الاستحقاق المصيري، ربما يتوجب هنا أن نميز -من الناحية الإجرائية فقط- بين ما يستوجبه الاستحقاق من ترتيبات سياسية ومؤسساتية لاستيعاب جهة الحكم الذاتي في المعمار المؤسساتي الوطني على قاعدة جبهة داخلية أكثر تماسكاً وثقة ونجاعة، وما يعنيه ذلك من قدرة على الحسم في ملفات الشفافية، ومحاربة الفساد، وإنهاء تضارب المصالح، وتحسين نجاعة السياسات العمومية، وتقوية العدالة الاجتماعية والمجالية؛ وبين ما هو مرتبط بإنضاج شروط إنجاز انتقال جذري صار يلوح في الأفق في موقع الدولة نفسها: من الدولة المدبرة للتوازنات في الإقليم إلى الدولة المصممة للمعادلات في الفضاء الإفريقي والأطلسي.

الثاني: أن دروس الحرب المستمرة على إيران في امتداداتها المتشعبة تعيد التذكير، بعنف، بأن العالم عاد إلى زمن الاختناقات الاستراتيجية. فالوكالة الدولية للطاقة تؤكد أن مضيق هرمز عبره في 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي نحو ربع تجارة النفط المنقول بحراً، وأن 80% من هذه التدفقات تتجه إلى آسيا، مع محدودية البدائل المتاحة لتجاوز المضيق. وتؤكد أيضاً أن إغلاقاً مطولاً ستكون له آثار ضخمة على النفط والغاز معاً، لأن المضيق يمر عبره أيضاً نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. بعبارة أخرى: الحرب المستعرة لا تقدم فقط درساً عسكرياً، بل تعيد تعريف الطاقة باعتبارها مسألة أمن قومي مباشر يمس بلادنا في الصميم.

الثالث: أن المغرب نفسه، بالرغم من الجهد الجبار الذي بُذل، ما يزال شديد الانكشاف طاقياً. فاعتماده البنيوي على الواردات الطاقية يجعل أي اضطراب كبير في الممرات أو الأسعار لا يبقى حدثاً خارجياً محايداً، بل يتحول مباشرة إلى ضغط على الحسابات الخارجية، وعلى كلفة الإنتاج، وعلى القدرة الشرائية، وربما -إذا طال أمد الصدمة- على كلفة التمويل وهوامش المناورة الاقتصادية نفسها. صحيح أن الدولة ما تزال تملك من الأدوات والاحتياطيات ما يتيح امتصاص الصدمات القصيرة ويمنع الانزلاق الفوري إلى وضع غير مضبوط، لكن ذلك لا يغير أصل المشكل: الهشاشة الطاقية قائمة، وهي تجعل الزمن المتاح للتكيف أضيق مما يبدو. ومن هنا يصبح الانتقال الطاقي، وتعميق السيادة في هذا المجال كما في مجالات أخرى ذات صلة، ليس فقط خياراً تنموياً أو بيئياً، بل خياراً سيادياً بامتياز.

إذا جمعنا هذه المستويات الثلاثة معاً، اتضحت دقة وخطورة اللحظة التي تجتازها بلادنا. فالمغرب ليس أمام ترف سياسي، بل أمام امتحان تاريخي مزدوج: من جهة، أفق سيادي يقترب من فرض الحكم الذاتي في ملف الصحراء بما يفرضه من جاهزية عالية للدولة والمجتمع والمؤسسات؛ ومن جهة ثانية، عالم مضطرب أعاد الطاقة والممرات والمرونة الاستراتيجية إلى صدارة الأولويات. وفي مثل هذه اللحظة، لا يصبح السؤال المطروح: هل تعيش الأحزاب أزمة؟ هل ترقى حصيلة تدبيرها لشؤون الوطن في الحكومة والبرلمان والإدارة والجماعات إلى الحد المعقول؟ فالجواب على ذلك صار بديهياً ومعروفاً، ولسنا نحن من يطلق هنا أحكاماً انطباعية، بل إن المؤسسات الوطنية والدستورية نفسها ما انفكت تقول ذلك.

