... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
182381 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9086 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

باريس تحتفي بماريلين مونرو في مئويتها: ماذا داخل الفستان الأبيض؟

معرفة وثقافة
النهار العربي
2026/04/15 - 06:22 501 مشاهدة

بمجرد عبور عتبة "السينماتك الفرنسية" في باريس لحضور معرض ماريلين مونرو (1926 – 1962)، تفرض صورة النجمة الشقراء نفسها بقوة: فستان أبيض يتطاير فوق فتحة تهوئة، مجمَّد في الزمن كحقيقة تبدو عصيّة على التشكيك. وكأن كلّ ما تلا تلك اللحظة لم ينجح في زحزحة هذه الأيقونة أو إعادة تعريفها، فتبقى ابتسامتها الطفولية وسعادتها الظاهرة هي الصورة التي تختزلها في الذاكرة الجمعية.

تتراجع مآسي الحياة مع مرور السنوات، بل تبدو كأنها تتسرب من بين الأصابع، فيما تتولّى الصور والأرشيف واللقطات المؤطرة بعناية، صناعة حقيقة بديلة عن حياة النجوم. فلا تكاد تجد في أرجاء المعرض لحظة واحدة، أخفيةً كانت أم معلنة، تفضح ما عاشته نورما جين (اسمها الحقيقي)، من طفولة قاسية، ووحدة ممتدّة، واستغلال، وعلاقات سامة، وإدمان، واضطرابات نفسية. لا بد من العودة إلى النصوص المرافقة للمواد المعروضة كي نلمّ بشيء من هذه السيرة المظلمة.

لقد عرفت ماريلين، على امتداد العقود، كيف تخدع، ولا تزال تفعل ذلك حتى اليوم. فحتى بعد الاطلاع على مآسيها ورحيلها المبكر في السادسة والثلاثين، تظلّ صورتها البراقة هي التي تطفو إلى الذاكرة، لا تلك الروح المنهكة خلفها. الخديعة نفسها هي ما شعرتُ بها وأنا أخرج من مبنى السينماتك. فصورها في مقتبل الشباب تتحوّل، في الحقيقة، إلى مدخل مضلّل: إذ توهمك بأنك ستلتقي ماريلين مونرو، بينما يقودك المعرض في حركة دائرية متواصلة بين ماريلين ونورما جين، من دون أن يحسم هذا الانقسام. هكذا يتحوّل الأمر برمّته إلى سؤال معلّق وهاجس مفتوح لا يملك المعرض نفسه القدرة على الإجابة عنه: من هي ماريلين مونرو؟

 

ماريلين مونرو في ”سنة الحكّة السابعة“ لبيلي وايلدر.

 

ما يقدّمه المعرض، الذي صُمِّم في مناسبة مرور مئة عام على ميلاد مونرو، هو نوع من التشريح البصري لمسيرتها عبر أفلامها الـ32، والشخصيات التي أدّتها، والكيفية التي تعاملت بها مع صورتها العامة، وأحياناً بالامتثال لها، وأحياناً أخرى بمقاومتها أو اللعب على تناقضاتها، من دون إغفال محاولة القائمين على المعرض ردّ الاعتبار اليها كممثّلة، بعيداً من اختزالها في مصيرها الشخصي أو نهايتها التراجيدية.

في هذه الفسحة التي تستعيد أواسط القرن الماضي بنوع من النوستالجيا الدقيقة والمُحكَمة، نتعرف إلى القوى التي صنعت مونرو وروّجت لها، لتتحوّل سيرتها إلى مرآة لزمن كامل وتحوّلاته. لم تكن مونرو في منأى من هذه التحوّلات، وإنما بدت كأنها من تجلياتها الأكثر كثافةً.

