📱 حمّل تطبيق خبر الآن! App Store Khabr Live
🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
1,098,912 مقال 408 مصدر نشط 228 قناة مباشرة 3,533 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

اتفاق مكة وإعادة رسم الأمن الإقليمي.. ثلاثون ملفاً تختبر تحالف السعودية وتركيا وباكستان وحدود تدخله

سياسة
jo24
2026/08/09 - 19:00 501 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis

وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقاً للدفاع المشترك في مكة، يشمل أي هجوم على واحدة منها اعتداءً على الجميع.

الاتفاق يترك تفاصيل مهمة مثل آلية التنفيذ ونوع القوات مفتوحة، ويُعتبر إطاراً مؤسسياً لبناء هياكل عسكرية دائمة.

الدول الثلاث تهدف إلى ردع الهجمات وحماية الملاحة، دون تقديم التحالف كمحور ضد إيران بشكل علني.

في السابع من آب/أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة اتفاقاً للدفاع المشترك مع تلميح لانضمام مصر لاحقا في لحظة تداخلت فيها جبهات الخليج والبحر الأحمر وغزة ولبنان وسوريا والعراق مع منافسات القرن الأفريقي وجنوب آسيا والحرب في أوكرانيا. يَعُدّ الاتفاق أي هجوم مسلح على دولة موقعة هجوماً على الدول الثلاث، لكنه يترك أسئلة التنفيذ وحدود الجغرافيا وطبيعة الخصم مفتوحة.

لا ينطلق هذا التحقيق من نتيجة مقررة سلفاً، بل من سؤالين مترابطين: هل يبني اتفاق مكة مظلة ردع إقليمية تقلل اعتماد أعضائه على الخارج، أم يؤسس لتوزيع أدوار أوسع تتولى فيه الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط على «الرأس» الإيراني بينما تهتم القوى الإقليمية بـ«الأذرع» والساحات المحيطة؟ ثم هل يقود هذا الترتيب إلى إغلاق الجبهات أم إلى حرب تتسع تحت عناوين الدفاع وحماية الملاحة ودعم الحكومات؟





ما الذي أُعلن وما الذي بقي غامضاً؟

الاتفاقية التي وقعت في مكة المكرمة نصت، وفق البيان المشترك، على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعد اعتداءً على جميعها، بما يستوجب التشاور والتنسيق واتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الخطر. وهي صيغة تقترب، من حيث المبدأ، من قاعدة الدفاع الجماعي التي تقوم عليها المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو).

لكن البيان الرسمي لم يكشف تفاصيل حاسمة تتعلق بآلية تنفيذ هذا الالتزام، أو طبيعة القوات التي يمكن نشرها، أو المناطق الجغرافية التي يشملها الاتفاق، أو ما إذا كان التحالف سيقيم قيادة عسكرية مشتركة وقوات دائمة وقواعد ومراكز عمليات موحدة.

وبحسب ما أُعلن، سيجري إنشاء لجنة وزارية للإشراف على تنفيذ الاتفاق، إلى جانب أمانة عامة مقرها السعودية. وهذا يعني أن الدول الثلاث لا تنظر إلى الاتفاق بوصفه إعلاناً سياسياً مؤقتاً، بل إطاراً مؤسسياً قابلاً للتوسع وبناء هياكل عسكرية وأمنية دائمة حوله.

وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن الاتفاق يشبه (من الناحية التقنية) المادة الخامسة في حلف الناتو، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه غير موجه ضد إيران أو أي دولة بعينها. كما أشار إلى إمكانية انضمام مصر مستقبلاً، وإلى اهتمام الدول المشاركة بإنشاء ترتيبات لحماية البحر الأحمر والممرات البحرية.

هذا النفي التركي لا يعني بالضرورة غياب العامل الإيراني عن خلفية الاتفاق، لكنه يكشف رغبة الدول الثلاث في عدم تقديم التحالف باعتباره محوراً مذهبياً أو جبهة معلنة لمهاجمة إيران. فالفرق كبير بين تحالف يهدف إلى ردع الهجمات وحماية الدول والممرات البحرية، وبين تحالف هجومي يعلن أن مهمته إسقاط دولة أو تغيير نظامها.



قدرات مختلفة يجمعها هدف واحد

تكمن أهمية الاتفاق في طبيعة الدول الموقعة عليه. فالسعودية تمتلك ثقلاً مالياً واقتصادياً كبيراً وموقعاً جغرافياً يربط الخليج بالبحر الأحمر، إضافة إلى استثمارات واسعة في الطيران والدفاع الجوي والصناعات العسكرية. أما تركيا، فتمتلك جيشاً كبيراً وخبرة عملياتية ممتدة من سوريا والعراق إلى ليبيا والصومال والبحر المتوسط، إلى جانب صناعة دفاعية متطورة في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ والسفن والمدرعات.

