أزمة الوقود تعيد تشكيل أنماط المعيشة في آسيا وسط تداعيات إقليمية
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
تسبب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، في أعقاب الأحداث الإقليمية في ظل العدوان الايراني الآثم، في موجات ارتدادية عنيفة ضربت أركان الاقتصاد العالمي، حيث قفزت أسعار النفط واضطربت الأسواق المالية العالمية في حالة من الترقب لما ستؤول إليه الأوضاع في هذا الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 % من إمدادات النفط العالمية. وفي ظل الوضع الراهن، لا تتمكن سوى عدد قليل من السفن من عبور المضيق يومياً، بينما أدت الهجمات التي استهدفت البنية التحتية للطاقة في المنطقة إلى دفع الأسعار لمستويات قياسية.
ومع ذلك، يظل الإقليم الآسيوي هو المتضرر الأكبر من هذه الأزمة، حيث تتوجه قرابة 90 % من شحنات النفط والغاز العابرة للمضيق إلى الدول الآسيوية، وهو ما بدا أثره واضحاً في سلسلة من الإجراءات القاسية التي اتخذتها الحكومات، من فرض العمل عن بُعد، وتقليص أسبوع العمل، وإعلان العطلات الوطنية، وصولاً إلى إغلاق الجامعات مبكراً للحفاظ على المخزون. وحتى الصين، التي تمتلك احتياطيات استراتيجية تكفيها لثلاثة أشهر، لم تكن بمنأى عن التعديلات، حيث اضطرت للحد من زيادات أسعار الوقود بعد أن واجه مواطنوها قفزة في الأسعار بلغت 10 %.
ورغم أن الحرب تدور رحاها على بعد آلاف الأميال، إلا أن شهادات السكان في مختلف أنحاء آسيا تكشف عن واقع يومي مرير وتأثيرات ملموسة طالت أدق تفاصيل حياتهم.
وفي الفلبين، أعلنت السلطات حالة الطوارئ الوطنية لمواجهة الخطر المحدق باستقرار إمدادات الطاقة، وهو ما انعكس بشكل مأساوي على حياة سائقي مركبات “الجيبني” الشهيرة، ومنهم كارلوس براجال الذي تهاوى دخله اليومي من نحو 1200 بيزو إلى أقل من 500 بيزو فقط نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل. كارلوس، الذي كان يعيش حياة مستقرة مكنته من تعليم بناته، يواجه الآن مستقبلاً مجهولاً يهدد بقاء عائلته، مؤكداً أن المساعدات الحكومية لا تكفي لتغطية نفقات يومين من القيادة.
ولا يقتصر الأمر على قطاع النقل، إذ يعاني المزارعون والصيادون أيضاً من وطأة الأسعار، لدرجة اضطرار مزارعي الخضروات في إقليم بولاكان إلى التوقف عن الزراعة تماماً، في وضع يصفه الكثيرون بأنه أسوأ مما كان عليه الحال إبان جائحة كورونا.
أما في تايلاند، فقد اتخذت الأزمة شكلاً رمزياً وعملياً في آن واحد، حيث تخلت مذيعة الأخبار المخضرمة سيريما سونغكلين وزملاؤها في قناة “Thai PBS” عن ارتداء السترات الرسمية (البليزر) على الهواء مباشرة، في رسالة تهدف لتشجيع المواطنين على تخفيف الملابس للتعامل مع الحرارة وتقليل استخدام المكيفات. وبالتوازي مع هذه الخطوة، أصدرت الحكومة توجيهات بضبط أجهزة التكييف عند درجة حرارة تتراوح بين 26 و27 درجة مئوية، وأمرت كافة الهيئات الحكومية بالعمل من المنزل، في محاولة للحفاظ على موارد الطاقة رغم تأكيدات المسؤولين الرسمية بامتلاك البلاد ما يكفي من الوقود للمستقبل القريب.
