ثلاث دول تجلس حول طاولة واحدة في مكة: السعودية وتركيا وباكستان، والذين يقرأون المشهد باعتباره مجرد اتفاق تعاون أو ترتيبات دفاعية، ربما ينظرون إلى الصورة ولا يرون ما وراءها، لأن السؤال ليس: ماذا وقّعت الدول الثلاث؟
السؤال الأخطر هو:
لماذا الآن؟ ولماذا هذه الدول تحديدًا؟ ومن الذي ينبغي أن يقلق من هذه الشراكة؟
نحن أمام السعودية، بثقلها المالي والنفطي وموقعها في قلب الخليج، وتركيا، بقوتها العسكرية وموقعها الجغرافي وعضويتها في حلف الناتو، وباكستان، الدولة النووية ذات الجيش القوي.
ثلاث دول... ثلاثة أقاليم استراتيجية، وثقل عسكري واقتصادي وسياسي يمكن أن يصنع - إذا تحولت الاتفاقية إلى التزام دفاعي حقيقي - معادلة جديدة في الشرق الأوسط وما حوله.
لكن المفارقة أن منطقتنا تعاني من مرض مزمن اسمه الغموض الرسمي.
يُقال لنا: «أمن ودفاع وتعاون استراتيجي».
جميل.
لكن أين النص؟
ماذا يعني «الدفاع المشترك»؟
ومن هو العدو؟
ومتى تصبح الدولة المعتدى عليها مستحقة لتدخل الآخرين؟
ومن يقرر الحرب؟
ومن يقرر عدم الدخول فيها؟
وهل هناك التزام عسكري تلقائي، أم مجرد تشاور سياسي؟
هذه ليست أسئلة صحفية للتسلية. هذه أسئلة قد تتعلق بمصير شعوب كاملة.
إذا كانت مكة بداية تحالف.. فقولوا للناس الحقيقة
لا مشكلة في أن تتحالف الدول... ولا مشكلة في أن تبحث الدول عن أمنها... ولا مشكلة في أن تبني السعودية علاقات دفاعية مع تركيا وباكستان، لكن المشكلة تبدأ عندما تُصنع ترتيبات استراتيجية في الغرف المغلقة، ثم يُطلب من الشعوب أن تكتفي بالتصفيق للصور الرسمية.
الأمن القومي ليس ملكًا للحكومات وحدها.
عندما تكون الاتفاقيات قادرة على ترتيب التزامات عسكرية وسياسية طويلة الأمد، فمن حق الرأي العام أن يعرف حدودها وآثارها، وإذا كانت الاتفاقية لا تتضمن شيئًا حساسًا، فلماذا لا تُكشف؟ وإذا كانت تتضمن التزامات خطيرة، فهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
من أعطى هذه الحكومات شيكًا مفتوحًا في قضايا الحرب والسلام؟
أين العرب من كل هذا؟
هنا نصل إلى الجرح الحقيقي، كيف وصلت المنطقة إلى مرحلة تحتاج فيها دول عربية كبرى إلى بناء مظلات أمنية مع قوى غير عربية؟ أين منظومة الدفاع العربي المشترك؟ أين الأمن القومي العربي؟ أين القوة العربية التي تستطيع حماية الخليج والبحر الأحمر والحدود العربية والممرات البحرية؟
لقد أنفق العرب مليارات الدولارات على شراء السلاح.
- طائرات.
- صواريخ.
- دبابات.
- منظومات دفاع جوي.
- أقمار صناعية.
لكن عندما يأتي السؤال الكبير:
هل يستطيع العرب حماية أنفسهم بأنفسهم؟
تبدأ الإجابات بالاختباء خلف المعاهدات والقواعد الأجنبية والأساطيل الأجنبية،
وهذه هي المأساة.
أمة تملك المال والسلاح والموقع، لكنها لا تملك حتى الآن منظومة أمن جماعي مستقلة.
السعودية لا تتحرك من فراغ
من الخطأ قراءة الخطوة السعودية باعتبارها مجرد تعاون عسكري؛ فالرياض خلال السنوات الأخيرة أعادت صياغة سياستها الخارجية على قاعدة واضحة وهي (تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد)، وهذا يعني أن واشنطن لم تعد بالضرورة اللاعب الوحيد في حسابات الأمن السعودي، فتركيا موجودة، وباكستان موجودة، والصين موجودة اقتصاديًا واستراتيجيًا، وروسيا موجودة في ملفات أخرى.