ولذلك فالسؤال الحقيقي هو: هل يجوز أن يبقى جزء من الزمن الوطني رهينة أحزاب معطوبة ثبت أنها عاجزة عن إصلاح نفسها، وثبت أيضاً أنها لم تقو -وهي في موقع القرار الحكومي المدعوم بأغلبية برلمانية مريحة وحصة الأسد في الجماعات الترابية- على تجسير الفجوة بين رؤية مرجعية ومشروع واضح تحمله الدولة في مستوياتها العليا، وبين وسائط عاجزة عن حملها وتنزيلها في مستويات التنفيذ والترجمة والعيش اليومي للمواطن؟

لقد جربنا تقريباً كل الآليات التقليدية لإصلاح هذا الخلل ولكن من دون أثر حاسم: جرى التنبيه من أعلى، وُجهت انتقادات صريحة للأحزاب وطريقة اشتغالها، جرى التذكير بواجب الإنصات للمواطنين وربط المسؤولية بالمحاسبة، طُرحت الحاجة إلى أحزاب تنتج الكفاءات والتفكير والابتكار. ومع ذلك، لم يقع التحول البنيوي المنتظر. هذا ليس تفصيلاً بل حقيقة تتكشف ومعناها أن الأزمة أعمق من أن يتم حلها بالموعظة السياسية أو بالتأنيب العلني، مهما بلغت حدتهما.

جربنا أيضاً آلية التعويض؛ أي أن تتدخل الدولة، كلما ظهر عجز حزبي أو قطاعي، عبر القنوات الإدارية والترابية والتقنية من أجل حماية الاستمرارية وضمان حد أدنى من النجاعة. وقد نجحت هذه الآلية جزئياً في إنقاذ التنفيذ ومنع الشلل في ملفات متعددة. لكنها، مع ذلك، لم تعالج أصل الخلل، بل إنها أنتجت مفارقة دقيقة: كلما توسعت قدرة الدولة على التعويض عن ضعف الأحزاب في القطاعات التي تدبرها، تقلصت الحوافز الواقعية لإصلاح الأحزاب نفسها. وهكذا صار التعويض ضرورياً، لكنه غير كافٍ؛ مفيداً، لكنه لا يعالج المرض.

أما الرهان على أن تدفع كلفة الفشل بعض القوى إلى مراجعات اضطرارية، فقد أثبتت التجربة محدوديته هو الآخر؛ لأن الحقل الحزبي كما قلنا لا يتصرف غالباً بمنطق التعلم من الخسارة، بل بمنطق إعادة التموضع داخل الممكن نفسه. لذلك لم يعد السؤال: كيف ننتظر أن تصلح الأحزاب نفسها؟ بل صار السؤال الأصح: كيف نمنع أعطابها من ابتلاع الزمن الاستراتيجي للدولة؟

نطرح هذا السؤال مجدداً لأن كلفة الخلل الحزبي عندما تبلغ هذا الحد، يصبح من غير الوارد أن تستمر الدولة في امتصاص الأعطاب إلى ما لا نهاية؛ لأن ما كان في السابق عبئاً سياسياً جرى تدبيره بالطريقة التي نعرفها جميعاً، صار اليوم عبئاً سيادياً يمتص طاقة المنعطف المطلوب. ولأن هذه الكلفة صارت تُدفع اليوم داخل زمن لم يعد محايداً؛ فالدولة لا تتحرك في فراغ زمني مفتوح، ولا في إيقاع يسمح بترحيل الاختلالات من محطة إلى أخرى من دون ثمن متزايد.

نحن أمام زمن سيادي ضاغط: زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتثقل فيه رهانات الماء والطاقة والغذاء، ويقترب فيه ملف الصحراء من مرحلة أكثر حسماً بما تفرضه من استحقاقات جديدة، وتتعاظم فيه الحاجة إلى جبهة داخلية متماسكة، وإلى مؤسسات سريعة، وإلى وسائط قادرة على حمل المشروع لا تعطيله. وفي مثل هذا الزمن، لا تعود أعطال السياسة وأعطاب الوساطة مجرد خلل في الأداء، بل تتحول إلى استهلاك مباشر من رصيد الدولة الاستراتيجي. فكل مرة تضطر فيها الدولة إلى تعويض بطء الحامل السياسي أو ضعف الوساطة، فهي لا تدفع فقط كلفة إدارية أو تدبيرية، بل تدفع أيضاً من زمنها السيادي نفسه؛ أي من قدرتها على التركيز، والحسم، والتحويل السريع لأولوياتها إلى أثر. ومن هنا تكتسب المسألة طابعها الاستعجالي الحقيقي: فالسؤال لم يعد فقط إلى متى ستتحمل الدولة كلفة الأعطاب؟ بل كم من الزمن السيادي تستطيع أن تنفقه بعد في تحملها؟

هنا تحديداً تفرض نفسها فكرة أراها أكثر دقة من كل الصيغ الملتبسة التي يجري تداولها في نقاشاتنا العمومية: المغرب في حاجة إلى جراحة سيادية تحت سقف الدستور.

