فداء الحمزاوي
تصوير- علاء القداح
ضمن فعاليات مهرجان عشيات طقوس المسرحي في دورته التاسعة عشرة في البتراء، حضرت المونودراما البحرينية «بلا جدار» بوصفها اشتغالاً مسرحياً على واحدة من أكثر صور الاغتراب قسوة، أمّ تغادر وطنها وأبناءها بحثاً عن حياة أفضل لهم، ثم تكتشف أن المسافة لا تقاس بالكيلومترات، بل بما تتركه الغربة من شقوق في الذاكرة والعائلة والعاطفة.
منذ اللحظة الأولى، يبني العرض عالمه البصري من مفردات منزلية تبدو مألوفة، جدار، شباك، باب، طاولة صغيرة تحيط بها كراسٍ ملونة، كرسي خشبي هزاز، وفزّاعة، غير أن هذه التفاصيل البسيطة سرعان ما تنقلب إلى علامات مسرحية ذات دلالات نفسية، فالبيت الذي يفترض أن يكون فضاءً للحماية والأمان، يتحول تدريجياً إلى فضاء للعزلة، فيما يصبح الباب حدوداً بين امرأة وحياة تركتها خلفها، والجدار شاهداً صامتاً على سنوات لم تستطع الأم أن تستعيدها.
تدخل الممثلة فاطمة الشروقي إلى هذا العالم حاملة حقيبة، وكأنها تحمل غربتها كاملة في حقيبة سفر، تفتحها فتخرج منها دمى عديدة، لتبدأ لعبة مسرحية تتجاوز مفهوم الدمية بوصفها مجرد أداة، فكل دمية تصبح امتداداً لشخص غائب، أو ذاكرة، أو ابناً، أو زوجاً، أو حتى جزءاً من الذات التي أخذت الغربة في تفكيكها.
توبخ إحدى الدمى محاكاة لشخص تتخيله وتصرخ في وجهها، ما بك؟ ألا تستطيع أن تتنفس؟ ثم تبحث عن الصور التي كانت تملأ جدران المنزل، الصور التي رسمتها وزينتها، قبل أن تضع إطاراً حول رأسها وتقول، «أنت الآن لست سوى صورة».
في هذه اللحظة تحديداً، ينجح العرض في تحويل الصورة من ذكرى إلى سجن، فالمرأة لا تعيش مع أسرتها، بل تعيش مع صورهم، والأبناء لم يعودوا حضوراً يومياً، بل وجوهاً معلقة على جدار الذاكرة، وحين تصبح الأم نفسها «صورة»، يبدو أن الغربة لم تفصلها عن الآخرين فقط، بل بدأت تمحو حضورها من حياتهم أيضاً.
يتقدم العرض نحو طبقات أكثر قتامة من الذاكرة، حين تستعيد فاطمة علاقة زوجية مثقلة بالعنف والإذلال والاستغلال، تستحضر ليلةً كان فيها الزوج «جافاً» معها، وأسقطها مرتين، ثم تتحدث عن تعبها وهي تغفو بين ذراعيه مثقلة بمستقبل أبنائها، وفي لحظة شديدة الدلالة، تستلقي داخل الحقيبة وتصرخ، «ضربني ابن الـ…»، لتبدو الحقيبة هنا أشبه بقبر صغير تختبئ فيه امرأة من ذاكرة لم تستطع الهروب منها.
ثم تأتي أغنية أم كلثوم «أنت فين والحب فين» في الخلفية، لتخلق مفارقة بين رومانسية الأغنية ومرارة الشخصية، فالحب الذي تتغنى به الأغنية يتحول في عالم «بلا جدار» إلى سؤال غائب، وربما إلى شيء لم يعد له مكان في حياة امرأة استهلكتها المسؤوليات والانتظار والغربة.