أما باكستان، فتمتلك جيشاً كبيراً وقدرات صاروخية وردعاً نووياً، ولها تاريخ طويل في التدريب والتعاون العسكري مع السعودية. كما أفادت تقارير دولية خلال العام الجاري بنشر آلاف العسكريين الباكستانيين وطائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي في السعودية، ضمن ترتيبات قُدمت بداية بوصفها مهام تدريبية واستشارية، لكنها تمتلك في الوقت نفسه قدرة عملياتية فعلية.

اجتماع هذه القدرات يمنح الاتفاق وزناً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي. فالسعودية تستطيع توفير التمويل والموقع والبنية السياسية، بينما توفر تركيا الخبرة العملياتية والصناعة العسكرية، وتضيف باكستان القوة البشرية والخبرة الدفاعية والبعد الاستراتيجي المرتبط بامتلاكها السلاح النووي.

لكن الاتفاقية المنشورة لم تقل إن الردع النووي الباكستاني أصبح مظلة تلقائية للسعودية وتركيا، كما لم تعلن الدول الثلاث إنشاء جيش موحد أو نقل قوات دائمة من دولة إلى أخرى. ولذلك فإن الحديث عن «ناتو إسلامي» مكتمل الأركان ما يزال سابقاً لأوانه.

لماذا الآن؟

جاء الاتفاق في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، بعد توسع المواجهة مع إيران، وتعرض منشآت وقواعد وممرات بحرية في الخليج لهجمات، وعودة التوتر إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر، وازدياد المخاوف من الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات التي تنفذها جماعات مسلحة مرتبطة بإيران.

وفي الوقت نفسه، تشهد المنطقة إعادة تشكيل واسعة لموازين القوة: سقوط النظام السابق في سوريا أضعف الممر الإيراني إلى لبنان، والحكومة العراقية تواجه ضغوطاً متزايدة لنزع سلاح الفصائل، وحزب الله يتعرض لضغط عسكري وسياسي غير مسبوق، بينما يجري البحث عن قوة عربية ودولية تتولى ترتيبات الأمن في غزة بعد نزع سلاح حماس.

ضمن هذا السياق، يمكن فهم اتفاق مكة بوصفه محاولة لبناء مظلة أمنية إقليمية لا تعتمد كلياً على الولايات المتحدة. فالدول الثلاث ترتبط بعلاقات مختلفة مع واشنطن وبكين وموسكو وحلف الناتو، لكنها تشترك في القلق من أن يؤدي ضعف النظام الإقليمي أو تراجع الضمانات الأميركية إلى تركها منفردة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة واضطراب طرق الطاقة والتجارة.

كما أن التحالف لا يبدو موجهاً لموازنة إيران وحدها. فتركيا والسعودية وباكستان لا تريد أن تتحول إسرائيل، بعد إضعاف إيران، إلى القوة الوحيدة القادرة على فرض قواعد الإقليم من دون موازنة. ولهذا يمكن أن يعمل الاتفاق في اتجاهين متوازيين: التعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل في بعض الملفات التي تتعلق بإيران والجماعات المسلحة، وبناء قوة مستقلة تحدّ من احتكار إسرائيل للتفوق الإقليمي في ملفات أخرى.



اتفاق دفاعي أم منصة للتدخل الإقليمي؟

العبارة الأساسية في الاتفاق تتعلق بالاعتداء الذي تتعرض له إحدى الدول الثلاث، لكنها لا تجيب عن السؤال الأكثر تعقيداً: ماذا لو جاء التهديد من جماعة مسلحة خارج حدود دولة عضو؟ وماذا لو طلبت حكومة عربية، مثل الحكومة السورية أو العراقية، مساعدة التحالف في مواجهة تنظيمات مسلحة داخل أراضيها؟ وهل تشمل حماية السعودية مثلاً ملاحقة مصدر الهجمات الحوثية داخل اليمن، أم تقتصر على اعتراض الصواريخ وحماية الحدود والملاحة؟

غياب هذه التفاصيل قد يكون مقصوداً. فالغموض يمنح الدول الثلاث حرية الحركة من دون الالتزام مسبقاً بحرب محددة، كما يتيح للتحالف التدخل تحت عناوين مختلفة، مثل حماية الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب، وتدريب القوات الحكومية، والدفاع الجوي، وحماية منشآت الطاقة، ومراقبة الحدود ووقف تهريب السلاح.

ومن هنا، لا يُقاس الاتفاق فقط بما كُتب في نصه المعلن، بل أيضاً بالتحركات العسكرية والسياسية التي سبقته ورافقته: الانتشار الباكستاني في السعودية، والوجود العسكري التركي في الصومال، والمشروعات التركية لبناء السفن العسكرية في جدة والدمام، والدعوة السعودية لإنشاء تحالف بحري لحماية البحر الأحمر، واحتمال انضمام مصر إلى الإطار الجديد.

لا تثبت هذه التحركات حتى الآن وجود خطة عمليات موحدة تشمل المنطقة بأكملها، لكنها تكشف أن اتفاق مكة لم يولد من فراغ، وأن الدول الثلاث كانت تبني خلال الفترة الماضية شبكة من التعاون الدفاعي والعسكري يمكن أن تتحول، عند الضرورة، إلى قوة إقليمية قادرة على العمل خارج حدودها.

يبقى السؤال: أين يمكن أن تظهر أولى مهام هذا التحالف؟ وهل ستكون البداية من البحر الأحمر في مواجهة الحوثيين، أم من سوريا لضبط الجماعات المسلحة وقطع طرق تهريب السلاح، أم من العراق لدعم الدولة في نزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران؟

مصر... الغائب الحاضر في اتفاق مكة

غياب الرئيس المصري عن مراسم توقيع الاتفاقية لا يعني أن مصر رفضت التحالف أو استُبعدت منه. فقد شاركت القاهرة في مجموعة التشاور الرباعية المعروفة باسم «R4»، التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، واستضافت في 21 حزيران/يونيو الاجتماع الرابع لوزراء خارجية الدول الأربع لمناقشة التطورات الإقليمية والحرب مع إيران وأمن الممرات البحرية.

كما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بعد توقيع اتفاق مكة، إن مصر قد تنضم لاحقاً بعد معالجة «بعض المسائل التقنية». ولم توضح القاهرة أو أنقرة طبيعة هذه المسائل، ولذلك لا يوجد حتى الآن تفسير مصري رسمي لعدم التوقيع.

لكن سلوك مصر الإقليمي يسمح بتحديد مجموعة من الاعتبارات التي ربما أخرت انضمامها.

أولها أن القاهرة تتحفظ عادة على الالتزامات التي تجعل تدخلها العسكري تلقائياً في نزاعات لا تمس حدودها مباشرة. فالانضمام إلى اتفاق يعتبر الاعتداء على باكستان أو تركيا اعتداءً على مصر قد يضع القاهرة نظرياً أمام أزمات مع الهند في كشمير، أو مع أطراف تواجه تركيا في سوريا أو شرق المتوسط، أو أمام مواجهة مباشرة مع إيران إذا تعرضت السعودية لهجوم جديد.

وثانيها أن مصر تريد الحفاظ على قيادتها المستقلة لملف البحر الأحمر. فقد أكدت القاهرة وإريتريا أن أمن البحر الأحمر ينبغي أن تتولاه الدول المطلة عليه، وهو موقف قد يتعارض جزئياً مع رغبة تركيا وباكستان، وهما دولتان غير مطلتين مباشرة على البحر الأحمر، في أداء دور عسكري دائم داخله.

وثالثها أن المصالحة المصرية–التركية، رغم تقدمها الكبير وعودة السفراء، ما تزال حديثة قياساً بسنوات الخلاف حول جماعة الإخوان المسلمين وليبيا وشرق المتوسط. الانتقال من المصالحة السياسية إلى تعهد دفاعي يشبه المادة الخامسة في حلف الناتو يحتاج إلى بناء ثقة عسكرية وقانونية أكبر.

كما أن مصر مرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل وشراكة عسكرية طويلة مع الولايات المتحدة، ولها حساباتها الخاصة في غزة والسودان وإثيوبيا. وقد تفضل البقاء داخل إطار تشاوري رباعي يمنحها التأثير من دون أن يفرض عليها التزاماً تلقائياً بكل قرارات التحالف.

لذلك يمكن وصف مصر بأنها الدولة الرابعة غير الموقعة: موجودة في المشاورات والملفات والعمليات الموازية، لكنها لم توافق بعد على الانتقال من التنسيق السياسي إلى الدفاع المتبادل الملزم.



من الاتفاق إلى ثلاثين ملفاً

لتمييز الوقائع من السيناريوهات، يرتب التحقيق ثلاثين ملفاً بحسب قربها من مركز القرار وخطرها على بنية الإقليم: يبدأ بمواقف الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ثم ينتقل إلى ساحات الردع والاشتباك المباشر، ففلسطين والتطبيع والتوازنات الإقليمية، وينتهي بالقوى الدولية ومسارات امتداد الحرب. وفي كل ملف يفصل بين ما أُعلن رسمياً، وما تدل عليه التحركات، وما يبقى فرضية تحتاج إلى دليل.

ملفات خاصة وإقليمية ودولية أمام التحالف

لا تتساوى الملفات التالية في احتمال التدخل أو شكله. بعضها يدخل مباشرة في الدفاع عن أراضي الدول الثلاث وممراتها، وبعضها لا يمكن الاقتراب منه إلا بطلب حكومة معترف بها، بينما تقع ملفات أخرى في نطاق الوساطة والتمويل والضغط السياسي. لهذا يعكس الترتيب الأهمية الاستراتيجية، لا افتراض وجود خطة عسكرية واحدة تشمل الجميع.

أولاً: القوى التي تحدد سقف الحرب

الملف الأول: الولايات المتحدة... شريك صامت أم مظلة لتقاسم الأعباء؟

حتى مساء 9 أغسطس/آب 2026، لم يظهر في البيانات العلنية رد أميركي رسمي مفصل على اتفاق مكة. وهذا الغياب مهم تحريرياً: فهو لا يسمح بوصف واشنطن مؤيدة للاتفاق أو رافضة له، لكنه يمنع أيضاً التعامل معه بوصفه خطوة معادية للولايات المتحدة لمجرد أنه يقلل الاعتماد الحصري عليها.

الدول الثلاث ترتبط بدرجات مختلفة بالشراكة الأمنية مع واشنطن: تركيا عضو في حلف الناتو، والسعودية شريك دفاعي رئيسي، وباكستان تحتفظ بقنوات عسكرية وسياسية ممتدة معها. لذلك تميل القراءة الأقرب إلى أن الاتفاق يضيف طبقة إقليمية إلى النظام الأمني الأميركي ولا يستبدله فوراً. وقد وصفت تحليلات منشورة دافع الاتفاق بأنه البحث عن بدائل مكملة في ظل الشكوك في استدامة الضمانات الأميركية، لا القطيعة معها.

هنا تبرز فرضية «اتركوا لنا الرأس واهتموا بالأذرع»: تتولى الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط المباشر على القدرات الإيرانية، بينما تحمي الدول الثلاث أراضيها وممراتها وتساعد الحكومات على احتواء الحوثيين والفصائل العراقية وطرق الإمداد إلى سوريا ولبنان. النتيجة العملياتية قد تشبه تقسيم العمل، لكن لا يوجد حتى الآن دليل علني على خطة أميركية مركزية وزعت هذه الأدوار مسبقاً.

يستفيد النهج الأميركي من تقاسم الأعباء وخفض الحاجة إلى انتشار دائم، لكنه يخلق في المقابل شركاء أقدر على رفض الطلبات الأميركية أو موازنة إسرائيل. لذلك سيقاس موقف واشنطن عملياً بما إذا كانت ستدعم تبادل الإنذار المبكر والتسليح والتدريب، وبكيفية تعاملها مع أي تحرك للتحالف في سوريا أو البحر الأحمر لا يطابق الأولويات الإسرائيلية.

خلاصة الموقف الأميركي: الصمت الرسمي لا يثبت وجود غرفة عمليات مشتركة، لكنه ينسجم مع قبول حذر بتحالف دفاعي يخفف العبء عن واشنطن ما دام لا يتحول إلى محور مستقل يصطدم بقواتها أو بحلفائها.

الملف الثاني: إسرائيل... مستفيد قَلِق لا رفض رسمي مثبت

لم يُعثر، حتى مساء 9 أغسطس/آب، على بيان رسمي إسرائيلي موثق يعلن رفض اتفاق مكة. وما ظهر علناً كان تغطية إعلامية وقراءات أمنية قلقة أكثر منه موقفاً حكومياً ملزماً. لذلك ينبغي التمييز بين «قلق إسرائيلي» يمكن رصده وبين ادعاء «رفض رسمي» لا تسنده حتى الآن وثيقة معلنة.

تستفيد إسرائيل من أي قدرة تضبط الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وتحد من حركة الحوثيين والفصائل العراقية وإمداد حزب الله. لكن الصحافة الإسرائيلية قدمت الاتفاق أيضاً بوصفه تجمعاً لثلاث قوى عسكرية كبيرة، إحداها نووية، في لحظة تنافس حاد بين أنقرة وتل أبيب.

مصدر القلق هو أن إضعاف إيران لا يعني قبول السعودية وتركيا وباكستان باحتكار إسرائيل للقوة الإقليمية. فتركيا تعارض توسع إسرائيل في سوريا، وباكستان لا تعترف بها، والسعودية تربط التطبيع بمسار فلسطيني. كما أن حضوراً تركياً–سعودياً أوسع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي قد يحد من حرية إسرائيل في بناء شبكات قواعد وشراكات من شرق المتوسط إلى أرض الصومال.

سيحاول الجانب الإسرائيلي، على الأرجح، الفصل بين وظيفتين للاتفاق: تشجيع ما يساعد في احتواء إيران وحلفائها، ومقاومة ما يحوله إلى ثقل موازن لإسرائيل أو مظلة سياسية للحكومة السورية والفلسطينيين. ومن هنا قد يكون أثر الاتفاق مزدوجاً: تعاون غير مباشر في ملف إيران، وتنافس مباشر أو غير مباشر في سوريا والبحر الأحمر وغزة.

خلاصة الموقف الإسرائيلي: الاتفاق مفيد حين يعمل ضد التهديد الإيراني، ومقلق حين يمنح ثلاث دول كبيرة استقلالاً دفاعياً وقدرة على تقييد التفوق الإسرائيلي. وهذا التناقض، لا الرفض المطلق، هو مفتاح قراءة علاقته بالتحالف.

الملف الثالث: إيران... ترحيب رسمي وحسابات قلقة

جاء أول رد إيراني بارز بصيغة ترحيب لا مواجهة. فقد رحب وزير الخارجية عباس عراقجي بالاتفاق ودعا إلى تضامن أكبر بين الدول ذات الأغلبية المسلمة والاعتماد على القدرات الذاتية. وفي الداخل الإيراني ظهرت قراءات متباينة: بعضها أراد توجيه الاتفاق ضد إسرائيل، وبعضها حذر من تحوله إلى مظلة لحماية السعودية من إيران وحلفائها .

ساعدت أنقرة طهران سياسياً بتأكيد أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو دولة بعينها، وأن طبيعة المساعدة ستحدد بعد التشاور في كل حالة. لكن هذا الضمان السياسي لا يلغي أن هجوماً إيرانياً مباشراً على السعودية، أو هجوماً كبيراً تنسبه الرياض إلى قوة حليفة لطهران، يمكن أن يختبر بند الدفاع الجماعي.

ستحاول إيران منع تماسك جبهة معادية عبر الحفاظ على علاقاتها مع تركيا وباكستان، وتقديم الاتفاق كفرصة لاستقلال إسلامي عن واشنطن وإسرائيل، وفتح قنوات مع السعودية. وفي الوقت نفسه ستراقب ما إذا كان التحالف سيتوقف عند الدفاع الجوي والبحري أم ينتقل إلى دعم نزع سلاح القوى المرتبطة بها في اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

إذا بقي الاتفاق دفاعياً، تستطيع طهران التعايش معه وربما استخدامه دليلاً على تراجع الاعتماد الإقليمي على الولايات المتحدة. أما إذا تحول إلى شبكة عمليات لإغلاق طرق السلاح وتفكيك الحلفاء المسلحين، فسيصبح تهديداً مباشراً لنموذج النفوذ الإيراني حتى من دون مهاجمة إيران نفسها.

خلاصة الموقف الإيراني: الترحيب محاولة لاحتواء الاتفاق وإعادة تعريفه، لا دليلاً على غياب القلق. والاختبار الحاسم سيكون تعريف «الاعتداء»: هل يقتصر على هجوم دولة، أم يمتد إلى عمليات جماعات مرتبطة بها؟

ثانياً: الردع والجبهات المباشرة

الملف الرابع: حرب إيران... بين ردع المركز واحتواء الأذرع

أصبحت الولايات المتحدة وإسرائيل الطرفين المباشرين في الحرب على إيران، بينما استُخدمت قواعد أميركية في البحرين والكويت والأردن ضمن البنية العسكرية الأميركية في المنطقة. وردت إيران باستهداف مواقع وقواعد أميركية في هذه الدول، إضافة إلى مهاجمة السعودية والإمارات وقطر ومصالح بحرية في الخليج.

لكن وجود القواعد الأميركية لا يكفي وحده لإثبات أن البحرين والكويت والأردن شاركت جميعها في العمليات الهجومية على إيران.

البحرين، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأميركي، اتخذت موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران، وأبدت استعداداً لتحمل استمرار المواجهة. أما الكويت فاستضافت قوات أميركية واعترضت صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية، لكنها دفعت دبلوماسياً باتجاه وقف الحرب، ونفت رسمياً أن تكون طائراتها شاركت في ضرب إيران. والأردن استضاف قوات أميركية ودافع عن مجاله الجوي واعترض مقذوفات، لكنه لم يعلن الانضمام إلى حرب هجومية.

ووفق مصادر خليجية تحدثت إلى رويترز، انقسمت دول الخليج إلى اتجاهين: السعودية والإمارات والبحرين طالبت بألا تنتهي الحرب مع بقاء قدرة إيران على تهديد الخليج وإغلاق هرمز، بينما ضغطت قطر وعُمان والكويت من أجل وقف سريع للقتال خوفاً من تداعياته الاقتصادية. تفاصيل الانقسام الخليجي.

أما أطراف اتفاق مكة، فلا تبدو راغبة في مهاجمة إيران مباشرة. السعودية تريد تحييد الصواريخ الإيرانية والأذرع المرتبطة بطهران، لكنها تشارك أيضاً في محاولات التهدئة. وتركيا وباكستان استضافتا محادثات ووساطات ورفضتا تقديم الاتفاق باعتباره موجهاً ضد إيران.

قد تكون قسمة العمل الفعلية على النحو الآتي: تركز الولايات المتحدة وإسرائيل على القدرات النووية والصاروخية والعسكرية داخل إيران، بينما يركز تحالف مكة على الدفاع عن السعودية، وتأمين البحر الأحمر، واحتواء الحوثيين والفصائل العراقية، ومنع انتقال السلاح الإيراني إلى سوريا ولبنان. لكنها قسمة مصالح مستنتجة من الوقائع، وليست خطة مشتركة معلنة.

الملف الخامس: الدفاع الجوي والردع النووي... المظلة غير المرئية

قد لا تكون الوظيفة الأهم لاتفاق مكة التدخل في دولة محددة، بل بناء منظومة دفاعية مشتركة ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات البحرية والسيبرانية.

أظهرت المواجهات الأخيرة أن دولاً تنفق مبالغ هائلة على السلاح يمكن أن تبقى معرضة لهجمات منخفضة الكلفة تنفذها طائرات مسيّرة أو صواريخ تطلق من مسافات بعيدة. ولذلك تحتاج الدول الثلاث إلى ما هو أكثر من شراء أنظمة منفصلة؛ تحتاج إلى ربط الرادارات ومراكز القيادة والدفاعات الجوية والبحرية داخل شبكة واحدة.

تستطيع السعودية توفير القواعد والتمويل والاستثمار في الصناعات العسكرية، بينما تمتلك تركيا خبرة عملياتية وصناعة متقدمة في المسيّرات والصواريخ والسفن والرادارات. وتضيف باكستان الطائرات المقاتلة والقوة البشرية والخبرة الصاروخية والقدرة النووية.

وقد نشرت باكستان بالفعل طائرات مقاتلة وقوات ومنظومات دفاع جوي في السعودية خلال 2026. كما يجري تعاون سعودي–تركي في مجالات الطائرات المسيّرة وبناء السفن العسكرية والاستثمار في شركات الدفاع.

ويمكن أن تشمل الخطوات العملية المقبلة:

إنشاء مركز موحد للإنذار المبكر وتبادل المعلومات.

ربط الرادارات ومنظومات اعتراض الصواريخ والمسيّرات.

تشكيل قوة بحرية مشتركة لحماية البحر الأحمر وبحر العرب.

إجراء تدريبات عسكرية دورية على الدفاع عن المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة.

تصنيع مشترك للمسيّرات والصواريخ والسفن والذخائر.

توزيع احتياطيات السلاح والوقود بحيث لا يؤدي استهداف قاعدة واحدة إلى تعطيل القدرة الدفاعية.

توحيد إجراءات القيادة والاتصال في أثناء الأزمات.

لكن أصعب المسائل ستكون تقنية وسياسية. فتركيا عضو في حلف الناتو وتعتمد جزئياً على أنظمة غربية، بينما تستخدم باكستان مزيجاً من التكنولوجيا الصينية والغربية والمحلية، وتعتمد السعودية على منظومات أميركية وأوروبية. وربط هذه الأنظمة قد يصطدم بقيود تتعلق بالأسرار العسكرية والتصدير والبرمجيات والسيطرة على البيانات.

أما السؤال الأكبر فهو: هل يشمل الردع النووي الباكستاني السعودية وتركيا؟

لا تتضمن الاتفاقية المنشورة أي نص يثبت ذلك، ولم تعلن باكستان نقل أسلحة نووية أو منح ضمان نووي تلقائي لشريكيها. لكن الغموض نفسه قد يخدم الردع، لأنه يترك الخصوم أمام احتمال أن يؤدي أي تهديد وجودي لإحدى الدول الثلاث إلى رد أوسع مما هو معلن.

لذلك ينبغي التعامل مع المظلة النووية بوصفها احتمالاً استراتيجياً ورسالة ردع، لا حقيقة قانونية أو عسكرية محسومة.

الملف السادس: البحر الأحمر والحوثيون... الاختبار الأقرب

يبدو البحر الأحمر الساحة الأكثر استعداداً لاستقبال أول نشاط عملي مرتبط بالتحالف. فقد بدأت جولة التصعيد الحالية عندما استهدفت قوات التحالف الذي تقوده السعودية مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية قالت إنها تحمل أسلحة وخبراء إلى الحوثيين. ورد الحوثيون بإطلاق صواريخ باتجاه جنوب السعودية، منهين عملياً حالة هدوء استمرت نحو أربع سنوات.

وبعد ذلك، نقلت رويترز عن مصادر إيرانية وإقليمية أن الطائرة كانت تقل عناصر من الحرس الثوري ومكونات متعلقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وأموالاً مخصصة لدعم الحوثيين، بينما نفت طهران ذلك وقالت إن الرحلة كانت إنسانية وتعيد وفداً حوثياً من إيران.

انتقل الحوثيون بعدها من الرد على الأراضي السعودية إلى إعلان حصار بحري على السفن والموانئ السعودية، وهاجموا ناقلات نفط في البحر الأحمر وخليج عدن، بينها ناقلة قرب ميناء ينبع. ولم تؤكد الرياض كل الادعاءات الحوثية، لكن التهديد أصبح مباشراً لمسار تصدير النفط السعودي، خصوصاً في ظل تعثر الملاحة عبر مضيق هرمز.

لهذا دعت السعودية إلى تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وشاركت عشرات الدول في الاجتماع، بينما أعلنت 14 دولة، بينها تركيا وباكستان ومصر، دعمها الرسمي للمبادرة.

في هذا الملف، تتوزع أدوار أطراف اتفاق مكة بصورة واضحة:

السعودية هي الدولة المستهدفة وصاحبة المصلحة المباشرة في حماية موانئها ومنشآت الطاقة وسفنها. وتركيا تمتلك قوة بحرية متقدمة وسفناً عاملة في خليج عدن، إضافة إلى وجود عسكري في الصومال ومشروعات لبناء وصيانة السفن العسكرية في جدة والدمام. أما باكستان فلديها خبرة بحرية في بحر العرب وقدرات على المرافقة والمراقبة، فضلاً عن وجود طائرات وقوات باكستانية داخل السعودية.

الأرجح أن يبدأ دور التحالف في صورة دفاع جوي وبحري، وتبادل للمعلومات، ومرافقة للسفن، ومراقبة الشحنات القادمة إلى اليمن. أما شن حرب برية واسعة ضد الحوثيين فيبقى قراراً أكثر تعقيداً بسبب تجربة الحرب السابقة وكلفتها السياسية والإنسانية.

الملف السابع: العراق والفصائل المسلحة... دعم الدولة أم ساحة مواجهة؟

يمثل العراق الجبهة البرية الشمالية التي تقلق السعودية. وقد تحدثت معلومات استخبارية سعودية وأميركية عن احتمال تنسيق هجمات على المملكة من الحوثيين جنوباً وفصائل عراقية موالية لإيران شمالاً.

وفي نهاية تموز/يوليو نفذت الولايات المتحدة والسعودية ضربات على مواقع فصائل عراقية مرتبطة بإيران، بعد اتهامها باستهداف قوات أميركية ومنشآت سعودية بحسب بيان القيادة المركزية الأميركية.

كما حددت السلطات العراقية 30 أيلول/سبتمبر موعداً لنزع سلاح الفصائل أو دمجها في المؤسسات الأمنية، وهددت بمعاملة الرافضين وفق قوانين مكافحة الإرهاب.

