🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
430867 مقال 249 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2667 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 6 ثواني

بدر الجديدة: كيف تبتلع عمّان أطرافها الخضراء؟

معرفة وثقافة
حبر
2026/05/31 - 12:10 503 مشاهدة

أمضيتُ طفولتي في منطقة خلدا عندما كانت بيوتها قليلة ومتباعدة وتقع في «آخر عمان». وأتذكر كيف كان يأتي إليها المزارعون صيفًا من أماكن بعيدة، ينصبون خيامهم في المساحات الشاسعة، ويزرعون القمح والشعير قبل أن يرحلوا عند انتهاء الموسم. وكثيرًا ما راقبت الحيوانات البرية وتتبعتها، مثل ثعالب الحصيني والقنافذ و الحراذين وطيور الهدهد والقُبّرة. فيما كان الناس حولنا يقولون إنها منطقة مقطوعة: «شو مسكّنكم هناك؟».

لم يعد هذا الوضع قائمًا، صارت خلدا مزدحمة بالمطاعم والمراكز التجارية والسيارات، واختفت خيام المزارعين والحيوانات البرية، واستمر زحف البيوت والأبنية غربًا حتى وصل إلى دابوق. وصرت مع الأصدقاء نترك خلدا ثم دابوق ونتجه غربًا نحو خمسة كيلومترات حتى نصل إلى أحراش وحقول بدر الجديدة بحثًا عن أجواء خلدا قبل 20 عامًا. لكني الآن أقف عند بدر الجديدة، وأرى كيف تتحول هي الأخرى، باعتبارها واحدة من آخر أطراف عمّان الخضراء، إلى امتداد عمراني جديد للمدينة.

تعدّ منطقة بدر الجديدة الآن واحدة من مناطق عمان الـ23،[1] وهي تقع على مرتفعاتٍ[2] تطل على الأغوار، ويسود فيها مناخ البحر الأبيض المتوسط الذي ساعد على انتشار الأشجار الحرجية مثل البلوط، فيما تمتدّ بين تجمعات الأشجار مناطقَ سهلية.

منذ مئات السنين، سكنت عشيرة الزيود -التي تنتمي إلى قبيلة العبابيد- هذه المنطقة. وتركّز سكنها في البداية داخل قرية صغيرة تسمى بلال،[3] قبل أن تتوزع عائلاتها مع ازدياد عددها على تجمعات سكانية مجاورة، مثل: الربّاحية وأم الأسود والغروس. وقد امتهن الناس هناك تربية المواشي والزراعة في المساحات المفتوحة بين أشجار البلوط  معتمدين على مياه الأمطار وعيون المياه الرئيسيّة.[4] وكانوا يسكنون المنطقة صيفًا، ويرحلون ببيوت الشعر إلى المناطق المنخفضة في الأغوار شتاءً، كما يقول الثمانيني أبو مراد، مختار عشيرة السواجنة، إحدى فروع عشيرة الزيود.

خلال ستينيات القرن الماضي، تغيّر نمط عيش السكان بعدما تحولت بعض المساحات الحرجية إلى أراضٍ مزروعة بشجر الزيتون بتشجيع من الحكومة، إلى جانب إكمال الكثير من أبناء المنطقة تعليمهم أو الالتحاق بوظائف حكومية، خاصةً في الأجهزة الأمنية. ثم عُبّدت الطريق الوحيدة التي تربط تجمعات سكنهم بعمّان، ومع بداية الثمانينيات وصلت شبكتا الكهرباء والمياه لبعض التجمعات، قبل أن يكتمل ربطها بهذه الخدمات بحلول العام 1985.

ظلت هذه التجمعات السكانية تتبع لمنطقة وادي السير، لكن بسبب التمدد العمراني نحو حدود البلديات والقرى المجاورة[5] ضُمّت مثل غيرها من القرى الواقعة على الأطراف إلى مدينة عمان بهدف رفع جودة الخدمات البلدية فيها، فتشكلت بذلك أمانة عمان الكبرى[6] التي صارت حينها تتكون من عشرين منطقة،[7] من بينها التجمعات السكانية التي صارت تعرف باسم «بدر الجديدة» التي استحدثت لأول مرة عام 1987.

