في أخطر تصعيد ميداني يشهده إقليم كردستان العراق منذ سنوات، تعرّض المكتب الخاص لرئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، ومقرّ جهاز "باراستن" للاستخبارات الخارجية، لهجمات بطائرات مسيّرة نُسبت إلى إيران.
جاء ذلك بعد أيام قليلة من بدء الجيش الأميركي إجراءات ميدانية لسحب قواته ومعداته من قواعده في الإقليم، وهي عملية أعلنت الحكومة الاتحادية العراقية أنها ستكتمل بحلول نهاية سبتمبر/أيلول المقبل.
التزامن بين الحدثين يطرح ثلاثة أسئلة لا تحتمل التأجيل: من يحمي أجواء إقليم تعرّض لأكثر من ألف هجوم في الشهور الماضية، من إيران ومن فصائل عراقية موالية لها؟ ومن يتسلّم القواعد التي ستُخلى، البيشمركة أم الجيش العراقي؟ وأين يقع هذا الانسحاب في ميزان المواجهة الأميركية-الإيرانية الأوسع؟
انسحاب أم إعادة تموضع؟
حسب معلومات تفصيلية اطّلعت عليها "المجلة"، نقلت طائرات نقل عسكرية ضخمة من طراز "سي 17 غلوبماستر 3"، خلال الأسبوعين الماضيين، بطاريات صواريخ "باتريوت" أرض-جو من القاعدة الأميركية الملاصقة لمطار أربيل الدولي إلى قواعد أميركية في الأردن. وأُنزل منطاد المراقبة الجوية الذي كان يرفرف فوق المدينة، ونقلت بريطانيا منظومتها للدفاع الجوي إلى قبرص. ولم تُبقِ واشنطن ولندن، ومعهما برلين وباريس، سوى وحدات عسكرية صغيرة في القاعدة.
كانت القاعدة اللوجستية الأميركية قرب مطار أربيل تؤدي وظيفة شبيهة بنظيرتها في محيط مطار بغداد الدولي: فمنذ عام 2014، تولّت المراقبة والتواصل والدعم اللوجستي للحلفاء الميدانيين في عمليات مكافحة الإرهاب، وشكّلت نقطة تنسيق مع باقي أطراف التحالف الدولي. وإلى جانبها "قاعدة حرير"، شمال شرقي أربيل بنحو سبعين كيلومتراً، التي استُخدمت في 2003 منصةً لإنزال قوات أميركية محمولة جواً، ثم خمدت طويلاً قبل أن تعود واشنطن إلى تطويرها وتوسيع مدرجها منذ 2019. لكن السلطات الكردية تقول إنها شبه خالية من أي وجود قتالي، وأن ما تبقّى فيها موظفون مدنيون وعتاد صغير للحفاظ على صلاحية الموقع. وثمة كذلك مراكز لوجستية صغيرة في عدد من مدن الإقليم، تعمل بلا انقطاع منذ 1991.
لم يوضّح الجيش الأميركي طبيعة هذه الخطوة. مسؤولون أميركيون تحدثوا عن "عمليات تنقّل روتينية ومستدامة" بين مناطق التمركز، وقالوا إن الصراع في الشرق الأوسط يزيد الحاجة إلى تحريك القوات بمرونة تتناسب مع مستلزمات الحرب. أما الأوساط القريبة من حكومة إقليم كردستان، فقلّلت من أهمية الإجراءات الأميركية، قائلة إن عمليات النقل تخص فقط القوات التي كانت قد انتقلت من باقي مناطق العراق إلى الإقليم خلال العام الماضي.
ولا يمكن قراءة التوقيت بمعزل عن الجدول الزمني المُعلن في سبتمبر/أيلول 2024، والذي قضى بإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق على مرحلتين، تمتد الثانية منهما- الخاصة بالانتشار في أربيل- إلى سبتمبر/أيلول 2026. بهذا المعنى، ما يجري ليس مفاجأة استراتيجية بقدر ما هو استحقاق مؤجَّل حلّ موعده في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
مصدر سياسي كردي رفيع كشف لـ"المجلة" رؤية أربيل للأمر، قائلاً إن الحدث لا يثير "فزعاً" كردياً، لثلاثة أسباب، وإن كان الجانب الكردي يرى في الوجود الأميركي عامل تحفيز للاستقرار في العراق.
الأول أن الولايات المتحدة لا تستطيع مغادرة العراق كلياً، ولا تركه للقوى الإقليمية المناهضة لها، "لأن العراق مركز استراتيجي لمصالحها وأشكال نفوذها، خصوصاً في الجانب الأمني والعسكري. وحين جرّبت واشنطن تجاوز هذا الأمر في 2011 وانسحبت تماماً، عادت بعد أقل من ثلاث سنوات بزخم أكبر، مع صعود تنظيم داعش".