الجراحة السيادية تحت سقف الدستور ومرة أخرى فإن ما أعنيه بهذه الصيغة ليس استعارة فضفاضة. ما أقصده بالضبط تدخلاً سيادياً إرادياً لا يقفز على الدستور، ولا يعلق السياسة، ولا يلغي الأحزاب، ولا يصادر التعددية؛ لأن ذلك سيكون خطأً فادحاً، فضلاً عن أنه لا يرد في عقل ومنطق اشتغال الدولة نفسها كما اختبرها المغاربة في الميدان. المقصود هو العكس تماماً: تفعيل المنطق العميق للدستور من أجل إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة الاستراتيجية -التي قد يكون من الأنسب أن نعرفها بالنظر للتحديات التي يفرضها السياق الدولي الراهن بـ “دولة المهمة L’Etat mission”- في علاقتها بالحكومة، والأحزاب، والبرلمان، على نحو يمنع أعطاب الوساطة وما تنتجه من سياسة سياسوية من تعطيل الأولويات العليا للبلد. فالدستور لا يحمي التعددية فقط، بل يربطها أيضاً بالحكامة الجيدة، والمسؤولية بالمحاسبة، والتدبير العمومي بالنجاعة.

غير أن الدعوة إلى جراحة سيادية تحت سقف الدستور لا تستقيم إلا إذا حُددت مفاصلها بدقة، حتى لا تنزلق إلى عموميات إنشائية أو إلى تأويلات تمس روح الدستور بدل أن تستكملها. فالمقصود هنا ليس القفز على السياسة، ولا الالتفاف على التعددية، ولا إضعاف المؤسسات، بل إعادة ترتيب بعض المفاصل التي صار اختلالها يحمّل الدولة كلفة لا ينبغي أن تستمر في تحملها وحدها. ومن هذه الزاوية، يمكن تحديد أربعة مفاصل رئيسية يبدو أن إعادة ضبطها أصبحت اليوم ضرورة وطنية لا مجرد خيار إصلاحي مؤجل:

أول هذه المفاصل: تحصين وحماية مسار الأولويات السيادية من كل ما يبطئ حملها أو يعرقل تحويلها إلى أثر. ورفعاً لكل لبس، علينا أن نذكر هنا أن تحرير الأولويات السيادية قائم فعلاً في بلادنا، ومسنود بالدستور نفسه، وقد صار جزءاً أصيلاً من منطق الدولة. فدستور 2011 يجعل التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة من اختصاصات المجلس الوزاري برئاسة الملك، بينما تُناط بالحكومة مسؤولية تدبير السياسات العمومية والقطاعية وتنفيذها.

هذا يعني أن تحييد الأولويات العليا عن التفاوض الحزبي اليومي ليس مجرد اجتهاد ظرفي أو ممارسة عابرة، بل يستند إلى منطق دستوري واضح، وإلى هندسة مؤسساتية تجعل من الدولة الاستراتيجية المرجع في القضايا التي تمس المصلحة العليا للبلاد. وقد أظهرت الممارسة خلال السنوات الأخيرة أن هذا التحرير صار قاعدة اشتغال في ملفات كبرى من قبيل الماء، والسيادة في أبعادها الطاقية والغذائية والدوائية، وواجهة المغرب الأطلسية، والاستعداد للمونديال، والاستعداد السياسي والمؤسساتي لأفق الحكم الذاتي في الصحراء…

