بين الطرفين، ثمة "الإصلاحيون الأذريون"، الذين يدعون إلى تعزيز مكانة ودور الأذر ضمن الدولة الإيرانية من خلال دستور ومؤسسات الدولة الإيرانية، عبر مزيد من الاهتمام باللغة والثقافة الأذريتين، وسن أنواع من القوانين التي تُسبغ الشرعية على أشكال من الحكم اللامركزي وتحفظ خصوصية المؤسسات وهوية الفضاء العام في المناطق الأذرية. يحمل المؤمنون بهذا التوجه انتقادات واسعة للاندماجيين والانفصاليين في الآن عينه، متهمين إياهم إما بالانجرار لمصالحهم الخاصة، أو عدم الارتكان لقراءة سياسية واقعية لفهم أوضاع ومستويات تداخل الأذريين مع الدولة والمجتمع في إيران. وغالبا ما ينتمي هؤلاء إلى خلفيات ثقافية وأكاديمية وفنية، ويؤثرون بكثافة على الشُبان والطلبة وأبناء المُدن.
ارتباك سياسي
يُشير الباحثون المختصون بالشأن الإيراني إلى اختلاف جذري بين مطالب التنظيمات السياسية الأذرية في إيران، وبين نظرائها من أبناء القوميات الإيرانية من غير الفرس، كالكرد والعرب والبلوش. فالآخرون وإن كان النظام السياسي يجهد بحزم من سنوات كثيرة على قمع حركاتهم السياسية ذات التوجهات القومية، التي ترفع مطالب على أساس الجغرافيا والمطالبة بتقاسم السيادة السياسية والرمزية مع نظرائهم الفرس، إلا أنها أحزاب كثيفة الحضور والتأثير والفاعلية في الأوساط الشعبية لمجتمعاتهم، ولم تتمكن المؤسسات الدينية وطبقات رجال الأعمال وزعماء العشائر من مزاحمة دور هذه التنظيمات السياسية في مجتمعات هذه الأقليات القومية. وهو شرط غير متوفر في الحيز الأذري.
فبعد الحرب التي وقعت في صيف عام 2025، وبروز توجهات تؤكد أن الحرب سوف تتكرر في الأفق القريب، تمكن 11 تنظيماً سياسياً أذرياً إيرانياً من تشكيل "مجلس التعاون لمنظمات وأحزاب جنوب أذربيجان". وجهوا فيه بياناً عالي اللهجة إلى النظام الإيراني جاء فيه: "لم يعد خافياً على أحد أن الشعب الأذربيجاني، أكبر مجموعة قومية في إيران، يواجه قمعاً وظلماً شديدين منذ سنوات طويلة. لقد أنفق النظام الثيوقراطي موارد البلاد على مغامرات أيديولوجية لا قيمة لها سوى حماية وجوده، واحتجز أرواح وممتلكات الشعب كرهائن... في مثل هذه الظروف، لا يملك الشعب الأذري خياراً سوى تنظيم دفاعه عن نفسه، ونحن على ثقة بأن الدول والشعوب المجاورة التي تدعم السلام والاستقرار، فضلاً عن القوى التقدمية في العالم، ستكون معنا في هذا المسار".
وقّع على البيان تنظيمات سياسية وقطاعية مثل "الحزب الديمقراطي الأذربيجاني"، و"الحزب المركزي لأذربيجان"، و"منظمة المقاومة الوطنية الأذربيجانية"، و"حركة الطلاب الأذربيجانية"، و"الحزب الجمهوري لجنوب أذربيجان"، و"حزب استقلال أذربيجان الجنوبية"، لكن الموقعين لم يُشيروا أو يحددوا الخطوات السياسية المستقبلية التي سيقومون بها.
المظاهرات الواسعة التي شهدتها المناطق الأذرية خلال شهري ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، في مُدن تبريز وأرومية وأردبيل، وصلت حد الاشتباك بين المتظاهرين ورجال الأمن، وخضوع "تجار البازار" لدعوات القوى السياسية الموقعة على البيان، لأول مرة في تاريخهم الحديث، دل على تحولٍ جذري في البنية السياسية الأذرية.
تراكب بين الداخلي والإقليمي
في حديث مطول مع "المجلة" يشرح الناشط الإيراني الأذري عباس بدر وارثي التموضع السياسي للأذريين في إيران، رابطاً إياه بمجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية ذات البعد التاريخي، والتي تميزهم عن نظرائهم الأكراد والعرب والبلوش، متوقعاً أن يؤدي أي صِدام واسع بين الأذريين والفرس إلى تفكك عُرى الدولة الإيرانية نفسها، منبهاً إلى استحالة استمرار هذا النمط من تغليف المسألة الأذرية بالخطابات الوطنية والطائفية.











