بعد دمج الاستهلاكيتين: هل حان دور القطاع الصحي العام #عاجل
كتب - اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني -لم يكن قرار الحكومة دمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية مجرد إجراء إداري يتعلق بقطاع التموين، بل يحمل دلالة أعمق تتصل بإعادة التفكير في بنية القطاع العام الأردني، والانتقال تدريجياً من نموذج "المؤسسات المتوازية" إلى نموذج "المنظومات المتكاملة" القادرة على تحقيق الكفاءة وخفض الكلف وتقليل الهدر.
فالاقتصاد الأردني لم يعد يحتمل استمرار التوسع المؤسسي والازدواجية في تقديم الخدمات، خصوصاً في ظل الضغوط المالية وارتفاع كلف التشغيل وتراجع قدرة الدولة على الإنفاق. ومن هنا، تبدو خطوة الدمج منسجمة مع مفاهيم الإدارة العامة الحديثة القائمة على "اقتصاديات الحجم" و"تكامل الموارد"، حيث يسمح توحيد عمليات الشراء والتخزين والتوزيع والإدارة بتحقيق وفورات تشغيلية ورفع الكفاءة وتحسين القدرة على مواجهة التضخم وتقلبات الأسواق.
لكن الأهمية الحقيقية لهذا القرار تكمن في الرسالة التي يبعثها تجاه قطاعات أخرى تعاني المشكلة ذاتها، وفي مقدمتها القطاع الصحي الحكومي والعسكري والجامعي، الذي يمثل اليوم أحد أكثر القطاعات معاناة من التشظي الإداري وتعدد المرجعيات.
فالقطاع الصحي الرسمي في الأردن يعمل عملياً عبر ثلاث منظومات شبه مستقلة: وزارة الصحة، والخدمات الطبية الملكية، والمستشفيات الجامعية، ولكل منها أنظمة تأمين وإدارة وتشغيل ورواتب وحوافز وتدريب ومعلومات خاصة بها، رغم أن جميعها تقدم الخدمة ذاتها للمواطن الأردني وتُموَّل بصورة مباشرة أو غير مباشرة من المال العام.
هذا النموذج خلق حالة من "التجزؤ او التشظي المؤسسي" أدت إلى تكرار البنية التحتية والإنفاق، وتفاوت معايير الخدمة، وضعف التنسيق، وارتفاع الكلف التشغيلية، بينما لا يزال المواطن يواجه الاكتظاظ وطول الانتظار وصعوبة الوصول العادل للخدمة الصحية.
لذلك، فإن أي إصلاح صحي حقيقي يجب ألا يقتصر على زيادة الإنفاق أو بناء مستشفيات جديدة، بل أن يبدأ بإعادة تنظيم المنظومة الصحية نفسها، عبر فصل الجهة الممولة عن الجهة المقدمة للخدمة، وتوحيد المرجعيات التنظيمية والإدارية.
وفي هذا السياق، تبدو فكرة إنشاء "الصندوق الوطني للتأمين الصحي الاجتماعي" خطوة أساسية في مسار الإصلاح، من خلال توحيد أنظمة التأمين الصحي المدني والعسكري والجامعي ضمن صندوق وطني واحد، يعتمد على مبدأ تجميع المخاطر والشراء الاستراتيجي للخدمات الصحية، بدلاً من نموذج "الدفع مقابل الفاتورة" الذي ساهم في تضخم الإنفاق وضعف الرقابة على الكلف.
وجود صندوق وطني موحد سيحقق عدالة أكبر بين المواطنين في الوصول إلى الخدمة الصحية، بغض النظر عن الجهة التي يعملون لديها، كما سيسمح بوضع سلة خدمات صحية موحدة، وإدارة أكثر كفاءة للموارد، وتعزيز مشروع التغطية الصحية الشاملة.