والسعودية تحاول أن تقول للجميع: مصالحنا ليست حكرًا على أحد.
وهذا منطق مفهوم سياسيًا،،، لكن السؤال الذي يجب طرحه هو:
هل نحن أمام استقلال استراتيجي حقيقي، أم مجرد توزيع للأدوار داخل منظومة النفوذ الدولية؟
فالاستقلال لا يعني تغيير الحليف... الاستقلال يعني أن تمتلك قرارك.
تركيا تدخل من الباب الكبير
إن وجود تركيا في هذه المعادلة ليس تفصيلًا؛ فتركيا ليست مجرد دولة مسلمة كبيرة، وكنها قوة عسكرية إقليمية، وعضو في الناتو، ولها حضور في البحر الأسود والبحر المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز، ودخولها في ترتيبات دفاعية مع السعودية وباكستان يمكن أن يمنح الاتفاقية وزنًا يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.
لكن تركيا نفسها ليست دولة بلا حسابات؛ فهي لها علاقتها بالولايات المتحدة، ولها علاقتها بروسيا، ولها ملفاتها مع إيران، ولها طموحاتها الإقليمية.
ولذلك فإن السؤال:
هل ستبني تركيا تحالفًا دفاعيًا مستقلًا، أم ستظل عضويتها في الناتو عاملًا يفرض حدودًا معينة على هذا التحالف؟
إن هذه بالتأكيد ليست نقطة هامشية، إنها ربما واحدة من أهم نقاط الضعف المحتملة في المشروع كله.
جاءت باكستان... وهنا يتغير الحساب
عندما تدخل دولة نووية مثل باكستان في أي ترتيبات دفاعية إقليمية، فإن وزن المعادلة يتغير، فالقضية لم تعد مجرد طائرات تركية وأموال سعودية، بل هناك قوة عسكرية كبرى، وقدرات استراتيجية، وعلاقة عميقة مع الصين، وصراع تاريخي مع الهند.
وهنا تظهر مشكلة أخرى:
هل تستطيع الاتفاقية أن تبقى اتفاقية خليجية – إسلامية، أم ستدخل إليها تلقائيًا حسابات جنوب آسيا؟
فباكستان لديها خصم تاريخي هو الهند، والهند ليست طرفًا صغيرًا في النظام الدولي.
لذلك يجب أن نعرف: هل الاتفاقية محدودة بالأمن السعودي – التركي – الباكستاني، أم يمكن أن تتسع آثارها لتشمل صراعات خارج نطاق الدول الثلاث؟
إيران لن تجلس متفرجة
من السذاجة الاعتقاد أن طهران ستقرأ المشهد كخبر دبلوماسي عابر، فالسعودية على الضفة الأخرى من الخليج، وتركيا على حدود إيران، وباكستان إلى الشرق.
إذا تحولت الاتفاقية إلى تحالف عسكري حقيقي، فإن إيران ستجد نفسها أمام واقع أمني جديد.
لكن هنا يجب أن نقول شيئًا بوضوح:
إيران ليست مبررًا كافيًا لبناء كل شيء.
إذا بُني التحالف فقط على قاعدة «مواجهة إيران»، فسوف يتحول عاجلًا أو آجلًا إلى جزء من حرب المحاور، وإذا كان الهدف «ردع إيران» فقط، فإن إيران سترد ببناء ترتيبات مضادة.
ثم يأتي طرف آخر.
ثم محور آخر.
ثم قواعد أخرى.
ثم صفقات سلاح أخرى.
وفي النهاية يصبح الشرق الأوسط سوقًا عملاقة للسلاح ومقبرة عملاقة للاستقرار.
إسرائيل ستراقب بصمت
أما إسرائيل، فلن تحتاج إلى تصريح طويل كي تفهم معنى دخول السعودية وتركيا وباكستان في ترتيبات دفاعية؛ لأن إسرائيل تعرف جيدًا أن أي تغير في موازين القوة الإقليمية ينعكس على حساباتها.
لكن السؤال الذي يجب طرحه:
هل الاتفاقية ستتحول إلى قوة ردع مستقلة، أم ستبقى مرتبطة بالمظلة الأمريكية التي يفترض أنها جاءت لتجاوزها؟
فلا معنى لتحالف جديد إذا كانت نهايته أن يقول: «نحن نملك تحالفًا، لكننا نحتاج موافقة واشنطن كي نستخدمه».
