🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
398553 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 3889 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

إيلاف: خمسة وعشرون عامًا من الأثر

العالم
إيلاف
2026/05/20 - 20:45 502 مشاهدة
حين يُستعاد الحديث عن خمسة وعشرين عامًا من عمر صحيفة إيلاف، فإن المسألة لا تُقرأ بوصفها محطة احتفالية عابرة تُرفع فيها عبارات التهنئة التقليدية التي كثيرًا ما تفقد قيمتها من كثرة التكرار، وإنما تُقرأ بوصفها فرصة حقيقية لإعادة النظر في تجربة صحافية عربية اختارت منذ بدايتها أن تدخل منطقة لم يكن كثيرون يثقون بها، وأن تراهن على مستقبل لم يكن واضح الملامح في زمن كانت فيه الصحافة الورقية تمثل السلطة الرمزية الأعلى، وكان كثير من المهنيين يرون أن الجريدة التي لا تُمسك باليد ولا تُقلب صفحاتها صباحًا لا تستطيع أن تُنتج أثرًا طويل المدى، غير أن إيلاف خرجت من هذا التصور التقليدي مبكرًا، ولم تتعامل مع الصحافة الرقمية بوصفها بديلًا اضطراريًا أو ممرًا جانبيًا، وإنما بوصفها مشروعًا أصيلًا يحمل رؤيته الخاصة، ويؤسس لعلاقة جديدة بين الخبر والقارئ، وبين الكاتب والمنبر، وبين الكلمة وزمنها الذي لم يعد يحتمل التأجيل. لقد جاءت تجربة إيلاف في لحظة عربية كانت فيها المؤسسات الصحافية تتحرك داخل أنماط شديدة المحافظة من حيث الشكل والمضمون، وكانت مساحة الرأي تُقاس غالبًا بمقدار ما تسمح به المؤسسة لا بمقدار ما يحتاجه المجتمع من أسئلة؛ ولذلك فإن ظهور منبر إلكتروني عربي ينطلق من لندن ويحمل هذا القدر من الانفتاح لم يكن مجرد تطور تقني في وسيلة النشر، وإنما كان إعلانًا مبكرًا عن تحوّل عميق في فهم وظيفة الصحافة نفسها؛ لأن الصحافة الحقيقية لا تُعرّفها المطابع ولا عدد النسخ المطبوعة ولا شكل المنصات التي تُعرض فيها، وإنما تُعرّفها قدرتها على أن تكون جزءًا من صناعة الوعي، وأن تمنح القارئ حقه في أن يرى المشهد من أكثر من زاوية، وأن تمنح الكاتب مساحة لا يُطلب منه فيها أن يُخفف صوته حتى يمر النص بسلام. والذي تابع مسيرة إيلاف على امتداد هذه المسيرة الطويلة يدرك أن حضورها لم يكن قائمًا على فكرة السبق الخبري وحدها؛ لأن السبق في عالم الإعلام الرقمي يمكن أن يتحول إلى عادة يومية لا تحمل قيمة حقيقية إذا غاب عنها العمق، وإنما كان حضورها مرتبطًا بقدرتها على أن تجعل الخبر مدخلًا للتفكير لا محطة أخيرة عند حدود الحدث، وأن تحول المقالة من مجرد تعليق سريع على حدث عابر إلى مساحة تفكير تحاول أن تضع الوقائع داخل سياقها الأوسع، وأن تُبقي للقارئ حقه في الفهم وعدم الاكتفاء بالتلقي، ولهذا اكتسبت صفحات الرأي فيها خصوصيتها؛ لأن المقالة لم تكن ملحقًا ثقافيًا هامشيًا يُضاف لإكمال الصورة، وإنما كانت جزءًا أصيلًا من هوية الجريدة، وسببًا مباشرًا في تعلق كثير من الكتّاب بها؛ لأن الكاتب حين يجد منبرًا يحترم النص لا يبحث عن منبر آخر يمنحه مجرد مساحة للنشر. لقد غيّرت الصحافة الرقمية وجه المشهد العربي بصورة لا يمكن تجاهلها؛ لأنها أسقطت كثيرًا من الاحتكارات القديمة، وأعادت توزيع مساحة الحضور بين مراكز التأثير والأصوات التي كانت تقف طويلًا خارج المشهد، وسمحت لأصوات كثيرة كانت تقف طويلًا خارج الأبواب المغلقة أن تجد طريقها إلى القارئ مباشرة، غير أن هذا الاتساع الكبير لم يكن خاليًا من الإرباك، إذ أصبح من السهل جدًا أن تختلط الحرية بالفوضى، وأن يتحول الانفعال إلى بديل عن الرأي، وأن تُقاس قيمة الكاتب بسرعة حضوره لا بجودة ما يكتب، وأن يصبح الصخب معيارًا زائفًا للتأثير؛ ولذلك فإن التجارب