زياد فرحان المجالي – JO24
لا تبدو القراءة التي تختزل اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان في كونه حلفًا موجهًا ضد إيران كافية لفهم أبعاده الحقيقية. فالاتفاق، وفق طبيعته المعلنة، دفاعي وليس هجوميًا؛ وجوهره يقوم على حماية الدول الأعضاء إذا تعرضت لاعتداء، لا على منح أي منها تفويضًا بشن حرب على دولة أخرى.
ومن هذه الزاوية، لا يفترض أن تنظر إيران إليه بوصفه تهديدًا مباشرًا، خصوصًا أنها تؤكد أنها لا تستهدف أمن الدول المجاورة ولا تسعى للاعتداء عليها.
كما أن تركيا وباكستان، وهما ركنان أساسيان في الاتفاق، ترتبطان مع إيران بعلاقات ومصالح أمنية واقتصادية وحدود جغرافية تجعل الحفاظ على الاستقرار معها مصلحة استراتيجية، لا مجرد خيار دبلوماسي.
لكن ذلك لا يعني أن طهران ستتعامل مع الاتفاق بلا حسابات.
ففي العلاقات الدولية ما يعرف بـ«المعضلة الأمنية»، حيث يمكن للخطوات التي يتخذها طرف لتعزيز دفاعه أن تثير مخاوف الطرف المقابل، حتى عندما لا تحمل نيات هجومية. ولذلك ستراقب إيران بالتأكيد تطور الاتفاق، ومدى انتقاله مستقبلًا من إطار دفاعي إلى بنية أمنية وعسكرية أكثر اتساعًا.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر أهمية: من سيكون أكثر تأثرًا إذا نجح اتفاق مكة وتحول إلى منظومة فاعلة؟
وهنا تدخل إسرائيل إلى قلب المعادلة.
فالدول الثلاث لا تمتلك عدوًا تقليديًا واحدًا. باكستان تنظر أساسًا إلى الهند باعتبارها التحدي الاستراتيجي الأكبر، وتركيا لديها حساباتها المعقدة في شرق المتوسط وقبرص واليونان وسوريا والعراق، فيما تعاملت السعودية طويلًا مع إيران وأذرعها الإقليمية باعتبارها أحد أبرز مصادر التهديد لأمن الخليج.
لكن السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ السابع من أكتوبر 2023، أضافت عنصرًا جديدًا إلى الحسابات الإقليمية: حدود القوة الإسرائيلية ومدى قدرة دول المنطقة على منع تحول تفوق إسرائيل العسكري إلى قدرة على فرض قواعد الأمن الإقليمي بصورة منفردة.
ولا يعني ذلك أن السعودية وتركيا وباكستان تتشكل في محور عسكري ضد إسرائيل؛ فمصالح الدول الثلاث وعلاقاتها الدولية ومواقفها من إسرائيل ليست متطابقة.
لكن نجاحها في إقامة منظومة ردع مستقلة سيؤدي موضوعيًا إلى تقليص حالة الاختلال في ميزان القوى التي استفادت منها إسرائيل طويلًا.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية اتفاق مكة.
ستة أبعاد استراتيجية
أولًا: استعادة مفهوم الحلف الدفاعي.
تعاملت عواصم خليجية لعقود مع الولايات المتحدة بوصفها الشريك الأمني الأهم، واعتقد كثيرون أن هذا الارتباط يوفر مظلة دفاعية شبه تلقائية.
لكن أزمات متتالية كشفت الفارق بين التحالف الاستراتيجي والحلف الدفاعي الملزم.
فالتحالف يوفر التسليح والتدريب والتنسيق والمصالح المشتركة، لكنه لا يعني بالضرورة أن تتحول كل ضربة تتعرض لها دولة حليفة إلى حرب يخوضها الطرف الآخر دفاعًا عنها.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى اتفاق مكة بوصفه محاولة لبناء جزء من الأمن الإقليمي من الداخل، لا بديلاً كاملًا عن الولايات المتحدة أو الغرب.