عندها لا يكون استقلالًا، بل (وكالة أمنية بأسماء جديدة).
أخطر ما في الاتفاقية ليس ما نعرفه.. بل ما لا نعرفه
وهنا أصل الحكاية؛ فنحن لا نحتاج إلى الاحتفال بالاتفاقية، نحتاج إلى قراءتها، نحتاج إلى معرفة بنودها، نحتاج إلى معرفة الالتزامات، نحتاج إلى معرفة آلية اتخاذ القرار، نحتاج إلى معرفة حدود التعاون العسكري، نحتاج إلى معرفة ما إذا كانت هناك قوات مشتركة، نحتاج إلى معرفة ما إذا كان الهجوم على دولة يعني تلقائيًا دخول الدولتين الأخريين في الحرب، ونحتاج قبل كل ذلك إلى معرفة: (هل هناك بنود سرية؟)،
لأن أخطر الاتفاقيات ليست دائمًا تلك التي نقرأها... بل أخطرها أحيانًا تلك التي لا نراها.
لا تصنعوا لنا «ناتو إسلاميًا» من دون أن تسألوا الشعوب
إذا كانت «اتفاقية مكة» مجرد إطار للتعاون والتنسيق والتدريب والدفاع المشترك، فلتُكشف تفاصيلها وليحكم الناس عليها، أما إذا كانت نواة لتحالف عسكري ملزم، فإن المسألة مختلفة جذريًا؛ لأن إنشاء تحالفات عسكرية يعني إعادة رسم موازين القوى، ويعني التزامات، ويعني احتمالات حرب، ويعني أن قرارًا يُتخذ في عاصمة واحدة قد يضع عواصم أخرى أمام اختبار لم تختره شعوبها.
وهنا يجب أن تتقدم (المؤسسات التشريعية والرقابية)، لا أن تبقى مجرد متفرج على البيانات الرسمية.
الخطر ليس في التحالف.. الخطر في غياب الرؤية
إذا كانت السعودية وتركيا وباكستان تريد بناء قوة ردع تمنع الحرب، فهذا أمر يمكن فهمه، أما إذا كانت تريد بناء محور عسكري جديد في مواجهة محور آخر، فنحن أمام لعبة خطيرة جدًا؛ فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من المحاور ولكن المنطقة تحتاج إلى (نظام أمن إقليمي جديد)... نظام يمنع العدوان، ويحترم السيادة، يحمي الممرات البحرية، ويمنع استخدام أراضي الدول لشن الهجمات، ويفتح باب الحوار بدل أن يجعل الحرب الخيار الأول.
أما تحويل المنطقة إلى مربعات: هذا مع إيران، وهذا مع تركيا، وهذا مع أمريكا، وهذا مع إسرائيل، وهذا مع روسيا، وهذا مع الصين... فهذا ليس أمنًا، بل هذا تقسيم جديد للمنطقة على رقعة شطرنج دولية.
أخيرًا... لا تجعلوا مكة عنوانًا لمحور جديد
إن مكة ليست مجرد مدينة لاستضافة المؤتمرات، وعندما يحمل اتفاق استراتيجي اسم مكة، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تصبح أكبر.
نحن نريد اتفاقًا يحمي المنطقة، لا اتفاقًا يقسمها.
نريد ردعًا يمنع الحرب، لا تحالفًا ينتظر الحرب.
نريد استقلال القرار، لا استبدال وصاية بوصاية.
ونريد أن يعرف المواطن العربي ماذا يُطبخ باسمه، وما الالتزامات التي تُعقد باسمه، وما المخاطر التي قد يتحملها مستقبله.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا أمام الرياض وأنقرة وإسلام آباد ليس:
هل أنشأتم تحالفًا قويًا؟
بل:
هل أنشأتم قوة تمنع الحرب... أم أنكم بدأتم بناء محور جديد استعدادًا لحرب قادمة؟
إن المنطقة مشتعلة أصلًا، ولا ينقصها حلف جديد يضيف إلى النار وقودًا.
إن «اتفاقية مكة» إما أن تكون بداية لنظام أمني إقليمي جديد يحمي شعوب المنطقة، وإما أن تكون مجرد حجر أول في جدار محور جديد... وعندها لن يكون السؤال: من انتصر؟
بل يكون السؤال: كم دولة ستدفع ثمن هذه اللعبة؟