أزمة النخب العربية: عندما تنتصر الإيديولوجيا وتخسر الدولة!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
ليس ما يتعرض له لبنان مجرد تطور عسكري أو أمني أو سياسي يخصّ دولة عربية تواجه تحديات متراكمة، بل لحظة كاشفة أيضاً لأحد أكبر الإخفاقات الفكرية التي طبعت جانباً مهماً من الوعي السياسي العربي خلال العقود الأخيرة. فما يجري اليوم في لبنان يتجاوز حدود العدوان الإسرائيليأو الصراع العسكري أو التوازنات الإقليمية، ويعيد طرح السؤال الذي تهربت منه قطاعات واسعة من النخب العربية طويلاً: ماذا يحدث عندما تتقدم الإيديولوجيا على الدولة، وعندما يصبح التنظيم أقوى من المؤسسة، والشعار أعلى من السيادة؟ فالحالة اللبنانية أهميتها الاستثنائية لا تمثل أزمة دولة فحسب، بل تمثل اختباراً عملياً لنظرية سياسية كاملة سادت المجال العام العربي لعقود، وقامت على افتراض أن القضايا الكبرى يمكن أن تعوّض ضعف الدولة، وأن شرعية المقاومة يمكن أن تتجاوز شرعية المؤسسات، وأن تعدد مراكز القوّة لا يمثّل تهديداً وجودياً للدولة الوطنية. ويمكن القول إن مصر كانت من أوائل الدول التي أدركت مبكراً مخاطر هذا التصور، ولم يكن صدامها مع التنظيمات العابرة للدولة أو الجماعات الساعية إلى منافسة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها تنظيم "الإخوان المسلمين" الإرهابي، مجرد معركة أمنية، بل كان في جوهره دفاعاً عن مفهوم الدولة ذاته؛ فالدولة الوطنية، مهما كانت أزماتها أو نواقصها، تظل الإطار الوحيد القادر على حماية وحدة المجتمع واستمرار المؤسسات وصيانة المصالح القومية، أما البدائل الإيديولوجية والتنظيمية فقد أثبتت التجارب أنها قادرة على التعبئة والحشد، لكنها عاجزة عن بناء الدولة أو ضمان استقرارها. لكنّ قطاعاً واسعاً من النخب العربية اختار مساراً مختلفاً، إذ جرى اختزال المشهد السياسي لعقود في معيار وحيد تقريباً: الموقف من إسرائيل، ثم تحوّل هذا المعيار تدريجياً إلى أداة تمنح الشرعية السياسية والأخلاقية بصورة شبه تلقائية، بصرف النظر عن طبيعة الفاعل أو تأثيره على الدولة والمجتمع.