وفي سريلانكا، يبرز تناقض مؤلم يرويه السكان في كولومبو؛ فبينما كانت البلاد تفتقر للمال اللازم لشراء الوقود في أزمتها المالية عام 2022، أصبحت الآن تمتلك المال ولكنها تفتقر للوقود نفسه بسبب تعطل الإمدادات العالمية. وقد فرضت الدولة تدابير تقشفية شملت إعلان يوم الأربعاء عطلة رسمية واعتماد نظام الحصص في توزيع الوقود، مما أدى إلى تشكل طوابير طويلة أمام المحطات. ويروي العمال، مثل نيمال الذي يعمل في قص العشب، كيف تستهلك هذه الطوابير يومهم بالكامل، مما يحرمهم من أداء وظائفهم ويهدد بفقدانهم لمصادر رزقهم لصالح بدلاء آخرين في ظل حاجتهم الماسة لتلبية متطلبات الحياة اليومية.
وفي ميانمار التي تعيش بالفعل صراعاً داخلياً منذ سنوات، طبقت السلطات العسكرية سياسة “الأيام البديلة” لسير المركبات الخاصة لترشيد الاستهلاك، مما أثر بشكل كبير على الروابط الاجتماعية للسكان. يصف “كو هتيت”، وهو موظف بنك، كيف تحولت اللقاءات الدورية مع الأصدقاء إلى تعقيد لوجستي يتطلب التنسيق بناءً على أرقام السيارات الزوجية والفردية، وسط مخاوف متزايدة من ظهور سوق سوداء للوقود وما يتبع ذلك من ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية.
أما الهند، الدولة الأكثر ازدحاماً بالسكان، فقد تلقت ضربة موجعة نظراً لاعتمادها الكبير على مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 90 % من وارداتها من الغاز المسال. وفي ولاية غوجارات الغربية، تسببت أزمة نقص الغاز في إغلاق صناعة السيراميك الضخمة لمدة تقارب الشهر، مما ترك حوالي 400 ألف عامل في حالة من الضياع، حيث يواجه العمال المهاجرون شبح الجوع والتشرد مع استمرار توقف المصانع. ولا يتوقف الأمر عند القطاع الصناعي، ففي مدينة مومباي الصاخبة، أغلقت نحو خُمس المطاعم والفنادق أبوابها بشكل كلي أو جزئي نتيجة اختفاء غاز الطهي من الأسواق، واضطرت المطاعم الباقية لحذف الوجبات التي تتطلب وقتاً طويلاً في الطهي من قوائمها، بينما تصطف الجموع في طوابير لا تنتهي للحصول على أسطوانات الغاز، في مشهد يصفه ممثلو قطاع المطاعم بأنه وضع كارثي يهدد لقمة عيش الملايين.
لطالما استعدت الصين لمواجهة صدمات إمدادات النفط من منطقة الخليج العربي، لكن الصراع الراهن في إيران وتعطل أحد أهم مسارات الشحن العالمي يضع اليوم مرونة التنين الصيني في اختبار حقيقي. فمنذ أن بدأت التوترات وتوقفت شحنات الطاقة من الشرق الأوسط في أعقاب التهديدات الإيرانية باستهداف السفن العابرة للممرات المائية الحيوية رداً على الضربات الأمريكية الإسرائيلية، دخل العالم في حالة من النقص الحاد في النفط.
وبينما تعاني دول آسيوية تعتمد بشكل كلي على الخليج، مثل الفلبين التي قلصت أيام العمل وأندونيسيا التي تبحث عن سبل لتجنب استهلاك احتياطياتها المحدودة، تجد الصين نفسها في وضع أفضل نسبياً بفضل سنوات من التخطيط الاستراتيجي لمواجهة أزمات الطاقة العالمية.
لقد دخل الاقتصاد العالمي في حالة من الاضطراب منذ اندلاع المواجهات في أواخر فبراير الماضي، حيث قفزت أسعار النفط لتلامس حاجز 120 دولاراً للبرميل، متأثرة بضربات استهدفت البنية التحتية للطاقة والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يعد الشريان الأهم لتجارة النفط عالمياً بمرور نحو 20 مليون برميل يومياً، ما يعادل خمس الإمدادات العالمية. وفي ظل هذا النقص، تهرع الدول للبحث عن بدائل خارج منطقة الخليج أو تلجأ لسحب مخزوناتها الاستراتيجية. والصين، باعتبارها ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، تستهلك ما بين 15 إلى 16 مليون برميل يومياً لتشغيل شبكات النقل الضخمة والمصانع، ويأتي جزء كبير من هذه الإمدادات من الخارج، وتحديداً من السعودية وإيران اللتين تمثلان معاً أكثر من 20 % من وارداتها النفطية.