الثاني موقع الإقليم وموقفه من الصراعات الإقليمية، وهو موقف يتّسم- بحسب المصدر- بحياد واضح ورغبة في عدم التدخل في شؤون أي طرف، "وهذه ستكون مظلة الدفاع الرئيسة عن الإقليم واستقراره".
الثالث توقّع بقاء جزء من القوات الدولية في كردستان، "وإن بتسميات أخرى: قوات حماية المصالح الدبلوماسية، أو مراكز تنسيق وتدريب وتبادل معلومات. وهي بذاتها ستُبقي مظلة الحماية الأمنية للإقليم، الجوية منها على الأقل. فكردستان ذات أهمية جيوسياسية تفوق أي إمكانية لتركها وحيدة".
جدل قانوني ودستوري
يتوقّع مراقبون أن تتحول آلية تسليم القواعد العسكرية واللوجستية الأميركية إلى مناكفة سياسية وإعلامية مطوّلة بين أربيل وبغداد؛ ليس فقط لاختلاف التفسيرات القانونية والسياسية للقواعد الناظمة للأمر، بل أولاً لغياب الثقة المتبادلة بين الطرفين.
لا يمكن قراءة التوقيت بمعزل عن الجدول الزمني المُعلن في سبتمبر 2024، والذي قضى بإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق على مرحلتين
يعود التمركز الأميركي في كردستان إلى ربيع 1991، حين أصدر مجلس الأمن القرار 688 الذي أدان قمع النظام السابق للمدنيين، وطالب بغداد بالسماح الفوري بوصول المنظمات الإنسانية. أما منطقة حظر الطيران، فلم ينشئها القرار نفسه؛ بل فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بقرار أحادي لاحق، في إطار عملية "توفير الراحة". وقد تحولت تلك المظلة بالتقادم إلى عامل جوهري في بزوغ الإقليم وحمايته. لكن الجهات العراقية تعتبر ذلك كله جزءاً من الماضي، وتقول إن الوجود الفيدرالي لكردستان مصون بالدستور العراقي، لا بأي قوة خارجية.
بحسب ما تعلنه الحكومة الاتحادية، يُفترض أن يتسلّم الجيش العراقي القواعد والمراكز التي ستُخلى، لأنها منشآت تندرج ضمن هياكل "الدفاع الجوي"، وهذا من مهام الجيش والحكومة الاتحادية وصلاحياتهما، استناداً إلى المادة 110 التي تحصر رسم سياسة الأمن الوطني والدفاع بالسلطات الاتحادية. وتضيف بغداد أن المطارات المدنية في الإقليم، ومثلها المنافذ البرية، تُدار أصلاً عبر الحكومة والمؤسسات الاتحادية.
في المقابل، يستند الطرف الكردي إلى الفقرة الخامسة من المادة 121، التي تنص على أن "تختص حكومة الإقليم بكل ما تتطلبه إدارة الإقليم، وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم". ما يعني، في القراءة الكردية، أحقية قوات البيشمركة في تسلّم تلك القواعد وإعادة استخدامها بما يحقق المهام والمرامي الدستورية المرسومة لها.

ويتوقع متابعون للشأن العراقي حدوث ما يشبه "الصفقة" بين الطرفين، شبيهة بما تكرر في ملفات نظيرة، كإدارة المطارات وحرس الحدود: منظومات تتبع إدارياً ومالياً للحكومة والجيش والوزارات الاتحادية، لكن عناصرها وضباطها من مواطني إقليم كردستان، ومفروزون فعلياً من مؤسسات حكومة الإقليم.
لكن المسألة أعقد من توزيع اللافتات. فسيطرة القوات العراقية على تلك القواعد تعني أنها ستكون مخوَّلة- ومُلزَمة- بتوفير حماية مستدامة لأجواء الإقليم، من الهجمات الصاروخية والمسيّرات، ومن أي تمدد بري يتجاوز الحدود. وحتى الآن، لم تعلن الحكومة الاتحادية توفير أي شيء من ذلك، عدا عروض محدودة تتعلق بحماية المنشآت النفطية التابعة للحكومة المركزية. ويبقى السؤال العملي بلا إجابة: بأي منظومات، ومن أي مخزون، ووفق أي قواعد إشراك؟
مشهد إقليمي معقد
أكدت أوساط رسمية في إقليم كردستان أنباءً مسرّبة عن وساطة سياسية قام بها رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني بين الولايات المتحدة وإيران، وتحديداً مع "الحرس الثوري". وأفادت تلك الأنباء بأن بارزاني أجرى اتصالاً بقيادة "الحرس"، وحصل على "ثقة تامة" من الجانب الأميركي. ويرجع مراقبون هذه المحاولة إلى رغبة الإقليم في الحفاظ على حياده من هذه الحرب، قدر المستطاع، تجنباً لأي ظرف قد يمس وجوده.