تجلس الشخصية إلى الطاولة وتستمع إلى طرقات الباب، فتتخيل صفية وكأنها سألها عن أحمد اصبحت حبيسة أوهامها وتخيلاتها لأبنائها، ثم تستحضر الزوج وعباراته التي جعلتها تتحمل الغربة بحجة أن «الأولاد يعتمدون عليها»، غير أن الجملة التي يفترض أن تكون دافعاً للتضحية تتحول إلى أداة لاستنزافها، تقول «لقد طعنتني بغربتي حتى النخاع».
وهنا يتضح جوهر الصراع في العرض، فالغربة ليست قراراً فردياً، بل نتيجة منظومة أسرية اختل فيها توزيع الأدوار، الزوج لا يكتفي بأن يترك الأم تحمل العبء الاقتصادي، بل يستثمر غيابها عاطفياً، فيعيد تشكيل علاقة الأبناء بها، حتى تصبح المرأة التي اغتربت من أجلهم في نظرهم امرأة غائبة، وربما امرأة اختارت الابتعاد عنهم.
تتحول القهوة والشاي في العرض إلى طقوس انتظار، تقول«فنجان كالثقب الأسود»، ثم تطلب فنجان قهوة آخر، لتصف طعمه بأنه «طعم انتظار آخر»، وهنا يتجاوز الفنجان وظيفته الواقعية ليصبح استعارة للزمن، كل فنجان هو ليلة أخرى، وكل رشفة هي مساحة جديدة من الانتظار الذي لا ينتهي.
حتى الشارع الخارجي لا تنجو منه الشخصية في بحثها عن الأمان، تخرج وتجلس داخل الباب، مستذكرة خوفها من أن يخلو الشارع من المارة، ثم تعود إلى الطاولة وتتمنى لو أنها تعلمت قراءة الفنجان كي تعرف مسبقاً ما ينتظر حياتها، وكأنها، بعد أن فقدت القدرة على التحكم بمصيرها، تبحث عن أي وسيلة تمنحها وهماً بالمعرفة.
لكن أقسى لحظات العرض تأتي حين تحتضن الدمى وتخاطب أبناءها الغائبين، «متى ستعودون وتملأون أركان البيت؟ اشتقت لكم يا أولادي»، تتحول الدمى في هذه اللحظة إلى أبناء حقيقيين، ويصبح احتضانها لها محاولة يائسة لقتل وحشة الفراغ.
البيت بارد، والأركان فارغة، والأم التي خرجت منه لتصنع لأبنائها مستقبلاً أفضل تعود إليه لتكتشف أن الغياب كان له ثمنه، تقول في وجع «احتاجكم حولي، احتاج قتل وحشتي».
وهنا يطرح العرض سؤاله الأكثر قسوة، هل تستطيع التضحية أن تحافظ على الأسرة إذا كانت التضحية نفسها هي ما يهدد بتفككها؟
الأم لم تغادر لأنها لا تحب أبناءها، بل لأنها أرادت أن تمنحهم حياة أفضل، لكنها تجد نفسها في النهاية متهمة بالغياب، وفي المقابل، يستغل الأب هذا الغياب ليؤكد لهم أنها لا تحبهم كما يحبهم هو، فتتحول الأم من ضحية للظروف إلى متهمة داخل أسرتها.
ومن خلال المواجهات المتخيلة مع الزوج، تكشف الشخصية حجم الاستغلال الذي تعرضت له، هو الذي أقنعها بالسفر والعمل، وهو الذي وعدها بأن حياتهم ستكون أفضل، لكنه في الوقت ذاته لم يتحمل المسؤولية التي جعلها تدفع ثمنها وحدها، تقول له بمرارة، «لماذا أجبرتني أنا على العمل ولست أنت؟ أنت المسؤول عنهم».