ثانيًا: الاتفاق نتيجة تراكمات أوسع من العامل الإيراني.
ليس دقيقًا اختزال الاتفاق باعتباره ردًا مباشرًا على الحرب مع إيران.
فالدافع أعمق من ذلك، وقد تراكم خلال سنوات، ثم أصبح أكثر وضوحًا بعد السابع من أكتوبر وما أعقبه من توسع الصراعات الإقليمية.
لقد اكتشفت دول المنطقة أن مصادر التهديد متعددة، وأن التحولات يمكن أن تقع بسرعة أكبر من قدرة الضمانات الخارجية على الاستجابة.
ولذلك يحضر العامل الإيراني في خلفية الاتفاق، مثلما تحضر الحرب في غزة والعمليات الإسرائيلية واتساع نطاق عدم الاستقرار الإقليمي.
ثالثًا: نظام دولي متعدد المراكز.
لا يعني التقارب بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد أن العالم «يترك الغرب ويتجه إلى الشرق» بالمعنى الحرفي، لكنه يعكس ظاهرة أكثر دقة: النظام الدولي يتحول تدريجيًا نحو تعدد مراكز القوة والشراكات.
السعودية توسع علاقاتها مع الصين وآسيا من دون التخلي عن شراكاتها الغربية، وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي لكنها تسعى إلى مساحة أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، فيما تمثل الصين شريكًا محوريًا لباكستان.
هذا التنوع يمنح الدول الثلاث مساحة أوسع للمناورة ويقلل الاعتماد على مركز دولي واحد.
رابعًا: اختبار الردع المشترك.
هذه ربما أصعب نقاط الاتفاق.
فاحتياجات الردع ليست متطابقة: باكستان تحتاج إلى موازنة الهند، وتركيا تنظر إلى بيئة أمنية مختلفة، والسعودية تركز على أمن الخليج والبحر الأحمر والتهديدات الصاروخية والطائرات غير المأهولة.
لذلك لن يقاس نجاح الاتفاق بعبارات التضامن وحدها، وإنما بقدرته على بناء أدوات مشتركة: دفاع جوي وصاروخي، إنذار مبكر، تبادل معلومات، تدريبات، وتنسيق في الصناعات العسكرية.
عندها فقط ينتقل من إعلان سياسي إلى قوة ردع فعلية.
خامسًا: قوة مركبة تتكامل فيها عناصر مختلفة.
القيمة الاستراتيجية للدول الثلاث لا تكمن في الأعداد فقط، وإنما في نوعية القدرات.
السعودية تمتلك قوة مالية واستثمارية كبيرة وموقعًا محوريًا في أسواق الطاقة العالمية.
تركيا تمتلك قاعدة صناعات دفاعية متقدمة، وقدرات تكنولوجية وعسكرية وخبرة عملياتية.
أما باكستان فتمتلك جيشًا كبيرًا وخبرة استراتيجية وقدرة نووية، وإن كان وجود هذه القدرة لا يعني تلقائيًا انتقال مظلة نووية إلى بقية أعضاء الاتفاق.
إذا جرى توظيف هذه العناصر ضمن مشاريع مؤسسية مشتركة، فإننا سنكون أمام كتلة تجمع رأس المال والتكنولوجيا والقوة العسكرية والعمق الاستراتيجي.
سادسًا: إعادة بناء ميزان القوى الإقليمي.
وهذا هو البعد الأهم.
عانى الشرق الأوسط لأكثر من عقدين من اختلال واضح في موازين القوة: تفوق عسكري إسرائيلي كبير، حضور أميركي واسع، تمدد إيراني عبر شبكات حلفاء، وفي المقابل غياب إطار أمني متماسك يجمع عددًا من القوى العربية والإسلامية الكبرى.
هذا الاختلال لم ينتج سلامًا مستدامًا، بل ساهم في خلق بيئة تسمح للقوى المختلفة باللجوء المتكرر إلى القوة.
ومن هنا فإن ظهور قوة موازنة جديدة لا يعني بالضرورة اقتراب الحرب.
