يجد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نفسه أمام أزمة تنظيمية وسياسية متصاعدة، في وقت يستعد فيه لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، بعدما تحولت طريقة اختيار وكيلات اللوائح الجهوية للنساء إلى مصدر خلاف حاد بين قيادة الحزب وعدد من القيادات والعضوات.
وتتجاوز القضية مجرد نزاع داخلي حول أسماء المرشحات، بعدما ارتبطت الاعتراضات المطروحة بمسألة الشفافية وتكافؤ الفرص والاستحقاق داخل الحزب، خصوصاً في ظل اتهامات بشأن الدور الذي لعبته المساهمات المالية في ترتيب المرشحات، وهي اتهامات تنفي قيادة الحزب صحتها وتؤكد أن المسطرة تمت وفق القواعد المعتمدة.
وتكشف استقالات وتجميد عضوية وطعون داخلية عن اتساع الهوة بين قيادة الاتحاد الاشتراكي وعدد من الاتحاديات، بما يضع صورة الحزب ومصداقيته أمام اختبار صعب، خصوصاً أن التنظيم الذي يرفع تاريخياً شعارات الديمقراطية والعدالة والمساواة يجد نفسه اليوم مطالباً بتقديم نموذج واضح عن كيفية تطبيق هذه المبادئ داخل مؤسساته.
وكانت عضوة المكتب السياسي منال التقال قد اعترضت على طريقة تطبيق معايير الانتقاء، مطالبة بالكشف عن محاضر لجان البت وشبكات التنقيط وملفات المرشحات، بل واقترحت إحداث لجنة مستقلة للتحقق من سلامة المسطرة. كما طعنت ليلى بوهو في نتائج لجنة جهة الدار البيضاء-سطات، مطالبة بفتح بحث تنظيمي حول كيفية احتساب الأصوات ومدى احترام قواعد المنافسة وتكافؤ الفرص.
أما مريم جمال الإدريسي، فاختارت الاستقالة من الحزب، معللة قرارها بما اعتبرته تضييقاً على الرأي والنقد وتراجعاً في مكانة الكفاءة والاستحقاق أمام اعتبارات أخرى.
هذه التطورات تضع قيادة إدريس لشكر أمام مأزق سياسي حقيقي، لأن القضية لم تعد مرتبطة فقط بمن حصلت على التزكية ومن لم تحصل عليها، وإنما بصورة الحزب أمام أعضائه والناخبين.
فالحديث عن المساهمات المالية كعامل محتمل في المنافسة على الترشيحات، حتى وإن كان مجرد اتهام يحتاج إلى الإثبات، يضرب مباشرة في صميم مبدأ تكافؤ الفرص، ويمنح خصوم الحزب مادة سياسية ثقيلة قبل الاستحقاق الانتخابي.
وفي المقابل، تؤكد قيادة الاتحاد الاشتراكي أن مسطرة الترشيح تم الإعلان عنها مسبقاً، وأن المكتب السياسي صادق بالإجماع على أشغال وقرارات لجان البت، ورفض الاتهامات التي اعتبرها خروقات تنظيمية وادعاءات تمس بمصداقية مؤسسات الحزب.
لكن الاكتفاء بالنفي لا يبدو كافياً لاحتواء الأزمة. فالطريقة الأكثر فعالية لاستعادة الثقة ليست البيانات والتهديد بالمتابعة، وإنما نشر الوثائق ومحاضر الاجتماعات وشبكات التنقيط وتوضيح المعايير التي اعتمدت في ترتيب المرشحات.
فالشفافية لا تُثبت بالشعارات، وإنما بالوثائق القابلة للتحقق.
وتزداد حساسية الوضع بالنسبة للاتحاد الاشتراكي باعتباره حزباً ارتبط تاريخياً بخطاب ديمقراطي وبالدفاع عن المؤسسات والعدالة الاجتماعية والمساواة. ولذلك فإن أي إحساس لدى المناضلين بأن الاستحقاق الداخلي يمكن أن يتأثر بالمال أو العلاقات أو موازين النفوذ ستكون كلفته أكبر من مجرد خلاف تنظيمي عابر.
كما أن خروج قيادات وعضوات من الحزب أو تجميد عضوية أخريات بسبب اعتراضات مرتبطة بالترشيحات يبعث برسالة سلبية إلى الرأي العام، ويغذي الاعتقاد بأن الأحزاب نفسها تعاني من أزمة ديمقراطية داخلية، في وقت تطالب فيه المواطنين بالمشاركة السياسية والثقة في المؤسسات.
إن الأزمة الحالية أمام الاتحاد الاشتراكي ليست أزمة أسماء فقط، بل أزمة ثقة ومصداقية. واستمرارها من دون معالجة شفافة قد يحول الخلاف حول الترشيحات إلى أزمة انتخابية أوسع، خصوصاً إذا ظل الحزب عاجزاً عن إقناع قواعده والرأي العام بأن الاستحقاق الداخلي جرى على أساس الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص.
وفي نهاية المطاف، فإن أقوى اختبار لأي حزب يدعي الدفاع عن الديمقراطية ليس ما يقوله في الحملات الانتخابية، وإنما الطريقة التي يمارس بها الديمقراطية داخل بيته.
وبالنسبة للاتحاد الاشتراكي، فإن استعادة الثقة لن تمر عبر إسكات الأصوات المنتقدة أو تحويل الخلاف الداخلي إلى مواجهة قانونية، بل عبر كشف الحقيقة كاملة، واحترام حق النقد، وضمان تكافؤ الفرص، وإثبات أن الترشيح للاستحقاقات الانتخابية يقوم على الاستحقاق لا على النفوذ أو المال أو الولاءات.