هذه الجملة تختصر البنية النقدية للعرض، فـ«بلا جدار» لا تقدم الأم بوصفها ضحية عاطفية فقط، وإنما تكشف خللاً اجتماعياً في توزيع المسؤوليات، حين تتحول المرأة إلى المعيل والمضحية في آن واحد، بينما يحتفظ الرجل بدوره الأبوي على مستوى السلطة، ويترك للمرأة عبء العمل والبعد والحنين.
وتزداد المفارقة قسوة عندما تعود الأم في النهاية لتجد أن أبناءها، رغم تخرجهم ووصولهم إلى ما كانوا يطمحون إليه، يعيشون في واقع معيشي صعب يناقض الصورة التي رسمتها في مخيلتها عن ثمرة غربتها، ومع ذلك، لا تختار العودة النهائية إلى الوطن، بل تقرر أن تعود إلى الغربة مرة أخرى، وأن تستمر في العمل وإرسال المال إليهم.
وهنا تبلغ المأساة ذروتها، الأم لم تتحرر من الغربة لأنها لم تعد ترى لنفسها حياة خارج التضحية، لقد أصبحت الغربة قدراً، والعمل عقوبة، والحب التزاماً لا ينتهي، والأسرة مكاناً تحاول أن تثبت فيه أنها لم تتخلَّ عن أبنائها.
أدائياً، تحمل فاطمة الشروقي العرض بكامله على جسدها وصوتها، وتنجح في الانتقال بين مستويات متعددة من الشخصية، المرأة، الزوجة، الأم، المغتربة، والمجروحة التي تستعيد أصوات الآخرين من خلال الدمى، ويمنح وجود الدمى العرض بعداً نفسياً لافتاً، إذ تتحول من أشياء جامدة إلى شركاء في الحوار، فتبدو الشخصية وكأنها تعيش داخل بيت مأهول بالأجساد الغائبة.
أما محمد الحجيري، في الإخراج والسينوغرافيا، فيبني فضاءً لا يعتمد على كثافة العناصر بقدر اعتماده على قدرتها الرمزية، فالجدار والباب والشباك والحقيبة والكرسي والدمى ليست مجرد مفردات ديكور، وإنما مفاتيح لقراءة الحالة النفسية للشخصية، ويبدو العنوان «بلا جدار» مفارقاً لما نراه على الخشبة، فهناك جدار فعلي، لكن الجدار الحقيقي هو ذلك الذي نشأ داخل الأسرة، وبين الأم وأبنائها، وبين الإنسان ووطنه وذاكرته.
وفي هذا الاشتغال، يأتي محمد السكري، أمين السر في مسرح الريف، ضمن الفريق الذي أسهم في إنجاز العرض، الذي يضع قضية الاغتراب الأسري أمام المتلقي من زاوية إنسانية ونقدية تتجاوز حدود الحكاية الشخصية.
«بلا جدار» ليست حكاية امرأة سافرت لتعمل فحسب، بل حكاية أم دفعت من عمرها ودفء بيتها وثمن علاقتها بأبنائها كي تمنحهم مستقبلاً أفضل، ثم اكتشفت أن بعض الخسارات لا يمكن تعويضها بالمال، وفي النهاية، يترك العرض سؤالاً موجعاً مفتوحاً، متى تتحول التضحية من فعل حب إلى شكل آخر من أشكال الغياب؟
فربما لم يكن الجدار الذي حاولت الأم تجاوزه جداراً مادياً في الأصل، كان جداراً من المسافات، والانتظار، وسوء الفهم، والاستغلال، والسنوات التي لا تعود، ولهذا فإن عنوان «بلا جدار» يبدو في جوهره أكثر من عنوان، إنه أمنية امرأة قضت حياتها وهي تحاول أن تهدم الحواجز بينها وبين من تحب، لكنها اكتشفت أن بعض الجدران تُبنى داخل القلب، ولا تسقط حتى حين تعود الأجساد إلى البيت.








هذا المحتوى «بلا جدار»حين يصبح البيت جداراً آخر للغربة ظهر أولاً في سواليف.