في حديث مطوّل مع "المجلة"، ترسم أستاذة العلوم السياسية نوال رمو ثلاثة خطوط عريضة لما يحدث، وتقسمها إلى بواعث الانسحاب، وتراجع الحماية، والنتائج المحتملة.
تقول رمو: "صحيح أن ثمة سياقاً للانسحاب العسكري الأميركي والدولي من العراق، بفعل الضغوط الداخلية العراقية، لكن الولايات المتحدة كانت قادرة على خلق أسباب ومبررات لاستمرار وجودها، لو بقي يحقق لها فوائد أمنية وتعزيزاً لنفوذها. غير أن الشهور الستة الماضية كانت مفاجئة تماماً من حيث تراجع قدرتها على ردع متكامل ومستدام لكل منشآتها في الشرق الأوسط. لذا أُضيف تقليص الانتشار، كتكتيك عسكري، إلى المسار الذي كان قائماً في العراق أصلاً".
وتضيف: "الانسحاب جاء ضمن لوحة إقليمية متكاملة، قلّصت فيها الولايات المتحدة وجودها العسكري في أكثر من دولة، إعادةَ تموضع وترتيبٍ ضمن استراتيجية مواجهة إيران في الأفق المنظور. وهو أمر مفهوم في ظل معلومات تشير إلى تراجع مخزونها من الذخيرة الدفاعية، خصوصاً صواريخ الاعتراض من عائلة باتريوت، التي لا يتجاوز إنتاجها نحو ستمئة صاروخ سنوياً، بينما استُهلكت بكثافة هائلة خلال الشهور الماضية دفاعاً عن قواعدها المنتشرة في دول المنطقة".
الاستراتيجية الإيرانية ستستمر في التعامل مع كردستان كبقعة كانت خارج الهيمنة بفعل التغطية الأميركية، وأصبحت اليوم بلا تلك الحماية
وترى رمو أن الكلفة على كردستان مزدوجة: "الوجود العسكري الأميركي لم يكن مجرد مظلة أمنية، بل سياسية أيضاً. وعلى عكس ما يحاول كثير من المحللين تفسيره وتوقعه برغباتهم لا بمعطياتهم، فإن خلو كردستان من القواعد الأميركية لن يقلّل هجمات إيران والفصائل الموالية لها. والدليل أن خلو باقي مناطق العراق من ذلك الوجود لم يغيّر شيئاً في استراتيجيتها تجاه العراق المركزي. فالمسألة عند إيران وحلفائها ليست مجرد خلاف سياسي وأمني مع الولايات المتحدة، بل مناهضة لوجودها لأنه يردعها عن الهيمنة على مختلف مناحي الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق".

وتضيف أن الاستراتيجية الإيرانية ستستمر في التعامل مع كردستان كبقعة كانت خارج الهيمنة بفعل التغطية الأميركية، وأصبحت اليوم بلا تلك الحماية، ما قد يدفع نحو "أشكال مركّبة من التصعيد: قصف المنشآت النفطية والغازية لإبعاد الشركات العالمية، أو استهداف مقار الأحزاب الكردية الإيرانية برياً، وحتى تهديد مراكز السيادة الرئيسة في الإقليم".
لكن رمو تعود لتضع عاملين مضادين قد يحدّان من الجموح الإيراني. الأول أن "كل هذه التحليلات تقع في إطار الاعتقاد بأن الانسحاب الأميركي من كردستان نهائي ومستدام، وهذا غير صحيح؛ فالعامل الأكثر حيوية، المتمثل بالحرب على إيران، لم يُحسم بعد بأي شكل، ويمكن لمساراته ونتائجه غير المعروفة أن تُعيد خلط الأوراق والترتيبات في أي وقت. ومختلف الأطراف تأخذ ذلك في الحسبان، وهو ما حدث فعلاً في 2014، حين عادت القوات الأميركية بسرعة فائقة".
والثاني اختلال التوازنات الإقليمية: "جموح إيران نحو كردستان يعني سيطرتها التامة على العراق، وتالياً عودة نفوذها إلى مرحلة ما قبل سقوط نظام الأسد في سوريا. وهذا أمر لا تقبله دول إقليمية كثيرة، ستساند الإقليم بوضوح".







