بعد الاتفاق.. النظام الإيراني على أعتاب السقوط
لم يكن إعلان التفاهم بين النظام الإيراني والولايات المتحدة تعبيرًا عن قوة طهران، بل اعترافًا عمليًا بأن النظام لم يعد قادرًا على مواصلة الطريق الذي سار فيه طوال العقود الماضية. فالسلطة التي رفعت بلسان قائدها خامنئي المقتول شعار "لا حرب ولا تفاوض" دخلت الحرب، ثم فاوضت، وانتهت إلى قبول تفاهم هدفه الأول وقف الضربات وشراء مهلة زمنية لإنقاذ ما تبقى من بنيتها السياسية والاقتصادية والأمنية. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان النظام قد حصل على مهلة، بل ما الذي سيواجهه داخل إيران خلال هذه المهلة. منذ انتفاضة مطلع عام 2026، لم يحل النظام مشكلة اقتصادية أو اجتماعية واحدة. بل أضيفت إلى الأزمات السابقة خسائر الحرب، وتدمير البنى التحتية، وتراجع الصادرات، وانهيار العملة، واتساع الفقر، وتفاقم البطالة ونقص الدواء وانقطاع الإنترنت. وتشير اعترافات مسؤولين وخبراء داخل النظام إلى أن خط الفقر تجاوز 70 مليون تومان، وأن 60 بالمئة من المجتمع لم يعد قادرًا على تحمل ضغوط اقتصادية إضافية، فيما حذر مسؤولون سابقون من احتمال اندلاع "انتفاضة الجياع". إيران اليوم ليست إيران ما قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر). النظام فقد رأسه السابق، وخسر طبقات متتالية من قادة الحرس والمسؤولين الأمنيين والسياسيين، وتراجعت شبكة وكلائه الإقليميين، وأصبح نفوذه في المنطقة أضعف بكثير. لم يعد قادرًا على التحرك في العراق وسوريا ولبنان واليمن كما كان يفعل، ولم يعد يستطيع فرض قراراته على دول المنطقة من دون ثمن. وبعد كل هذه الخسائر، ماذا حقق؟ لم يحقق مشروعه النووي، ولم يحسم الحرب، ولم يحافظ على شبكة نفوذه، ولم يعالج أزماته الداخلية. عاد إلى طاولة المفاوضات طالبًا وقف الحرب، واستئناف بيع النفط، وتخفيف العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة. وهذا هو المعنى الحقيقي لتجرّع كأس السم. الخوف من اليوم التالي الخطر الأكبر بالنسبة إلى النظام يبدأ مع هدوء الجبهة الخارجية. فالحرب كانت تمنحه ذريعة لقمع المجتمع، وتأجيل المطالب، ونسب الفقر والغلاء والاحتجاجات إلى "العدو الخارجي". أما بعد وقف الحرب، فسيسأل المواطن الإيراني: لماذا ما زالت الأسعار ترتفع؟ لماذا لا تصل عائدات النفط إلى الناس؟ لماذا تستمر الإعدامات والاعتقالات؟ ولماذا لم يتغير شيء في حياة الأسر؟ إذا ارتفعت توقعات المجتمع نتيجة الاتفاق، ثم اكتشف الناس أن النظام يستخدم العائدات الجديدة لإعادة بناء أجهزته العسكرية والأمنية وتمويل القمع، فإن الإحباط سيتحول إلى غضب أشد من السابق. وهنا تتوافر عناصر انفجار واسع: أزمة شرعية، انهيار اقتصادي، صراع في قمة السلطة، وشبكة مقاومة منظمة داخل البلاد. اعترافات مسؤولي النظام تكشف هذه الحقيقة. فقد قال علي رضا زاكاني، رئيس بلدية طهران السابق وأحد قادة الحرس، إن نص التفاهم خضع لـ25 جولة من المراجعة والتعديل، وإن مجتبى خامنئي طرح أسئلة متكررة وطلب إجابات مكتوبة قبل الموافقة عليه. ومن بين القضايا التي أثارت قلقه مسألة منع أي دعم للمعارضة. هذه النقطة ليست تفصيلًا قانونيًا؛ إنها تكشف جوهر الخوف. رأس النظام لم يكن منشغلًا فقط