ومع ذلك، تبرز ملامح الاستراتيجية الصينية في تقسيم خريطة الطاقة لديها؛ فبينما يعتمد الجنوب الصيني بشكل أساسي على النفط المستورد من الخليج عبر بحر الصين الجنوبي لتشغيل المصانع والنقل، تعتمد المناطق الشمالية على النفط المنتج محلياً والإمدادات القادمة عبر الأنابيب من روسيا، وهي مسارات لم تتأثر بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط. ورغم العقوبات الغربية، تظل موسكو المورد الأكبر لبكين حيث توفر قرابة خمس احتياجاتها النفطية. وبالإضافة إلى ذلك، يظل الفحم هو المصدر المهيمن لتوليد الكهرباء في الصين، وهي تمتلك وفرة محليه منه لكونها المنتج الأول عالمياً، مما جعل حصة النفط والغاز في مزيج الطاقة الكلي لا تتجاوز الربع تقريباً، وهو ما يمنحها حصانة أكبر مقارنة بأوروبا والولايات المتحدة.
وعلى مدار سنوات، استغلت بكين فترات انخفاض الأسعار لبناء واحد من أكبر احتياطيات النفط في العالم. وفي الشهرين الأولين من هذا العام وحدهما، رفعت مشترياتها من الخام بنسبة 16 % مقارنة بالعام السابق. وتعتبر إيران مورداً رئيسياً للخام الرخيص للصين، حيث تشير التقارير إلى أن بكين تشتري أكثر من 80 % من الصادرات الإيرانية، وتظهر بيانات تتبع السفن أن جزءاً من هذا النفط لا يزال يتدفق للصين رغم الحرب، حيث ترسو ناقلات تحمل أكثر من 46 مليون برميل في بحر الصين الجنوبي. وتتفاوت التقديرات حول حجم المخزون الاستراتيجي الصيني، فبينما تشير تقديرات “ساكسو بنك” إلى وجود نحو 900 مليون برميل تكفي للاستيراد لمدة ثلاثة أشهر، تذهب أرقام أخرى نشرتها وسائل إعلام رسمية صينية إلى أن المخزون قد يصل إلى 1.4 مليار برميل، ما يشكل حاجز حماية قوياً ضد تقلبات السوق.
وبعيداً عن النفط التقليدي، تجني الصين اليوم ثمار رهانها الطويل على الطاقة الخضراء. فقد أصبحت رائدة عالمياً في نشر مزارع الرياح والطاقة الشمسية، حيث ولدت المصادر المتجددة (الرياح، النووية، الشمسية، والكهرومائية) أكثر من ثلث كهرباء البلاد في عام 2025، وتجاوزت القدرة المركبة من المصادر النظيفة نصف إجمالي الطاقة حالياً. هذا التحول الطموح لم يكن مدفوعاً بأهداف بيئية فحسب، بل كان خطوة استراتيجية لحماية الاقتصاد من مخاطر الصراعات الدولية مثل حرب إيران. كما لعبت السيارات الكهربائية، التي تمثل ثلث السيارات الجديدة المباعة في الصين، دوراً حاسماً في فك الارتباط بين تكاليف التنقل وأسعار النفط العالمية، حيث لم يعد مالك السيارة الكهربائية في بكين يشعر بآلام ارتفاع الأسعار في المحطات عند اشتعال الأزمات في الشرق الأوسط.
ورغم هذه القوة، لا يمكن القول إن الاقتصاد الصيني محصن تماماً؛ فقد ترتفع تكاليف شحن السيارات الكهربائية إذا زادت أسعار الوقود العام المشغل للمحطات، وبالفعل سجلت أسعار البنزين والديزل محلياً زيادات ملحوظة في الأسبوع الماضي. كما أن ارتفاع أسعار النفط يضغط على تكاليف الصناعات البتروكيماوية الضخمة التي تنتج البلاستيك والأسمدة. وبصفتها أكبر مستورد للطاقة في العالم، ستضطر الصين لدفع مبالغ إضافية مقابل كل برميل نفط بسبب الحرب.
*المصدر: BBC





