بعد الستين… ما تعلّمته من أربعة عقود في السياسة: الأفكار تموت حين نربطها بالأشخاص
رسالة إلى الرأي العام
بقلم: الأستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة
بعد أن بلغنا الستين، وبعد تجربة تجاوزت أربعة عقود في الحياة السياسية، بين التفكير والتنظير والممارسة والعمل العام، يصبح من حق الإنسان، وربما من واجبه، أن يتوقف أمام بعض محطات تجربته، لا ليكتب مذكراته، ولا ليمدح ذاته، بل ليقول ما تعلّمه بصدق، وما دفع ثمنه من الوقت والجهد والأمل.
وأهم ما تعلمته أن الفكرة التي ترتبط بشخص تموت بغيابه، والمؤسسة التي تختصر نفسها في فرد تفقد معناها حين يغادر، والحزب الذي يقوم على الزعيم أكثر مما يقوم على البرنامج يتحول، عاجلاً أم آجلاً، إلى ذكرى.
الدول لا تُبنى بالأشخاص مهما بلغت قدراتهم، وإنما بالأفكار التي تتحول إلى مؤسسات، والمؤسسات التي تستمر مهما تبدلت الأسماء والمواقع والمناصب. فالغياب سنة من سنن الحياة؛ قد يكون اختيارياً، وقد يكون قسرياً، لكن الفكرة الحقيقية يجب أن تكون أكبر من صاحبها، وأن تستمر بعده لا أن تُدفن معه.
ومن هذه الزاوية أتوقف عند تجربة قصيرة في عمر الزمن، لكنها غنية بالدروس، خلال عملي في مركز دراسات التنمية المستدامة، حين طرحت فكرة «إربد عاصمة اقتصادية 2030».
لم تكن الفكرة شعاراً للاستهلاك الإعلامي، ولا مشروعاً شخصياً أبحث من خلاله عن حضور أو موقع. كانت محاولة للتفكير خارج المركز التقليدي، ولترجمة جزء من الرؤية الملكية للتحديث إلى مشروع محلي قابل للنمو والتحول إلى نموذج وطني.
وقد وجدت الفكرة قبولاً واسعاً لدى أبناء المجتمع المحلي، وتبناها عدد من النواب والمهتمين بالشأن العام. وكان يمكن، لو أحسن استثمارها وتوفرت لها الإرادة المؤسسية، أن تتحول إلى مشروع تنموي حقيقي يخدم إربد والشمال والأردن بأكمله.
ففكرة إربد عاصمة اقتصادية لا تعني منافسة عمّان، ولا نقل العاصمة السياسية من مكانها، وإنما تعني إعادة التفكير في توزيع التنمية والنشاط الاقتصادي والثقل الوطني بين المحافظات. ففي تجارب دولية عديدة لا يحتكر المركز السياسي كل شيء؛ هناك مدن تصنع السياسة، وأخرى تقود الاقتصاد والصناعة والمعرفة والثقافة.
وكان الهدف الاقتصادي واضحاً: الدفع باتجاه تشريعات وسياسات واستثمارات ومشروعات تجعل من إربد مركزاً اقتصادياً وتنموياً أكثر تأثيراً، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي، ويخلق فرصاً حقيقية للشباب، ويعيد الاعتبار للمحافظات باعتبارها مراكز للإنتاج والمبادرة، لا أطرافاً تنتظر ما يقرره المركز.
أما سياسياً، فقد كان وراء الفكرة هدف آخر لا يقل أهمية: نقل جزء من النشاط والثقل السياسي من عمّان إلى المحافظات، وفي مقدمتها إربد، وتوسيع فضاء المشاركة العامة بحيث لا تبقى السياسة والتنمية والقرار حبيسة الجغرافيا المركزية.
لكن التجربة كشفت لي درساً مؤلماً.
حين انشغلت بمهام أخرى في المركز، ثم انتهى بي الأمر إلى الانسحاب من اللجنة المشكلة لمتابعة تنفيذ الرؤية، بدأت الفكرة تفقد زخمها. وهنا أدركت مجدداً أن مشكلتنا ليست دائماً في نقص الأفكار، بل في ضعف قدرتنا على تحويل الأفكار من مبادرات أشخاص إلى ملكية مؤسسية ومجتمعية مستدامة.
نحن بحاجة إلى أشخاص يؤمنون بالأفكار لا بأصحابها؛ يحملون المشروع لأنهم مقتنعون به، لا لأن فلاناً يقوده، ويواصلونه بعد مغادرة صاحبه، وربما يطورونه بصورة أفضل مما كان يتخيل.
أما تجربتي ومحاولاتي في المركز لترجمة جانب من رؤية التحديث السياسي، فتلك قصة أخرى تستحق أن تُروى في وقتها؛ لأن التحديث السياسي ليس منفصلاً عن التحديث الاقتصادي. فلا اقتصاد حديثاً ومستداماً دون إدارة حديثة، ولا تنمية حقيقية دون مشاركة ومساءلة ومؤسسات قادرة على إنتاج القرار وتنفيذه.
وعند التفكير العميق، فإن التحديث السياسي، والتحديث الاقتصادي، ومشروع إربد عاصمة اقتصادية 2030، ليست ثلاثة مسارات منفصلة، بل حلقات في رؤية واحدة لدولة أكثر قدرة على توزيع التنمية والفرص والمشاركة خارج حدود المركز.
وبعد أكثر من أربعين عاماً من الاقتراب من السياسة والدولة والمجتمع، وصلت إلى قناعة قد تكون قاسية، لكنها تستحق النقاش:
إن أخطر ما يهدد الأفكار الجميلة ليس معارضيها دائماً، بل أن تظل معلقة بأسماء أصحابها. وأخطر ما يواجه الإصلاح ليس غياب الرؤى، بل غياب المؤسسات القادرة على حملها بعد رحيل أصحابها.
أما ما يسمى بـ«الدولة العميقة»، فيبدو أحياناً أنها ليست عميقة بالقدر الذي نتصوره؛ لأن العمق الحقيقي للدولة لا يُقاس بقدرتها على إدارة الأشخاص، بل بقدرتها على حماية الأفكار النافعة، وبناء المؤسسات، وضمان استمرارية المشروعات الوطنية مهما تغيرت الوجوه والمواقع.
بعد الستين، يقل اهتمام الإنسان بمن بدأ الفكرة، ويزداد اهتمامه بسؤال أكثر أهمية:
من سيكملها؟
فالأوطان لا تحتاج إلى مزيد من الأفكار التي تولد مع أصحابها وتموت برحيلهم، بل تحتاج إلى أفكار تتحول إلى مؤسسات، ومؤسسات تصبح أقوى من الأشخاص، ومشروعات تستمر لأن الوطن يحتاج إليها، لا لأن شخصاً بعينه يقف خلفها.
وللحديث بقية…
هذا المحتوى بعد الستين… ما تعلّمته من أربعة عقود في السياسة: الأفكار تموت حين نربطها بالأشخاص ظهر أولاً في سواليف.