غير أن الحاجة تبدو اليوم ملحة -في ضوء ما أشرنا إليه من تحديات- إلى استكمال هذا التحرير وتحصينه في مستواه الأكثر حساسية: مستوى التنفيذ والتنزيل من أعلى إلى أسفل؛ أي حماية انتقال هذه الأولويات من مستوى القرار الاستراتيجي في القمة إلى مستوى الترجمة العملية داخل الحكومة، والبرلمان، والإدارات، والجماعات الترابية، من أعطال البطء، وضعف التنسيق، والتجاذب الحزبي، ومحدودية الالتقائية بين المتدخلين، وتشتت المسؤوليات، والاستهتار بها أحياناً. فالمشكلة في المغرب لم تعد أساساً في غياب تحرير الأولويات السيادية، بل في أن هذا التحرير لا يبلغ دائماً، بالوضوح والسرعة نفسيهما، مستويات الحمل السياسي والمؤسساتي والتنفيذي عبر مختلف حلقات الدولة. والدليل على ذلك، إن كنا نحتاج إلى دليل، ما كشف عنه المجلس الأعلى للحسابات عند تقييمه لبرامج التنمية المنبثقة عن اتفاقيات موقعة في أعلى مستوى؛ فقد سجل المجلس أن من أصل 78 برنامجاً واتفاقية جرى فحصها، لم يُستكمل سوى 32 برنامجاً فقط، أي ما يعادل 41%، بينما بقي 46 برنامجاً (59%) غير منتهية، بسبب ضعف التنسيق القبلي، وتأخر الدراسات، وعدم تعبئة العقار في الوقت المناسب، وتفاوت القدرات التدبيرية، ونقائص في قيادة التنفيذ والتتبع. وهذا يؤكد أن المشكلة لا تكمن في كثير من الأحيان في غياب القرار أو التوجيه، بل في تعثر ترجمته داخل السلسلة الحكومية والإدارية والترابية.

ثاني هذه المفاصل: هو تحويل الحكومة فعلاً إلى جهاز إنجاز، وهو مفصل يقتضي هو الآخر أعلى درجات التدقيق حتى لا يُفهم على غير وجهه. فالحكومة في النظام الدستوري المغربي ليست إدارة تقنية صرفة، بل مؤسسة سياسية كاملة تستمد مشروعيتها من التعيين الدستوري، ومن البرنامج الحكومي، ومن ثقة البرلمان، وتمارس السلطة التنفيذية تحت سلطة رئيس الحكومة الذي منحه دستور 2011 اختصاصات تنظيمية وتنسيقية وقيادية واضحة. كما أن القانون التنظيمي المنظم لتسيير أشغال الحكومة لم يأتِ لتقليص هذا البعد السياسي، بل لعقلنته وتأطيره وضمان انسجامه. وقد يعترض قائل بأن الحكومة تحظى بشرعيتين مترابطتين: شرعية التعيين، وشرعية التنصيب البرلماني، وأن معيار الحكم والمحاسبة في النهاية هو الشعب حين يحين موعد الاقتراع.

إن هذا اعتراض وجيه من حيث الأصل، لكنه لا ينقض ما نقوله، بل يؤكده من زاوية أخرى؛ لأن هذه الشرعيات لا تمنح الحكومة حق الوجود السياسي فقط، بل تحملها واجب الأثر. فهي لا تجعل منها مجرد هيئة تمثيل حزبي أو ائتلافي، بل سلطة تنفيذية مسؤولة عن التنسيق والتنفيذ والنتائج. ومن ثم، فالمطلوب ليس تحويل الحكومة من فضاء سياسي إلى جهاز إداري، بل تفعيل المكتسب الدستوري على نحو يجعل التمثيل السياسي داخل الحكومة خادماً للإنجاز لا بديلاً عنه. فالمشكل ليس أن الحكومة سياسية أكثر مما ينبغي، بل أنها لا تنجح دائماً في تحويل شرعيتها السياسية إلى قدرة تنفيذية منسجمة.

كما أن الاحتكام إلى الناخبين لا يعني تعليق كل مساءلة إلى نهاية الولاية، لأن الدستور يقيم المسؤولية الحكومية على المساءلة المستمرة وربط المسؤولية بالمحاسبة. أما كيف يتم ذلك بالتحديد، فالمقصود في الحد الأدنى هو رفع كلفة البطء الحكومي، وتحسين الانسجام بين القطاعات، وربط شرعية التمثيل بوضوح المسؤولية والنتائج. أما صيغ تحقيق ذلك، فهي من المواضيع التي ينبغي أن تبقى مفتوحة للنقاش العمومي وللاجتهاد الدستوري والتشريعي.