التي حافظت على التوازن بين الانفتاح والانضباط تستحق أن تُقرأ بعناية أكبر؛ لأنها أدركت أن حرية الكلمة لا تعني إلغاء مسؤوليتها، وأن الرأي ليس تمرينًا عابرًا على الكتابة، وإنما موقف معرفي وأخلاقي يحتاج إلى وعي بما يُكتب وبما يترتب عليه. إن علاقة الكاتب بالمنبر الصحافي ليست علاقة تقنية تُختصر في إرسال النص وانتظار موعد النشر، وإنما هي علاقة أعمق بكثير؛ لأنها تمس إحساس الكاتب نفسه بقيمة ما يكتب، وبالجهة التي تمنح هذا النص شرعيته المعنوية أمام القارئ، فالكاتب لا يبحث عن صحيفة تفتح له مساحة فارغة فقط، وإنما يبحث عن مكان يشعر فيه أن الفكرة تُستقبل باحترام، وأن المقالة لا تُعامل بوصفها مادة قابلة للاستهلاك السريع، وأن الجهد الفكري الذي بُذل في صياغة النص يجد من يقدّره، ولهذا تتحول بعض المنابر مع مرور الزمن إلى جزء من السيرة الفكرية للكاتب؛ لأنها الأكثر قدرة على حفظ العلاقة النبيلة بين الكلمة وصاحبها، وحين تصل العلاقة إلى هذا المستوى تصبح الصحيفة شريكًا غير معلن في بناء المشروع الثقافي للكاتب، كما يصبح الكاتب جزءًا أصيلًا من ذاكرة المؤسسة وحضورها الثقافي الممتد. خمسة وعشرون عامًا في عمر الصحافة العربية ليست رقمًا بسيطًا يمكن المرور عليه بخفة؛ لأن هذه السنوات نفسها حملت انقلابات سياسية كبرى، وتحولات اجتماعية متسارعة، وثورات تقنية أعادت تعريف معنى الإعلام من أساسه، وسقطت خلالها أسماء صحافية كبيرة كانت تبدو راسخة، وظهرت أسماء أخرى لم يكن أحد يتوقع لها هذا الامتداد، ولذلك فإن استمرار إيلاف لا يُقرأ بوصفه مجرد نجاح إداري أو قدرة على البقاء المؤسسي، وإنما بوصفه قدرة على التكيّف دون التفريط في الجوهر، وعلى مواكبة التحولات دون الذوبان فيها، وعلى الحفاظ على هوية واضحة في زمن أصبح كثير من المؤسسات يبدل ملامحه كلما تغيرت موجة الاهتمام العام؛ لأن البقاء الحقيقي لا يتحقق بمجرد الاستمرار الزمني، وإنما يتحقق حين تظل المؤسسة قادرة على الإضافة، وحين يبقى حضورها معنويًا لا شكليًا. في زمن أصبحت فيه الكتابة السريعة أكثر رواجًا من الكتابة العميقة، وأصبح الظهور الشخصي أحيانًا يتقدم على قيمة الفكرة نفسها، وأصبحت بعض المنصات تُكافئ الصخب أكثر مما تُكافئ المعنى، تبدو الحاجة أشد إلى المنابر التي تذكّر الناس بأن المقالة ليست حشوًا لغويًا يُملأ به الفراغ بين الأخبار، وإنما فعل ثقافي حقيقي يشارك في تشكيل الوعي العام، وأن الكلمة ليست زينة تُقال في المناسبات ثم تُنسى، وإنما مسؤولية تبقى آثارها أطول من صاحبها، ولهذا فإن الاحتفاء الحقيقي بمرور خمسة وعشرين عامًا على إيلاف لا يكون عبر عبارات المجاملة وحدها، وإنما عبر الاعتراف بأن بعض التجارب الصحافية استطاعت أن تحافظ على معنى الكتابة نفسها في زمن الاستهلاك السريع، وأن تُثبت أن الصحافة الرقمية ليست مجرد سباق تقني على سرعة النشر، وإنما مشروع معرفي قادر على صناعة أثر طويل المدى. ولهذا تبدو إيلاف أكثر من صحيفة عبرت المشهد ثم مضت؛ لأنها تجربة حملت منذ بدايتها إيمانًا واضحًا بأن احترام عقل القارئ ليس ترفًا مهنيًا بل شرطًا من شروط البقاء، وأن الكاتب حين يجد منبرًا يمنحه مساحة حقيقية لا يحتاج إلى أن يرفع صوته خارج النص، وأن المؤسسة التي تُبنى على فكرة واضحة لا على مناسبة عابرة تستطيع أن تجعل الزمن شاهدًا لها لا شاهدًا عليها، ولهذا فإن اليوبيل الفضي لا يبدو مجرد احتفال بعمر مضى، وإنما شهادة على أن الكلمة الجيدة مهما تغيّرت الوسائط وتبدّلت الأزمنة، تظل تملك قدرة نادرة على النجاة والبقاء والتأثير.
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