قد يحدث العكس.
فالردع المتبادل عندما يكون منضبطًا يمكن أن يجعل كلفة المغامرة العسكرية أعلى، ويجبر الأطراف على التفكير في التسويات قبل الذهاب إلى المواجهة.
لماذا تراقب إسرائيل الاتفاق بحساسية؟
ليست المسألة أن الدول الثلاث تستعد لحرب مع إسرائيل.
هذه قراءة مبالغ فيها ولا تسندها طبيعة الاتفاق المعلنة.
لكن إسرائيل اعتادت العمل في بيئة إقليمية تمتلك فيها تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا كبيرًا، بينما كانت القوى المحيطة بها موزعة على محاور وتحالفات متعارضة.
ظهور كتلة دفاعية تجمع السعودية وتركيا وباكستان، إذا أصبحت فاعلة، يغير جانبًا من هذه البيئة.
ليس لأنه ينتج «محورًا معاديًا لإسرائيل»، وإنما لأنه يضيف إلى الإقليم قوة مستقلة قادرة على التأثير في حسابات الحرب والسلام ومنع احتكار تحديد قواعد اللعبة الإقليمية.
وهذا فارق جوهري.
فالردع المقصود هنا ليس دعوة لمواجهة إسرائيل، بل منع إسرائيل أو إيران أو أي طرف آخر من الاعتقاد أن تفوقه العسكري يسمح له بفرض إرادته على الإقليم بلا قيود.
التحديات لا تقل أهمية عن الطموحات
مع ذلك، فإن الطريق بين توقيع اتفاق دفاعي وبناء حلف حقيقي طويل.
للدول الثلاث مصالح وتحالفات وأولويات مختلفة، وقد تظهر خلافات عندما ينتقل الاتفاق من المبادئ العامة إلى حالات عملية.
من يحدد أن دولة ما تعرضت لاعتداء يستوجب التدخل؟
وما طبيعة الالتزام العسكري؟
وهل هناك قيادة مشتركة؟
وهل تشمل المنظومة الدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري والاستخبارات؟
ثم ماذا عن مصر التي شاركت في مسارات سياسية سابقة مع الدول الثلاث؟ وهل يمكن مستقبلًا أن تتسع الدائرة لتشمل دولًا أخرى؟
هذه الأسئلة، وليس حفل التوقيع، ستحدد الوزن الحقيقي لاتفاق مكة.
اتفاق مكة ليس إعلان حرب على إيران، وليس تحالفًا معلنًا ضد إسرائيل.
الأقرب أنه محاولة أولية لبناء ميزان قوى إقليمي جديد في منطقة افتقدت طويلًا التوازن بين قواها الرئيسية.
إيران ستراقبه بحذر بسبب المعضلة الأمنية، لكنها ليست مضطرة إلى اعتباره تهديدًا ما دام الاتفاق دفاعيًا ويحترم أمن الدول المجاورة.
أما إسرائيل، فستراقب مساره ربما بدرجة أكبر، ليس لأنها أصبحت هدفًا لحلف عسكري جديد، بل لأن نجاحه قد يعني نهاية مرحلة كان اختلال موازين القوة خلالها يسمح لطرف أو أكثر بالتصرف بهامش واسع من دون وجود قوة إقليمية موازنة.
وفي النهاية، قد تكون القيمة الحقيقية لاتفاق مكة في أنه لا يضيف حربًا جديدة إلى الشرق الأوسط، بل يرفع كلفة الحرب على الجميع.
فالمنطقة لا تحتاج إلى قوة جديدة تستبدل هيمنة بهيمنة أخرى، وإنما إلى توازن يمنع أي قوة من احتكار الأمن الإقليمي أو فرضه بالقوة.
وعندها يصبح السؤال الحقيقي:
هل يبقى اتفاق مكة تحالفًا دفاعيًا على الورق، أم يتحول إلى ميزان قوى يفتح الباب أمام شرق أوسط أكثر توازنًا وأقل قابلية للحروب؟