باكستان تؤمِّن هبوطًا آمنًا لترامب وإيران
بقلم/ محمد بوخروبة
في ربع الساعة الأخير نزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيران عن شجرة التصعيد، بقبولهما الاقتراح الباكستاني القاضي بتعليق العمليات العسكرية لمدة أسبوعين، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية والشروع في مفاوضاتٍ الجمعة في إسلام آباد للتوصل إلى اتفاق حيال القضايا العالقة بين الجانبين.
جاء الاتفاق على تعليق الأعمال العسكرية قبل ساعة من انتهاء مهلة الإنذار التي وجهها ترامب إلى إيران لفتح مضيق هرمز، وإلا لجأت الولايات المتحدة إلى القضاء على الحضارة الإيرانية بكاملها إلى الأبد، وبعد هذا التهديد وقف العالم على رؤوس أصابعه مترقبًا بقلق ما يعتزمه الرئيس الأمريكي.
باختصار تراجعت الولايات المتحدة عن شن ضرباتها الشاملة ضد البنى التحتية الإيرانية، في مقابل موافقة إيران على تأمين مرور آمن لناقلات النفط والغاز والمواد الأخرى عبر مضيق هرمز.
في الواقع كان ترامب يصعد ويبحث عن مخرج في الوقت نفسه لخفض التصعيد والتراجع عن حافة الهاوية، وهذا ما وفره له رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش الفيلد مارشال عاصم منير، اللذان تربطهما علاقات وطيدة بكل من واشنطن وطهران.
يقول الطرفان الأمريكي والإيراني الآن إنهما خرجا منتصرين من حرب بدأت تهدد بالتحول إلى استنزاف بعد خمسة أسابيع من العمليات العسكرية التي تغيرت أهدافها أكثر من مرة، لكل جانب سرديته الخاصة عن الانتصار.
النظام في إيران يرى أن مجرد بقائه يعد فشلًا للولايات المتحدة وإسرائيل، بصرف النظر عن الخسائر البشرية والدمار الكبيرين اللذين لحقا بإيران وبناها التحتية العسكرية والمدنية.
أما ترامب فيرى نفسه منتصرًا لأنه يعتبر أن إيران أضعف مما كانت عليه، وأنه أبعد طهران عن القنبلة النووية، لذلك كان يريد وقف الحرب قبل أن تتحول إلى نزاع طويل الأمد، خصوصًا أن غالبية الأمريكيين تعارضها وتعتبرها حربًا اختيارية، وقد بدأت المعارضة تتسع وتصل إلى القواعد الانتخابية للجمهوريين الذين يتململون من ارتفاع أسعار البنزين والسلع الأخرى، ما يهدد سيطرتهم على مجلسي الكونغرس في انتخابات الخريف.
ذهب ترامب إلى الحرب بتوقعات مغايرة للتحديات التي برزت خلالها، فلم يكن يتوقع أن ترد إيران بإغلاق مضيق هرمز والتسبب بأزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة منذ عقود، ولا أن توسع طهران الحرب لتشمل دول الخليج العربية، كما أن النظام نفسه بات أكثر تشددًا، وجاء إسقاط مقاتلة إف 15 الأسبوع الماضي، وما رافقه من عمليات محفوفة بالمخاطر في عمق الأراضي الإيرانية لإنقاذ أحد الطيارين، ليبعث بتحذير شديد مما قد ينتظر الولايات المتحدة في حال استمرار الحرب وتصعيدها.
كل ذلك وضع ترامب أمام خيارين لا ثالث لهما، إما وقف عاجل للحرب، وإما الاستعداد لحرب طويلة قد تكون مكلفة سياسيًّا وماديًّا، وعندما لوح الرئيس الأمريكي باستهداف الجسور ومحطات الكهرباء وبإعادة إيران إلى العصر الحجري، كان يمارس أقصى الضغط لفتح ثغرة في جدار الديبلوماسية، وهذا ما التقطته باكستان بدعم من تركيا ومصر، اللتين تخشيان أن يؤدي توسيع الحرب إلى تهديد الأمن الإقليمي وجر الشرق الأوسط إلى المجهول، وقد حظيت هذه المبادرة بدعم وتشجيع من الصين وروسيا.
أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كان يفضل مواصلة الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني، فوجد نفسه مضطرًا إلى القبول بقرار ترامب تعليق العمليات العسكرية لمدة أسبوعين، لكنه حرص في الوقت نفسه على الفصل بين إيران ولبنان، لتفادي إحراج داخلي نتيجة وقف الحرب من دون تحقيق نتائج حاسمة.
غير أن استثناء لبنان من وقف العمليات العسكرية يضع الاتفاق الأمريكي الإيراني أمام اختبار صعب، ويهدد أيضًا فرص نجاح مفاوضات إسلام آباد المزمعة.
ومهما يكن من أمر لا يبدو أن خسائر إيران قد وصلت إلى حافة التهديد الوجودي للنظام، ولا تزال قادرة على تسويق خطابها التعبوي لدى الأذرع المناصرة والمنخرطة في الحرب، كما هو حال حزب الله في لبنان الذي يلحق خسائر كبيرة بشمال إسرائيل وميليشيات الحشد الشعبي في العراق التي تقصف مناطق واسعة داخل العراق والأردن وسورية، والحوثيين في اليمن الذين انضموا أخيرًا للمجهود الحربي ويعملون على تهديد أمن منطقة البحر الأحمر، وعلى هذا لم تصل طهران للحظة التي بلغها زعيم الثورة الإسلامية آية الله الخميني عام 1988 عندما أعلن عن تجرع كأس السم، وأوقف الحرب مع العراق، وكان هدفه الرئيسي الحفاظ على النظام.
من الواضح أن حساب الربح أو الخسارة بالنسبة إلى إيران يتعلق بضمان بقاء النظام، وبدا من شبه المؤكد أنها لن تقبل وقف الحرب قبل بلوغ لحظة التهديد الوجودي، ومن هذا المنطلق ردد ساستها رفضهم هذا الهدف الذي طرحته واشنطن وتل أبيب في بداية الحرب، ومن ثم تراجع على سلم الأولويات نظرًا إلى كلفته العالية من جهة ومن جهة أخرى تبين أن النظام الإيراني ليس بالهشاشة التي كانت تتصورها التقديرات الأمريكية والإسرائيلية، بل يمتلك إمكانات كبيرة للدفاع عن نفسه، ولا تزال في حوزته أسلحة فتاكة وفي يده أوراق عديدة مهمة يستطيع من خلال لعبها تهديد الأمن الإقليمي وإلحاق ضرر كبير بمصادر الطاقة وطرق الإمداد، وغير بعيد عن هذا جاءت الوساطة الباكستانية لتشكل نقطة لقاء في منتصف الطريق، وخصوصًا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ وصول الثورة الإسلامية إلى الحكم عام 1979، لم يكن هدفها إسقاط النظام في إيران، بل تغيير سلوكه، ولكن واشنطن باتت على قناعة بأن هذا لن يحصل قبل أن تقلع إيران عن مشروعها النووي وتهديد إسرائيل بالدرجة الأولى، وهنا العقدة الرئيسية في تحويل الهدنة المؤقتة إلى سلام دائم.
The post باكستان تؤمِّن هبوطًا آمنًا لترامب وإيران appeared first on الموقف الليبي.