يرى الدكتور المهندس مراد الكلالدة، مستشار العمارة والتصميم الحضري، أن ضمّ التجمعات السكانية حول العاصمة، ومنها بدر الجديدة، جاء ضمن توجه تبنّته الخطة التنموية الشاملة لعام 1986 لترسيخ مفهوم المدينة الكبرى (Metropolitan City)، وهو نموذج تخطيط أمريكيّ يتبنّى نشوء مدن واسعة الامتداد، مقابل النموذج الأوروبي الذي يتبنى التنمية المتوازنة وتعدد المراكز الحضرية.

ارتفعت المساحة العمرانية في عمّان بشكل سريع خلال السنوات العشر اللاحقة لضمّ هذه التجمعات، وبلغ معدل نموها السنوي في العقد الممتد بين 1987-1997 ما نسبته 3.3%، مقارنة بمعدل نمو سنوي بلغ 2% في العقدين الممتدين بين 1997-2017. وقد حدث ذلك نتيجة عودة أكثر من 300 ألف شخص من الكويت ودول الخليج إلى الأردن عقب حرب الخليج الأولى عام 1991.[8]

شهدت مناطق بدر الجديدة القريبة من خلدا و دابوق، مثل الربّاحية الشمالية والجنوبية وأم الأسود بدايات الزحف العمراني، وارتفع الطلب على شراء الأراضي بسبب انخفاض أسعارها. وقد تراوحت الأسعار ما بين منطقة وأخرى بحسب ارتفاع الأرض من 100 إلى 1500 دينار للدونم الواحد، إضافة إلى ارتفاع أسعار الأراضي في منطقة دابوق القريبة. آنذاك، انحصر شراء الأراضي بمسؤولين حكوميين سابقين وأصحاب رؤوس الأموال، واتخذ البناء شكل الفلل والقصور التي تتوسط تجمعات الأشجار الحرجية أو تقوم على بعض التلال، وظل عدد هذه المباني قليلًا ومتفرقًا، ومن بينها تجمع فلل مسوّر واحد بُنيَ وسط الهضاب ويحتوي على سوق تجارية.

ومع بداية الألفية الجديدة، ارتفع الطلب على أراضي بدر الجديدة وتوسع العمران فيها، كما يقول أهل المنطقة. ثم ازداد شراء الأراضي والبناء بشكل كبير في الفترة التي أعقبت الحرب على العراق. واعتبارًا من العام 2008 حصلت «فورة» في الطلب على الأراضي في أطراف عمان، خاصة في بدر الجديدة والمطار، من قبل مستثمرين فرزوا الأرض إلى قطع أصغر وعرضوها للبيع، بحسب إبراهيم عليان أحد العاملين في قطاع بيع الأراضي في عمان.

ومع هذا التحوّل، تغيرت تركيبة المنطقة، إذ ارتفع عدد سكانها من نحو 10 آلاف عام 2004 إلى قرابة 18 ألفًا عام 2015، أي بزيادة قدرها 78% خلال عقد واحد، وقد ارتفع العدد إلى نحو 22 ألفًا بحلول العام 2025.[9] بالتوازي، ارتفعت أسعار الأراضي فيها لتصل إلى ما بين (100-500) ألف دينار للدونم الواحد، فيما تقلصت ملكية سكان المنطقة للأراضي كثيرًا لصالح أردنيين وعرب ومستثمرين في قطاع الأراضي، وفقًا لوجهاء المنطقة.

باع الكثيرون من سكان المنطقة أراضيهم وانتقلوا إلى عمان، أو بنوا في قراهم بيوتًا حول بعضهم، فيما اختفت تقريبًا الحياة الزراعية وتربية المواشي كنمط للإنتاج عند كثير منهم. ومع ازدياد أفراد العائلات وتفتت ملكيات الأراضي وتوزّعها على الورثة، بدت الحاجة إلى البيع ملحّة كما يقول ابن المنطقة السبعيني أبو رائد المغاريز: «مثلًا عنّا دونم وعنا أربعة أولاد، الدونم هذا لو بدي أعمّر بيه ما يكفي الأولاد، أبيعه 300 ألف وأنزل منطقة الوعر تحت وأشتري وأبني».

أما على مستوى الطبيعة والتنوع الحيوي، فقد اختفت الحيوانات البرية مثل الضباع والذئاب والثعالب، والطيور البرية مثل الهداهد والشنار والنوارس التي كانت تحط بجانب العيون. كما صارت بعض النباتات في المنطقة مهددة بالانقراض، ولم يعد الرعاة يجدون نبات البُرّيد خلال رعيهم في المناطق القريبة من الأبنية، خاصة في تجمعات القرى الأولى الأقرب إلى دابوق وعمان، واختفى كذلك جزء كبير من الأشجار الحرجية التي قطعت من أجل البناء.