ثالث المفاصل: يتعلق بالأحزاب نفسها، ويقتضي هو أيضاً أعلى درجات التدقيق؛ لأن الأمر يتعلق بمؤسسات دستورية للوساطة والتأطير والتمثيل. فدستور 2011 أسند إليها وظيفة واضحة في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، ونص على أن تنظيمها وتسييرها يجب أن يكونا مطابقين للمبادئ الديمقراطية. ومن ثم، فالمطلوب هو تفعيل المقتضى الدستوري على نحو يجعل الاعتراف العمومي والدعم المالي مرتبطين بصورة أكثر صرامة بمدى اقتراب الحزب من وظيفته الدستورية الفعلية: في التأطير، وصناعة النخب، واحترام الشفافية. فالمشكل هو أن الإطار المعياري القائم لم ينتج بعد فرزاً وظيفياً بين حزب يقوم بدوره العام، وحزب يظل مستفيداً من الامتيازات رغم محدودية أدائه أو تحوله إلى مجرد وعاء انتخابي موسمي.

ولا بد هنا من التحذير من خطر الوقوع بين خطأين متقابلين: إما ترك الحقل الحزبي في رخاوته الحالية باسم حماية التعددية، وإما المساس بالتعددية نفسها باسم البحث عن الفعالية. والمطلوب هو الجمع بين الأمرين: صون التعددية، ورفع كلفها عن الدولة حين تتحول إلى شكل بلا وظيفة. أما كيف يتم ذلك، فليس عبر تضييق الحرية الحزبية، بل عبر آليات موضوعية تربط الدعم العمومي بمعايير الديمقراطية الداخلية والقدرة الفعلية على الاقتراح. كما يقتضي أيضاً القطع مع ثقافة إرجاء القضايا الحاسمة إلى “مواثيق شرف” فضفاضة، وحسمها بدلاً من ذلك داخل النصوص والآليات والمؤسسات.

رابع المفاصل: يتعلق بالمؤسسة البرلمانية وبإعادة وزن الوظيفة التمثيلية والرقابية داخل الدولة. وهذا بدوره مفصل يقتضي حذراً، لأن المقصود هو استكمال ما أراده له الدستور بوصفه فضاءً للتشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية، لا مجرد غرفة لتأمين الإسناد العددي للحكومة. فالمشكل هو أن المساندة الحكومية لا ينبغي أن تُفرغ البرلمان من وظيفته الأثقل: مساءلة السياسات وفرض سؤال النتائج.

والمطلوب هو برلمان يضيف إلى الدولة ما لا تستطيع الحكومة أن تضيفه وحدها: التدقيق، والتقويم، والتقييم، وإدخال انتظارات المجتمع وقلقه إلى صلب النقاش العمومي. وهذا يعني ألا يتحول التشريع إلى مجرد امتداد آلي للأجندة الحكومية، وألا تُفرغ الرقابة من ثقلها، وألا تُختزل حقوق المعارضة في الحضور العددي. أما كيف يتم ذلك تفصيلاً، فليس عبر تعطيل منطق الأغلبية، بل عبر اجتهاد يعيد ضبط العلاقة بين المساندة والمساءلة، ويرفع من الوزن العملي لأدوات التقييم.

إن مواطن الخلل تظهر بوضوح أكبر حين ننتقل من النص إلى التجربة. فقد تبين لي من واقع الممارسة أن المشكلة تكمن في هشاشة الاستمرارية المؤسسية أمام تغير المواقع. وهنا أعطي أمثلة عشتها: فحين كنت رئيساً لمجلس المستشارين أطلقنا مبادرات لتقوية نجاعة الرقابة، مثل آلية تتبع تنفيذ الالتزامات والوعود التي يطلقها الوزراء، لضمان تحويل الجواب الحكومي إلى التزام قابل للمساءلة، غير أن هذه الآلية جرى الإجهاز عليها لاحقاً.

وفي الاتجاه نفسه، كان هناك حرص على جعل المجلس فضاءً يستوعب أسئلة المواطنين عبر تنظيم منتديات منتظمة للنقاش العمومي، بمنطق مؤسساتي قائم على استخلاص المخرجات (OUTPUTS) وتحويلها إلى أدوات تغذي التشريع والرقابة، لكن هذا النفس جرى إفراغه هو الآخر من محتواه. بل إن الأمر امتد إلى الدبلوماسية البرلمانية، حيث جرى تأسيس منتدى يجمع برلمانات إفريقيا وأمريكا اللاتينية، مثّل وقتها مكسباً نوعياً لحضور المغرب البرلماني الخارجي، ثم ما لبث هذا التراكم أن فقد أثره. وهنا تتجلى إحدى أخطر آفات المنطق الحزبي الضيق: أنه لا يكتفي بإبطاء المؤسسة، بل يضعف ذاكرتها ويقطع استمرارية التراكم داخلها.