يبدأ المعرض من مسقطها: لوس أنجلوس العشرينات، حيث وُلدت طفلة بلا أب، في سياق عائلي مضطرب وظروف فقر قاسية. فيما أميركا مشغولة على الجبهات، تُكتَشف نورما جين، التي كانت آنذاك عاملة في أحد المصانع، فتتحوّل بالمصادفة إلى عارضة. وفي غضون أشهر قليلة، يبدأ وجهها في تصدّر غلف المجلاّت، كفتاة عفوية في زمن الانفجار الكبير للثقافة الاستهلاكية. هذه السرعة في الصعود جعلتها تتعلّم مبكراً كيف تكون "صورة". وعندما تتعاقد معها استوديوات "فوكس" وهي لم تتجاوز العشرين بعد، يتبدّل كلّ شيء: الاسم، الشعر، وحتى الملامح. هكذا تولد ماريلين مونرو كمنتَج في يد صناعة تعرف تماماً كيف تسوّقه للعالم. هذه الآلية، يسلّط المعرض الضوء عليها بوضوح.

 

ماريلين عندما كانت نورما جين.

 

بين عامي 1945 و1952، تظهر مونرو في أدوار ثانوية متشابهة. مع ذلك، يبدأ شيء ما بالتشكّل في الهامش. في هذه الأدوار الصغيرة، كانت تضيف تفاصيل دقيقة تكسر النمط. مع فيلمي "نياغارا" لهنري هاثاواي و"الجنتلمانات يفضّلون الشقراوات" لهاورد هوكس، تشق مونرو طريقها نحو العالمية وهي في العشرينات من عمرها. تبرز المفارقة التي يضيء المعرض عليها: كلما ازدادت شهرتها، تضاءلت رؤيتها كممثّلة. حتى المخرج والشاعر الإيطالي بيار باولو بازوليني لم ينجُ من هذا الاختزال، إذ تعامل معها من موقعه الماركسي بوصفها ”ظاهرة" أكثر من كونها فنّانة، ورأى فيها ضحية بنية اجتماعية لا أكثر، من دون أن يلتقط تعقيدها الداخلي أو الرمز الكامن خلف الأيقونة.

في "محطّة الباص" لجوشوا لوغان، تظهر بملامح أكثر إنسانية وقلقاً، وفي "الأمير وفتاة الاستعراض" تبدأ في اللعب على صورتها بوعي واضح، كأنها تعيد توجيه القناع بدلاً من الخضوع له. يظهر المعرض كيف أصبح جسد مونرو نفسه ميداناً سياسياً، خاضعاً لتقاطعات السوق والإيديولوجيا في آنٍ واحد. ففي أميركا ما بعد الحرب، حيث لا تزال التمييزات العرقية والاجتماعية حاضرة بقوة، جرى تقديمها كنموذج "قياسي" للأنوثة: بيضاء، شقراء، ومفرطة في الأنوثة وفق تصوّر هوليوودي صارم. لقد كان هذا النموذج، في جوهره، نتاجاً لماكينة صناعة الوهم، صاغته الإعلانات ورسّخته الثقافة الجماهيرية كصورة المرأة المثالية. غير أن هذا الجسد، الذي صُمِّم ليكون أداة جذب واستهلاك، تحوّل في لحظات معينة إلى مساحة لاستخدام مختلف، أقرب إلى فعل تحدٍّ منه إلى خضوع.

عام 1962، تتحوّل وفاتها، بينما كانت تصوّر "لا بد أن يتغير شيء" تحت إدارة جورج كيوكر، إلى مادة خصبة للخيال والتأويل: انتحار؟ حادث عرضي؟ مؤامرة؟ غير أن الإجابة، على تعددّها، تبدو أقل أهمية من الحاجة الجماعية إلى نسج الحكايات حولها. فماريلين، منذ تلك اللحظة، ما عادت نجمة كغيرها، وإنما مساحة يسقط عليها الجميع هواجسهم وتصوّراتهم.

ما الذي يكشفه المعرض، في نهاية الجولة؟ ذلك إنه لا يكتفي بسرد سيرة ماريلين، بل يورّطنا فيها، دافعاً إلى مساءلة فعل النظر ذاته: العلاقة الملتبسة بين مَن يرى ومن يُعرَض. ويذكّرنا، ضمناً، بأن النجومية شيء، والتمثيل شيء آخر. الصورة قد تبتلع صاحبها، وتعيد إنتاجه وفق ما تريده أعيننا لا وفق ما كانه حقّاً. هكذا يبقى السؤال معلّقاً: ماذا نرى عندما ننظر إلى ماريلين مونرو؟ أهي حقّاً ما تكشفه الصورة، أم ما تنجح في إخفائه؟

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