في جولة مع أبو رائد المغاريز وأبو مراد السواجنة إلى أقصى غرب بدر الجديدة حيث لم يصل البناء كثيرًاا، بدت مظاهر الحياة البرية أكثر حضورًا؛ تجمعت الحيوانات البرية للشرب من عيون الماء، وانتشرت الهداهد على الطرق الترابية، وظهرت أدغال صغيرة من القصب وأشجار التين والسدر. يقول  أبو مراد عن عيون المياه: «هاي كانت تسقي العربان كلها، وعليها شجر تين، المية تبعتها توخذ الطفل، المية هسة ما هي مبنية، داملينها مشان يفتحو شارع هون».

طيور النورس بالقرب من عين حميدة في بدر الجديدة.

وعلى إثر تراجع التنوع الحيوي وتغير الغطاء النباتي، انتشرت الطيور الغازية في المنطقة، مثل طير المينا، وهي طيور تهاجم الأشجار المثمرة والطيور البرية الأخرى. يقول عواد العبّادي، من سكان الغروس في بدر الجديدة: «هذا الطائر ما يخلي شي إلا ياكله، خرّب المزروعات وعشاش العصافير، شتلة الحمص ياكلها وهي خضرا، شفتهن ياكلن لحم ونباتات التين واللوز والخوخ».

تقول خبيرة السياسات البيئية والمناخية هالا مراد إن أثر قطع شجرة لا يقتصر على الشجرة نفسها، إنما يمتد ليؤثر سلبًا على منظومة بيئية كاملة تحيط بها، من كائنات حية تعيش في باطن الأرض، أو طيور مهاجرة ومتوطّنة، أو حيوانات مثل السناجب التي تعيش على أشجار البلوط. وتضيف أن ممارسات أخرى مرتبطة بالتوسع العمراني تؤثر كذلك على البيئة، مثل مكافحة الأفاعي القريبة من سكن الناس، وانتشار المواد المتطايرة من الأسمدة المستخدمة في الزراعات البيتية.

أبو رائد المغاريز وأبو مراد السواجنة في جولة في منطقة الثغر ببدر الجديدة.

قانونيًا، تحدّ التشريعات من البناء في منطقة بدر الجديدة، وتمنع بناء العمارات متعددة الطوابق فيها،[10] كما تحظر قطع الأشجار الحرجية سواء أكانت في منطقة عامة أو الواقعة ضمن الملكيات الخاصة. ورغم ذلك تقطع الأشجار من أجل البناء، وتعزو مراد ذلك إلى الاستثناءات في القانون، حيث أن قانون الزراعة يسمح لأصحاب الحراج الخاص بتبديل أشجارهم الحرجية بأشجار مثمرة شريطة حصولهم على ترخيص.[11]

أما كلالدة فيرى أن جميع المخططات الشمولية التي وُضعت لعمّان[12] بيّنت صراحةً استعمالات الأراضي، إلا أن التغيير المستمر للحكومات المتعاقبة وقصر عمرها، وغياب السلطة الرقابية والتشريعية عن العمل البلدي، ترك الحبل على الغارب للسلطة التنفيذية التي تحللت من الخطط الموضوعة وأدارت الأمانة وفقًا للحاجة.

لم يتفاجأ الشاب الثلاثيني محمد المغاريز، وهو من الجيل الشاب في المنطقة، مما رآه مؤخرًا من تسييج أراضٍ زراعية تمتد على مد البصر وكانت تزرع سابقًا بالحبوب، من أجل تشييد مشروع مجمعات فلل عليها، فهو يرى الكثير من سماسرة الأراضي والمقاولين يجوبون بدر الجديدة بحثًا عن أراضٍ للبيع. وقد راقب كيف اختفت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية ومن الأشجار الحرجية، ويأسف لما آلت إليه الأمور اليوم، ويعتقد أن الخلل أكبر من ممارسات فردية أو تشريع يمنع قلع الشجر، بل يرتبط بنمط استثماري لا يراعي الغطاء النباتي.

ويعتقد كلالدة أن التعامل مع هذه المناطق لا ينبغي أن يقوم على مبدأ المنع المطلق للعمران، ولا على ترك التوسع الحضري لقوى السوق العقاري وحدها، بل عبر تبني نموذج تخطيط انتقالي يوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة، من خلال إعداد مخططات هيكلية وتفصيلية دقيقة تنظم النمو العمراني قبل تحوله إلى واقع يصعب ضبطه لاحقًا.

أما مراد فتدعو الحكومة إلى الاستثمار في المناطق المهمة بيئيًا كمساحات عامة، وإيجاد مناطق بديلة للناس تكون متنفسًا لهم، وجاذبة للاستثمارات في الوقت نفسه: «مشكلتنا نحط عمارات جنب عمارات، ولما يصير ازدحام، الناس المقتدرة تروح تدور على مناطق تتنفس فيها خارج الازدحام».

أخيرًا، تمثّل بدر الجديدة، مثالًا على كيفية توسع عمّان في أكثر من اتجاه، ومنها جهة الغرب حيث آخر ما تبقى حولها من غطاء أخضر، لتختفي سنة بعد أخرى الأشجار والفضاءات المفتوحة التي تشكل المتنفس الوحيد للمدينة وأهلها، الأمر الذي قد يؤدي إلى خسارة ثروة يصعب تعويضها.

بيوت مبنية في قرية الغروس القريبة من دابوق.
كمباوند فلل في بدر الجديدة.
قلاب تنقل الرمل من أجل البناء في بدر الجديدة.
  • الهوامش

    [1] أُحد، ماركا، النصر، القويسمة وأبو علندا والجويدة والرقيم، المقابلين وأم قصير والبنيات، رأس العين، اليرموك، المدنية، بدر، بسمان، العبدلي، زهران، طارق، شفا بدران، العبدلي، الجبيهة، تلاع العلي وأم السماق وخلدا، صويلح،  وادي السير، مرج الحمام، خريبة السوق وجاوا، أبو نصير، وبدر الجديدة.

    [2] ترتفع عن سطح البحر بين 900 – 980 مترًا.

    [3] سميت «بلال» لوجود مقام الصحابي بلاح بن رباح فيها.

    [4] مثل عيون: الثغرة، العجمي، وحديدون، وحميدة.

    [5] جورج فريد طريف داود، عمان في العهد الهاشمي 1950 – 2002/ ج2، أمانة عمان الكبرى، ص 30.

    [6] بعدما صدر قانون معدل لقانون البلديات سنة 1987

    [7] وهي بسمان، ماركا، النصر، اليرموك، رأس العين، بدر، زهران، العبدلي، طارق، القويسمة وأبو علندا، خريبة السوق وجاوا واليادودة، أم قصير والبنيات والمقابلين، وادي السير، بدر الجديدة، صويلح. تلاع العلي وأم السماق، الجبيهة، شفا بدران، أبو نصير، جورج فريد طريف داود، عمان في العهد الهاشمي 1950 – 2002/ ج2، أمانة عمان الكبرى، ص 30.

    [8] Hussam Al-Bilbisi/ Spatial Monitoring of Urban Expansion Using Satellite Remote Sensing Images: A Case Study of Amman City, Jordan/Sustainability 2019, 11, 2260/ page 2 of 14.

    [9] وفقًا لتقديرات دائرة الإحصاءات العامة لعدد السكان لمحافظة العاصمة حسب التجمع والجنس والأسر لعام 2004، فقد كان عدد السكان بدر الجديدة 10049 شخصًا، وارتفع عددهم إلى 17891 في العام 2015. وقدر بـ 22342 نسمة في 2025.

    [10] تصنف أراضي بدر الجديدة وفقًا لنظام الأبنية والتنظيم في مدينة عمان إلى سكن (أ) و (ب) خاص، أو سكن أخضر، وتحظر المادة 59 البند أ منه بناء العمارات متعددة الطوابق في هذه المنطقة، وحدد ارتفاع البناء فيها بطابقين وروف فقط، ويمنع كذلك البناء على مناطق واسعة من المساحة الاجمالية للأرض، مثلًا لا يسمح بالبناء على أكثر من 39% من المساحة الإجمالية للأرض في تصنيف سكن (أ) خاص، وعلى أكثر من 45% من مساحة الأرض الإجمالية في سكن (ب)، أما في السكن الأخضر فتتراوح مساحة البناء المسموح فيها بين 15-27% من مساحة الأرض.

    [11] المادة 26 البند دال

    [12] مثل مخططات الأعوام 1957 و1986 و2007.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free