باليت المدى: جمال يفوق الوصف
ستار كاووش
صعدتٌ درجات السلَّم العريض المحاذي لمتحف شنوتخن بمدينة كولن الألمانية، بعد أن تأكدت بأن بطاقة الدخول مازالت في جيبي. ولم تمر سوى لحظات حتى وجدتُ نفسي بين عدد هائل من التماثيل الخشبية الملونة التي امتلأت بها صالات المتحف، فتساءلتُ مع نفسي: في أية غابة نبتتْ تلك الأشجار التي تحولت فيما بعد الى هذه التماثيل؟ ربما إندثرت تلك الغابة منذ زمن بعيد وإنبثقتْ بمكانها مدناً وقرى، وبُنيتْ على أرضها بيوتاً تطل على ساحات وشوارع، لكن رغم ذلك بقيت هذه التماثيل على قيد الحياة، وهي تُعيد لنا حقيقة تلك الأشجار وتُعيد تسميتها بعد مئات السنين، فتمنحها بذلك هوية جديدة وتكون شاهدة على إبداع الإنسان الذي ترك لنا هذا الجمال الذي مازال يجري بثقة نحو المستقبل.
أنظر الى ملامح التماثيل التي مازالت بعض ألوانها ظاهرة هنا وهناك، فأرى كيف تتدفق أخاديد الزمن مع تموجات الشعر ونظرات العيون، وأشاهدُ كيف تنهمر جاذبية التعبير الفني على ملامح الوجوه وإيماءات الأيدي وحركات الأصابع. ليعلن كل هذا عن قوة الجمال الذي يخترق القلوب ويجعل للروح أجنحة. بقايا الألوان الخامدة التي مازالت عالقة بالتماثيل هي روح هذا المعرض وهي الخيط الذي ربط كل شيء هنا، ألوان بانت عليها بصمات الزمن وتركت عليها خدوشاً وحزوزاً ومنحتها الكثير من القدسية. تماثيل بدتْ كأنها محاطة بسكون أبدي، لكن ما أن إقتربتُ منها، إخبرتني بالكثير عن الجمال الذي يجب الحفاظ عليه، عن السعادة التي تتملكنا ونحن في حضرة الفن الحقيقي، عن القوة الكامنة في الأعمال الفنية، وطبعاً عن الشعوب التي تحفظ تراثها من الضياع وهويتها من الفقدان.
ومثلما عاشت هذه التماثيل في الماضي البعيد، فهي صارت تجوب الزمن حتى يُخيَّل لك بأنها أعمالاً فنية للنحت المعاصر. هكذا تحط هذه الأعمال رحالها فى زماننا الحاضر، وسوف لن تكتفي بذلك، بل ستمضي نحو المستقبل بثقة تشبه تلك السطوة التي تعلو ملامحها. اقترب أكثر من بعض التماثيل وأتابع بقايا الزخارف والألوان الذهبية التي أحاطتْ بها بقع من بقايا الأزرق والأحمر والأخضر، فأرى كيف وضع الفنانون لمساتهم العجيبة، وكيف لعب الزمن دوره الكبير ومرَّرَ سنواته برفق مشوب بالتساؤلات والحذر، الزمن الذي مضى بعيداً صحبة أولئك الفنانين الكبار، فيما بقيت هذه التماثيل منتصبة حتى اللحظة التي أقف فيها وسط المتحف.
وبين عشرات التماثيل التي إفترشت صالات المتحف العديدة، إستوقفني فجأة تمثال نصفي لإمرأة يعود الى سنة ١٣٥٠، وبإرتفاع نصف متر تقريباً، وقد كان بمثابة صندوقاً للذخائر المقدسة، حيث توجد بمقدمته فتحة مزخرفة، وفي أعلاه غطاء، وهذا ما يسمح بوضع بعض الأدوات التي تحمل نوعاً من القدسية. كان التمثال يشع جمالاً وقوة وحضوراً طاغياً يفوق الوصف، وجه مشرق فاتح اللون مع وجنتان حمراوان كأنهما شمسان صغيرتان تضيئان المكان، ويبرز في الأسفل جزء من فستان ذهبي اللون. لكن ما إستوقفني حقاً هو غطاء الرأس المزخرف بطريقة بارعة الإتقان والذي يسمى (كروسيلر)، وهذا ما منح التمثال شخصية فريدة ومؤثرة، حيث أعادني ذلك الى تاريخ وجمال أغطية الرأس وتاريخ صناعتها والتغييرات التي تتطلبها كل فترة وما تقتضيه كل مكانة اجتماعية أو قدسية. وهذا الغطاء الذي كانت تستعمله النساء في العصور الوسطى إشتقت تسميته من كلمة كروس الألمانية القديمة التي تعني (مُنحَني))، وهذا ما يفسر الطيات التي في تصميم هذا الغطاء الذي يشبه إلى حد بعيد حجاب الرأس الذي تستخدمه النساء المسلمات. ويعتبر الكروسيلر قطعة فنية مذهلة وكان يوضع على الرأس بعدة طبقات، وغالباً ما تُحيط حوافه المزخرفة بالطيات وجه المرأة، وكان شائعاً في كل أوروبا منذ سبعمائة سنة تقريباً.
غالباً ما يتألف الكروسيلر من ثلاث طبقات أو أكثر، والحواف التي تحيط بالوجه تكون مموجة ومنسابة بنعومة وترف. وقد إزدادت أهمية الكروسيلر في نهاية العصور الوسطى وصار يحمل نوعاً من الفخامة، حيث يمزج مع أغطية أخرى للرأس، وكانت تستعمله النساء المتزوجات فقط، وفي الكثير من المدن كان لا يتجاوز أربع طبقات، ماعدا مدينة فرانكفورت التي سمحت أن يكون فيها الكروسيلر بست طبقات. والمهم أن ما يلفت الانتباه لهذه القطعة الأساسية لأزياء النساء هي الكشكشة والطيات التي تحيط بالوجه تماماً أو تحاذيه من الجانبين فقط أو تنسدل على الكتفين.
بعد أن أكملت مشاهدة كل المنحوتات، بقي هذا الغطاء الساحر يشغلني وكأنه يحيط برأسي مثل هالة مقدسة، فخرجتُ من المتحف أفكر بالطيات والزخارف التي مازالت منذ قرون تُحيط بتلك الوجوه الودودة. وفي الشارع تحسستُ مرة أخرى البطاقة التي مازالت في جيبي، ورددتُ مع نفسي: هذا ما تمنحه بطاقة متحف منسية في جيبي، وهذا ما تفصح عنه تماثيل الخشب التي شاركتُها هذه المغامرة التي لا تُنسى.
The post باليت المدى: جمال يفوق الوصف appeared first on جريدة المدى.



