عاد مشروع تهيئة بحيرة مارتشيكا بإقليم الناظور إلى واجهة النقاش السياسي، بعد التصريحات التي أطلقها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران، والتي انتقد فيها ما اعتبره تراجعاً في الدعم والمواكبة المخصصة لهذا الورش التنموي، رابطاً ذلك بالسياق السياسي الذي انطلق فيه المشروع.
ووفق رواية ابن كيران، فإن وكالة مارتشيكا والمشروع المرتبط بها لم يحظيا خلال المرحلة اللاحقة بالدعم والتمويل الكفيلين بتسريع إنجاز مختلف مكوناته، معتبراً أن خلفيات سياسية مرتبطة بكون المشروع انطلق في عهد حكومة كان يقودها حزب العدالة والتنمية أصبحت، بحسب تقديره، عاملاً مؤثراً في طريقة التعامل معه.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر يتجاوز مجرد خلاف في وجهات النظر حول أولويات الاستثمار العمومي، ليمس جوهر الحكامة السياسية للمشاريع الكبرى. فالمشاريع التنموية لا ينبغي أن تقاس بمن أطلقها أو في عهد أي حكومة ولدت، وإنما بقدرتها على خدمة المواطنين وتحقيق التنمية في المناطق التي تستهدفها.
وتكمن خطورة منطق الحسابات السياسية، إن ثبت وجوده، في أنه يجعل المشاريع العمومية رهينة لتبدل الحكومات والأحزاب، ويحوّل الاستمرارية المؤسساتية إلى ضحية للصراع السياسي. والحال أن وكالة مارتشيكا ليست ملكاً لحزب أو حكومة، ومشروع تهيئة البحيرة ليس إرثاً سياسياً لفريق حكومي دون غيره، بل ورش وطني يفترض أن تتكامل حوله المؤسسات لخدمة إقليم الناظور وساكنته.
والأكثر إثارة للقلق في تصريحات ابن كيران حديثه عن تغييرات طالت مسؤولين وأطراً وكفاءات راكمت تجربة داخل المشروع، معتبراً أن إبعادها واستبدالها بأسماء أخرى أثر، بحسب تقديره، على استمرارية الخبرة وعلى الأداء التنفيذي.
وفي المشاريع الكبرى، لا يمكن التعامل مع الخبرة المتراكمة باعتبارها تفصيلاً إدارياً ثانوياً. فكل تغيير في فرق العمل يحتاج إلى مبررات واضحة وضمانات لاستمرارية المعرفة التقنية والتدبيرية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بورش يمتد لسنوات ويتطلب تنسيقاً بين قطاعات ومؤسسات ومستثمرين ومصالح محلية ووطنية.
الناظور، في المقابل، لا تملك ترف الانتظار أمام الحسابات السياسية أو صراعات النفوذ. فالمنطقة تحتاج إلى مشاريع تخلق الثروة وفرص الشغل، وتستقطب الاستثمار، وتثمن موقعها ومؤهلاتها الطبيعية والسياحية، وتمنح الاقتصاد المحلي دفعة حقيقية.
ومن هذه الزاوية، فإن أي تعطيل أو تباطؤ غير مبرر في مشروع مارتشيكا لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للمزايدة الحزبية، بل إلى مناسبة لفتح نقاش مسؤول حول أسباب التأخر، ومصادر التمويل، ونسب الإنجاز، ومآل المشاريع المبرمجة، والمسؤوليات المرتبطة بكل مرحلة.
كما أن الرد الحقيقي على تصريحات ابن كيران لا ينبغي أن يكون سياسياً فقط، بل يجب أن يكون بالأرقام والوثائق والحصيلة. فإذا كانت وكالة مارتشيكا تتوفر على رؤية وبرامج وتمويلات واضحة، فمن حق الرأي العام أن يعرف مستوى تقدمها ومواعيد إنجاز مكوناتها ومصادر تمويلها. وإذا كانت هناك صعوبات مالية أو إدارية أو تقنية، فإن المصارحة بها أفضل من ترك المنطقة أسيرة للانتظار والتأويلات.
المطلوب اليوم هو تحييد مارتشيكا عن التجاذبات السياسية، وإعادة وضع المشروع في مكانه الطبيعي: ورش تنموي يخدم الناظور وليس ورقة في الصراع بين الحكومات والأحزاب.
فالحكومة الحالية لا يفترض أن تتعامل مع المشاريع بمنطق من أنجزها ومن لم ينجزها، وإنما بمنطق ما الذي يخدم المصلحة العامة. والحكومة السابقة، بدورها، مطالبة بأن تقدم حصيلة واضحة لما أنجزته وأن تتحمل مسؤوليتها السياسية عن الاختيارات التي قامت بها. أما الحساب النهائي، فيجب أن يكون لصالح المواطن والمنطقة.
إن تصريحات ابن كيران، بصرف النظر عن دوافعها السياسية، أعادت إلى الواجهة سؤالاً بالغ الأهمية حول استمرارية المشاريع الاستراتيجية بالمغرب، وحول ضرورة إخراج الأوراش الكبرى من منطق الولاءات والحسابات الحزبية.
ومارتشيكا تحديداً تستحق أن تكون نموذجاً في الاستمرارية المؤسساتية، لا مثالاً على إمكانية تعطيل المشاريع بسبب تغير الحكومات وتبدل موازين القوى.
فالناظور لا تحتاج إلى معركة بين ابن كيران وأخنوش، ولا إلى صراع حول من يملك فضل إطلاق المشروع. ما تحتاجه هو مشروع مكتمل، وتمويل مستقر، وحكامة فعالة، وكفاءات تشتغل بعيداً عن الحسابات السياسية.

