السبيل
بعيون شاخصة وأجساد صغيرة متراصة داخل خيمة تعليمية غربي مدينة غزة، جلس عشرات الأطفال يتابعون شاشة مضيئة وسط العتمة، وعيونهم تلاحق تفاصيل فيلم كرتوني يُعرض أمامهم.
الشاشة المثبتة على مركبة في الخارج بدت للأطفال كنافذة صغيرة على عالم مختلف، بعيدا عن خيام النزوح ومشاهد الإبادة الجماعية التي ترتكبها “إسرائيل” بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
أما المركبة التي حملت إليهم هذه النافذة، فكانت في الأصل سيارة إسعاف قديمة تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، أعيد تجهيزها وتحويلها إلى مساحة متنقلة للدعم النفسي والترفيه، وأطلق عليها اسم “باص الأحلام”.
وخارج الخيمة، كان فريق الهلال الأحمر يجهز الألعاب والفقرات الترفيهية، فيما تجمع الأطفال حوله، بعضهم يحمل لعبة حصل عليها، وآخرون ينتظرون دورهم.
وفي مدينة تندر فيها الكهرباء وتغيب عنها كثير من مظاهر الحياة الطبيعية، يحاول “باص الأحلام” منح الأطفال وقتا بعيدا عن تفاصيل الحرب والنزوح.
** رحلة الأحلام
يجوب “باص الأحلام” مخيمات النازحين والنقاط التعليمية والمستشفيات في مدينة غزة.
يحمل معه ألعابا وهدايا ووسائل عرض وأنشطة ترفيهية، في محاولة لتوفير مساحة آمنة للأطفال الذين عاشوا سنوات من الحرب والنزوح.
ويقول غالب أبو خاطر، من إدارة الصحة النفسية في الهلال الأحمر، إن “باص الأحلام” فكرة مبتكرة تهدف إلى التخفيف من الضغوط النفسية والاجتماعية التي خلفتها حرب الإبادة، من خلال تقديم الدعم وتوفير مساحات آمنة للأطفال لممارسة أنشطتهم.
ويوضح أن المركبة كانت في الأصل سيارة إسعاف، قبل تحويلها وتجهيزها بما يتلاءم مع احتياجات الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال.
ولا تقتصر جولاتها على مخيمات النزوح والنقاط التعليمية، بل تصل كذلك إلى المستشفيات، حيث تقدم أنشطة للدعم النفسي والاجتماعي للجرحى والمصابين، بحسب أبو خاطر.
** الحاجة إلى مساحات آمنة
ويقول أبو خاطر إن الأثر الذي تركه “باص الأحلام” على الأطفال كان “كبيرا جدا”، من خلال الأنشطة والزوايا المختلفة التي يقدمها.
ويؤكد أن الأطفال في غزة بحاجة كبيرة إلى الدعم النفسي والاجتماعي، خصوصا مع غياب المساحات الترفيهية التي كانت توفر لهم متنفسا قبل الحرب.
ويضيف: “الأطفال بحاجة ماسة إلى الجوانب الترفيهية والاجتماعية التي تساعدهم على التخفيف من الضغوط النفسية التي يعيشونها”.
ويشير إلى أن الاتصالات لا تنقطع من مخيمات النزوح التي تطلب وصول الباص إليها، قائلا: “كل يوم يجري اتصال معنا من مخيمات النزوح التي بحاجة لتوفير هذه المساحة الترفيهية”.
لكن الاستجابة لجميع هذه الطلبات تبدو صعبة، موضحا: “نحاول تلبية النداء لأن باصا واحدا في قطاع غزة لا يكفي حتى نقوم بتغطية كافة المخيمات والمدارس والنقاط التعليمية”.
وتفاقمت احتياجات أطفال غزة إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي جراء ما تعرضوا له خلال حرب الإبادة من قتل وإصابات ونزوح وفقدان أفراد من عائلاتهم، إلى جانب تدمير المدارس وتعطل التعليم.
** ضغوط نفسية كبيرة
وفي الخيمة التعليمية، يبدو أثر الحرب واضحا في تفاصيل العملية التعليمية نفسها.
وتقول ربا أبو الخير، مديرة النقطة التعليمية، إن المعلمين واجهوا منذ بدء عملهم صعوبة كبيرة في التعامل مع الآثار النفسية التي يعاني منها الأطفال.
وتضيف أن المدرسين يواجهون مصاعب عديدة في لفت انتباه الأطفال إلى الدروس؛ بسبب تداعيات الحرب والجو المحيط الذي لا يساعد.
فالطفل، بحسب أبو الخير، يأتي من خيمة النزوح إلى خيمة التعليم، في رحلة قصيرة جغرافيا لكنها “شاقة ومرهقة جسديا ونفسيا”، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة وظروف المعيشة الصعبة.
وتشير إلى أن المعلمين كانوا يبحثون عن وسائل تساعد على كسر رتابة التعليم وتمنح الأطفال فرصة للترفيه والتنشيط إلى جانب الدراسة.
وتتابع: “كنا بحاجة إلى أفكار للدعم النفسي والترفيهي والتنشيطي بجانب التعليم. ووجدنا لدى الزملاء في الهلال الأحمر الحل”.
وتوضح أن التواصل مع الجمعية أسفر عن وصول “باص الأحلام”، معتبرة أن مساهمته كانت “قيمة جدا ومفيدة لطلابنا على صعيد تغيير الأجواء الروتينية”.
** من الإسعاف إلى اللعب
وتتوقف أبو الخير عند مفارقة تختصر فكرة المشروع: مركبة كانت مخصصة لنقل الجرحى أصبحت وسيلة لإدخال الفرح إلى حياة الأطفال.
وتقول إن “تغيير المفهوم من مركبة إسعاف وآلام وجرحى ودم إلى ألعاب وترفيه وتنشيط، فهذه رسالة للاحتلال بأن الدم الذي تتسبب فيه بغزة سنحوله إلى ألعاب وترفيه وتعليم”.
ويعيش طلبة قطاع غزة في ظروف استثنائية ومعقدة، حيث يواصل كثير منهم الدراسة وسط النزوح، بعد تعطل العملية التعليمية وتدمير إسرائيل معظم المدارس.
وتنتشر في غزة نقاط تعليمية، معظمها مشيدة من الخيام، بمبادرات فردية ومجتمعية لتعويض الطلبة عن تعطيل العملية التعليمية منذ قرابة 3 سنوات.
ويرزح قطاع غزة تحت وطأة تداعيات الإبادة الجماعية التي أدت إلى تدمير مئات المدارس والجامعات وتعطيل العملية التعليمية.
كما أجبرت تلك الظروف آلاف الطلبة على مواصلة دراستهم في بيئات استثنائية، بينها الخيام ومراكز الإيواء.
الأناضول
The post “باص الأحلام”.. مبادرة ترفيهية تخفف ضغوط الحرب عن أطفال غزة appeared first on السبيل.