أما الخطوة الثانية، فتتمثل في توحيد إدارة المستشفيات الحكومية والعسكرية والجامعية ضمن مظلة وطنية واحدة، من خلال إنشاء مؤسسة عامة لإدارة المستشفيات والمراكز التخصصية، تتولى التخطيط والإدارة والرقابة وتوحيد الأنظمة والبروتوكولات الطبية والمالية والإدارية، ويكون لها مجلس إدارة مستقل يرأسه وزير الصحة وإدارة تنفيذية متخصصة على غرار المؤسسة العامة للغذاء والدواء.
هذا النموذج لا يعني إلغاء المؤسسات القائمة أو إضعاف الخدمات الطبية الملكية، بل إعادة تعريف دورها بما يتناسب مع طبيعتها العسكرية والاحتياجات الوطنية الحديثة. فالأصل في الخدمات الطبية العسكرية، كما هو معمول به في معظم جيوش العالم، أن تركز على صحة العسكريين ومنتسبي الأجهزة الأمنية العاملين على رأس عملهم، وعلى طب الميدان، والإسناد الطبي العسكري، وإدارة المستشفيات الميدانية، والتعامل مع الإصابات والحالات المرتبطة بالعمليات والجاهزية العسكرية والطوارئ الوطنية.
أما تقديم الرعاية الصحية المدنية واسعة النطاق بمستوياتها الثانوية والثالثية، فيمكن أن يتم ضمن منظومة صحية وطنية موحدة تضمن التكامل والكفاءة وعدالة الوصول للخدمات، مع الاستفادة من الخبرات المتقدمة والانضباط المؤسسي الذي تتمتع به الخدمات الطبية الملكية داخل هذه المنظومة.
هذا التوجه من شأنه أن يخفف التكرار المكلف في البنية التحتية والتخصصات والإدارة، ويعزز قدرة الخدمات الطبية الملكية على التفرغ لمهامها العسكرية الاحترافية، وتطوير قدراتها في مجالات الطب العسكري والإخلاء الطبي والاستجابة للكوارث والأزمات، بدلاً من استمرار استنزاف جزء كبير من طاقتها في تقديم خدمات علاجية مدنية واسعة يمكن إدارتها بصورة تكاملية على المستوى الوطني.
وفي المقابل، يعاد تعريف دور وزارة الصحة لتتفرغ للرعاية الصحية الأولية والصحة العامة والطب الوقائي والترخيص والرقابة والتخطيط الصحي، بدلاً من استمرارها كجهة تشغيلية تدير كل تفاصيل القطاع الصحي. فوزارة الصحة في الدول الحديثة تتجه نحو نموذج "القيادة والتنظيم" بدلاً من "الإدارة التنفيذية المباشرة"، بحيث تصبح الوزارة جهة تضع السياسات وتراقب الأداء، لا جهة تدير المستشفيات يومياً.
كما أن تعزيز الرعاية الصحية الأولية يجب أن يكون محور الإصلاح الصحي، باعتبارها المدخل الحقيقي لأي نظام صحي فعال، والقادرة على تخفيف الضغط عن المستشفيات وتقليل الكلف وتحسين الوقاية والكشف المبكر.
بطبيعة الحال، فإن مشروعاً بهذا الحجم يحتاج إلى إرادة سياسية قوية، وتنفيذ تدريجي مدروس، وتشريعات حديثة، وإدارة احترافية للتغيير تضمن الحفاظ على حقوق العاملين وكسب ثقة المواطنين والكوادر الصحية.
لكن المؤكد أن قرار دمج المؤسستين الاستهلاكيتين فتح الباب أمام نقاش وطني طال انتظاره حول مستقبل الإدارة العامة في الأردن. فالتحدي الحقيقي لم يعد في إنشاء مؤسسات جديدة، بل في بناء دولة أكثر تكاملاً وكفاءة وعدالة، قادرة على تقديم خدمة أفضل بكلفة أقل، وتحويل الإنفاق العام من عبء متضخم إلى استثمار فعّال في حياة المواطنين.
اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني





