كمثل على حرية طرح الأفكار والأسئلة، كتبت في رواية "الوعاء الخاوي" عن فكرة أسميتها "سفينة الأجيال"، لها جذور واضحة في أدب الخيال العلمي، وظهرت في صيغ مختلفة لدى كتاب أمثال آرثر سي كلارك وروبرت هنلن، عن سفينة فضاء في المستقبل تنطلق وعليها الرواد لاستكشاف وجهات بعيدة، وعلى متن تلك السفينة يتوالد جيل بعد جيل من نسل الرواد الأوائل وتستمر الحياة في هذا المجتمع المصغر، حتى تصل إلى وجهتها متغلبة على التحدي الأكبر في الترحال في الفضاء، وهو عامل الوقت مع قصر عمر البشر في فضاء يتمدد كل لحظة. هنا وفي تلك الصورة المتخيلة الاستثنائية وبعد توالي الأجيال على تلك السفينة، كم ستتغير الثقافة واللغة، وكم سيتغير ويتطور الجسد البشري الذي لم يعرف الجاذبية؟

وتمكنت من طرح سؤال هل من سيخطو خارجا من تلك السفينة بعد آلاف السنين حين تصل الى وجهتها، يمكن أن نطلق عليه بشريا، وهو لم ير الأرض يوما ولا يشبه من ظلوا عليها؟ أسئلة عما يجعل البشر بشرا والإنسان إنسانا. سؤال واحد لن يحمل الكتاب في طياته إجابة عنه، حيث تطرح الفانتازيا والخيال العلمي أسئلة كتلك دون أن تبدو مفتعلة، فهناك علوم كثيرة قامت على الاستلهام من الفانتازيا وليس من الخيال العلمي فقط كما يعتقد البعض. فأين سيكون علم النفس دون الأساطير الإغريقية وعقدتي أوديب وإلكترا؟
الاحتفاء بالخيال
ما التحدي الأساس بالنسبة إلى كاتب رواية الفانتازيا؟
التحدي الحقيقي في تقبل القارئ العربي لهذا النوع من الكتابة، فالقارئ في منطقتنا لا يزال مغرما بالاجتماعيات، وربما يغامر بقراءة أدب الجريمة، أما الفانتازيا فلا تزال تحبو وينظر إليها نظرة دونية.
ولنكن منصفين، هذا ليس وضعا خاصا بنا. ففي بدايات القرن العشرين كان ينظر إلى الفانتازيا في الغرب باعتبارها أدبا هامشيا. حتى أعمال مثل "سيد الذباب" لم تستقبل في البداية باعتبارها أدبا رفيعا، بل كنوع أدبي موجه الى فئة محددة. لكن مع الوقت ومع تراكم التجارب تغير هذا التصنيف، صار هناك احتفاء بالخيال بجوائز ذات قيمة عالية مثل جائزتي "الهيوجو" و"النابيولا" للخيال العلمي والفانتازيا وجائزة "برام ستوكر" للرعب وغيرها.
في العالم العربي، لا نزال في مرحلة بناء هذا التراكم. هناك محاولات مهمة سواء في الأدب أو حتى في الأعمال التلفزيونية والسينمائية، لكن الطريق لا يزال في بدايته.
كيف انعكست دراستك لعلم الإجرام، وعملك في الإنتربول على الروايات التي كتبتها؟
ربما دراسة علم الإجرام فتحت عيني على إنسانية المجرم وسياق إجرامه وتاريخه. هذا ليس طرحا نظريا فقط، بل نتيجة الاحتكاك بنماذج حقيقية. كثير من الدراسات في علم الإجرام، مثل أعمال سيزار لومبورسو في بدايات هذا العلم، حاولت تفسير الجريمة بيولوجيا، لكن الاتجاهات الحديثة، خاصة في علم الإجرام الاجتماعي، ترى الجريمة كنتيجة لتفاعل معقد بين الفرد وبيئته.
فلا أستطيع إلا أن أكتب عن شرير بدوافع حقيقية وليس بقالب مختوم عليه هذا شرير فلنكرهه. أشراري بشر يمكنك أن تتعاطف معهم وتخاف أن تنزلق يوما لتكون مكانهم.
رغم وجود شخصيات فانتازية في رواياتك، الا ان جوهر السرد يقوم على الصراع بين الخير والشر، فهل ترى أن هذا عنصر أساس في كل كتابة روائية؟
الصراع في رواياتي هو صراع سرديات، لا يوجد خير حقيقي ولا شر مطلق، كل يحكي قصته وأنت تقرر من تظنه خيرا ومن تظنه شريرا. كم سمعنا أن التاريخ يكتبه المنتصر لأن التاريخ ذاته خاضع لسردية المنتصر، لكن لو كانت هناك روايات للمغلوبين ربما لوجدت نفسك في أزمة أخلاقية، لأنه لا يوجد خير مطلق وإلا لفاز الشر دائما معتمدا على سذاجة الخير.

في مواجهة الأسئلة
تتمحور أحداث روايتك "ظل بابليون" حول صراع بين منظمات قديمة، وكذلك في رواياتك الأخرى كان الصراع هو المحرك الرئيس، فلماذا هذه الصراعات؟
أهوى قراءة نظريات المؤامرة والمنظمات السرية، وأظن أنها نوع من الفانتازيا بذاتها، فالشر في العالم الحقيقي أقل تعقيدا وأكثر بساطة وغباء مما نقرأه عن خطط متشابكة ومعقدة لحكم العالم من الظل. فكانت روايتي الأولى "ظل بابليون" محاولة لطرح السؤال: لو كانت تلك المنظمات حقيقية، فكيف ستكون تصرفاتها وما دوافعها في عالمنا الحقيقي؟