إنقاذ الممكن الآن… وإبقاء الأسئلة الكبرى مفتوحة إذا كانت هذه المفاصل الأربعة تكشف أن الخلل لم يعد كامناً فقط في ضعف أداء ظرفي، فإن النتيجة هي أن المغرب يواجه حدود بنية كاملة في الوساطة والحمل والتنفيذ. ومن هنا، فالمسألة لم تعد تتعلق بمن سيتصدر الانتخابات المقبلة، ولا بأي تحالف سيقود الحكومة، ولا بمن سيترأس “حكومة المونديال” (يا لسخافة الشعار)؛ فالمسألة أعمق بكثير: هل يريد المغرب أن يواصل الدوران داخل البنية نفسها، أم يريد أن يحمي زمنه السيادي من الأعطاب التي صارت تكلفه وقتاً ثميناً؟

في اعتقادي، لا يكفي اليوم أن نقول إن الأحزاب ضعيفة، بل المطلوب هو الانتقال إلى قرار مؤسسي حاسم: أن لا تبقى الشرعية الانتخابية وحدها كافية لتولي القرار العمومي، وأن لا تبقى الكفاءة خارج المساءلة السياسية، وأن لا تبقى الدولة مضطرة لحمل عبء الرؤية والتنفيذ والتصحيح في آن واحد. ذلك هو معنى الجراحة السيادية تحت سقف الدستور: لا استثناء على الشرعية بل إنفاذ أعمق لها، ولا استئصال للسياسة بل استئصال للأورام التي نمت داخلها.

إن المغرب، وهو يقترب من أفق جديد في ملف الصحراء، ويقرأ دروس الحرب والطاقة، لا يحتاج إلى مزيد من الانتظار، بل يحتاج إلى شجاعة مؤسساتية تجعل من هذه اللحظة فرصة لإعادة ترتيب أدواته. ليس من الطبيعي أن تظل الدولة تتحمل كلفة أعطال السياسة؛ لأن الدولة التي تُضطر دائماً لتعويض ضعف أدواتها تستهلك من زمنها الاستراتيجي وتدفع من فرصتها التاريخية. وعند هذه النقطة، لا يعود الإصلاح ترفاً، بل يتحول إلى ضرورة وطنية لحماية زمن الدولة وصيانة جدوى السياسة.

ومع ذلك، فإن الحسم في المبدأ لا يعني القفز على السؤال: ما الذي يمكن فعله فعلاً في الزمن المتاح؟ وهل تستدعي هذه الجراحة تعديلاً للدستور؟ الجواب الأرجح أن الزمن المتبقي في أفق الانتخابات المقبلة لا يسمح بفتح هذا الورش على نحو ناضج. ولذلك فإن أضعف الإيمان هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه داخل الزمن المتاح ومن داخل الدستور القائم، عبر تفعيل أكثر صرامة لروحه.

لكن هذا لا يلغي أن الأسئلة الكبرى التي يثيرها هذا المقال لا ينبغي ترحيلها؛ فالخلل لم يعد عرضياً، وإذا أفضت المفاوضات حول الصحراء إلى اتفاق يقوم على اعتماد الحكم الذاتي، فإن مراجعة دستورية ستغدو ضرورية لإدماجه في المعمار الدستوري. ومن ثم، فإننا لا نقصد إغلاق النقاش الدستوري، بل ترتيب أولوياته: إنقاذ الممكن الآن، مع إبقاء الأسئلة الكبرى المتعلقة بكيفية المعالجة الجذرية لكلفة أعطال السياسة ضمن صلب الأجندة الوطنية المقبلة.

إن إنقاذ الممكن الآن لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لطي الأسئلة الأثقل، لأن ما يُطرح هنا يمس بنية الوساطة نفسها. وعندما تبلغ الدولة هذه النقطة، لا يعود الإصلاح خياراً، بل شرطاً من شروط حماية المشروع نفسه.

The post بنشماش يتساءل: إلى متى تتحمل الدولة كلفة أعطال السياسة وأمراض الوساطة؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