بالتخصيب أو العقوبات، بل أراد ضمان ألا يؤدي الاتفاق إلى فتح المجال أمام المعارضة الإيرانية. والمقصود ليس معارضة افتراضية أو شخصيات تبحث عن السلطة في العواصم الأجنبية، بل القوة المنظمة التي يعتبرها النظام خصمه الحقيقي: منظمة مجاهدي خلق، والمجلس الوطني للمقاومة، ووحدات الانتفاضة داخل إيران. ثلاثة عناصر للسقوط النظام يواجه اليوم ثلاثة عوامل اجتمعت للمرة الأولى بهذه القوة: أولًا، أزمة شرعية عميقة بعد انتفاضة 2026، حيث أثبتت الاحتجاجات أن المجتمع لم يعد يقبل استمرار الوضع القائم. ثانيًا، انقسام داخل السلطة، مرتبط بالتفاوض، والخلاف حول التنازلات، وانتقال القيادة، وتوزيع النفوذ بين الحرس والمؤسسات السياسية. ثالثًا، وجود قوة منظمة تمتلك تجربة طويلة في مقاومة القمع، وشبكات داخلية، وقدرة على تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى مسار سياسي منظم. ولهذا لا يعتمد النظام على آثار الاتفاق الاقتصادية وحدها، بل يواصل الإعدامات والاعتقالات والرقابة الإلكترونية. فإعدام 31 سجينًا خلال أربعة أيام، بمعدل إعدام كل ثلاث ساعات، ليس إجراءً قضائيًا عاديًا، بل سياسة وقائية لنشر الرعب قبل مرحلة ما بعد الحرب. لكن القمع لا يستطيع حل المشكلات التي صنعتها السلطة. قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يلغي أسبابه. الحل الذي أثبتته التطورات أثبتت التجربة فشل طريقين: سياسة المساومة التي منحت النظام المال والوقت، والحرب الخارجية التي أضافت الدمار من دون أن تنتج حلًا ديمقراطيًا. كما سقط رهان الذين شجعوا القصف وتوهموا أنهم سيصلون إلى الحكم على ظهر الدبابات الأجنبية. وقد قال جي دي فانس بوضوح إن الولايات المتحدة لم تكن تسعى إلى إسقاط النظام وتنصيب رضا بهلوي مكانه. في المقابل، ثبتت صحة موقف المقاومة الإيرانية: لا حرب خارجية ولا مساومة مع الدكتاتورية، بل تغيير يقوم به الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. وأكدت مريم رجوي أن المقاومة، التي ناضلت قرابة خمسة عقود من أجل الحرية والسلام، ترحب بكل تفاهم ينهي الحرب ومعاناة الشعب، لكنها شددت على أن الحرب والتدخلات الإقليمية والمشروع النووي أدوات لبقاء النظام، وأن السلام ووقف إطلاق النار يمثلان سمًا له، لأنهما يزيلان درعه الخارجي ويضعانه أمام الشعب. وسيتجسد هذا الخيار في باريس يوم 20 حزيران (يونيو)، حيث يشارك أكثر من 100 ألف إيراني ومؤيد للمقاومة في تظاهرة كبرى تؤكد أن مستقبل إيران لا يمر عبر استمرار ولاية الفقيه ولا عبر إعادة حكم الشاه، بل عبر جمهورية ديمقراطية تقوم على سيادة الشعب وفصل الدين عن الدولة. الاتفاق قد يمنح النظام وقتًا، لكنه لا يمنحه شرعية، ولا يحل أزماته، ولا يعيد إليه قوته الإقليمية. ومع هدوء الحرب، سينتقل مركز الصراع إلى الداخل الإيراني. وهناك، أمام مجتمع غاضب، واقتصاد منهار، وسلطة منقسمة، ومقاومة منظمة تتوسع منذ سنوات، يبدو النظام أقرب من أي وقت مضى إلى مواجهة استحقاق السقوط.المصدر: إيلاف | Source: إيلاف
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة إيلاف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by إيلاف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