السعودية معنية مباشرة بهذا الملف، بينما تستطيع تركيا تقديم معلومات وخبرات عملياتية بحكم وجودها العسكري الطويل في شمال العراق وعملياتها ضد حزب العمال الكردستاني. ويمكن لباكستان أن تقدم التدريب والدفاع الجوي والحماية الفنية، لكنها لا تملك نفوذاً سياسياً عراقياً يوازي نفوذ السعودية وتركيا.

والشكل الأكثر واقعية لتدخل التحالف هو دعم الحكومة العراقية استخبارياً وسياسياً وعسكرياً، وليس دخول قوات ثلاثية لاحتلال مواقع الفصائل. فأي تدخل بري من دون موافقة بغداد قد يوحد خصوم الفصائل حول شعار مقاومة الوجود الأجنبي.

الملف الثامن: سوريا... حماية الدولة الجديدة وقطع الطريق الإيراني

سوريا هي الساحة التي تمتلك فيها تركيا الدور الأكبر بين أطراف الاتفاق. فلأنقرة قوات ونفوذ أمني وعلاقات مباشرة مع الحكومة السورية الجديدة، بينما لعبت السعودية دوراً أساسياً في منح هذه الحكومة الشرعية العربية والدولية ودعم رفع العقوبات عنها.

الهدف المباشر هنا لا يبدو «القضاء على القاعدة»، كما يُطرح أحياناً. فالقيادة السورية الحالية أعلنت انفصالها عن تنظيم القاعدة منذ سنوات، ولم يجد مراقبو الأمم المتحدة روابط نشطة بين قيادة الدولة الجديدة والتنظيم. الخطر المعلن حالياً هو تنظيم داعش، والمقاتلون الأجانب غير المنضبطين، وشبكات تهريب السلاح الإيرانية، وأي تشكيلات مسلحة تعمل خارج مؤسسات الدولة.

كما أن السيطرة السورية على الحدود مع العراق ولبنان تقطع الطريق الذي كانت إيران تستخدمه لإمداد حزب الله. وقد ضبطت السلطات السورية شحنة أسلحة متقدمة قادمة من العراق قيل إنها كانت متجهة إلى الحزب.

يمكن أن تقوم تركيا بالتدريب والدعم العسكري والاستخباري، بينما توفر السعودية التمويل والغطاء السياسي وإعادة الإعمار، وتشارك باكستان في التدريب ومكافحة الإرهاب. لكن لا يوجد حتى الآن ما يثبت اتخاذ قرار بنشر قوة تابعة لاتفاق مكة داخل سوريا.

الملف التاسع: الأراضي السورية... من احتلال الجولان إلى التوسع في المنطقة العازلة

يختلف ملف الوجود الإسرائيلي في سوريا عن غزة والضفة، لأنه يجمع بين احتلال قديم بدأ عام 1967 وتوسع عسكري جديد بدأ بعد سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024.

تحتل إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية منذ حرب 1967، وفرضت عليها قوانينها في 1981، في خطوة لم يعترف بها مجلس الأمن ومعظم المجتمع الدولي. وبعد اتفاق فصل القوات عام 1974، أُنشئت منطقة عازلة منزوعة السلاح تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف».

لكن بعد سقوط النظام السابق، دخلت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة وسيطرت على الجانب السوري من جبل الشيخ ونقاط أخرى، كما نفذت تحركات خارج منطقة الفصل. وقالت إسرائيل في البداية إن الانتشار مؤقت، ثم أعلن مسؤولون إسرائيليون أن القوات ستبقى على قمة جبل الشيخ إلى أجل غير محدد.

وتعتبر الأمم المتحدة أن دخول القوات الإسرائيلية إلى منطقة الفصل يخالف اتفاق 1974، وتؤكد أن قوات «أندوف» هي الجهة الوحيدة التي يفترض أن تنتشر داخلها.

تقول إسرائيل إن هدفها منع وجود قوات معادية قرب حدودها وحماية التجمعات الدرزية ومنع انتقال أسلحة إلى حزب الله. لكن الحكومة السورية ترى أن إسرائيل تستغل ضعف الدولة لفرض وقائع جديدة وتوسيع المنطقة الخاضعة لسيطرتها.

وجرت محادثات سورية–إسرائيلية بوساطة أميركية حول اتفاق أمني. وتطالب دمشق بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط النظام، والعودة إلى اتفاق 1974 ووقف الغارات. أما إسرائيل فتطالب بمنطقة واسعة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، وتحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن منطقة تمتد من دمشق باتجاه جبل الشيخ والمناطق المحيطة به.

يمس هذا الملف تركيا مباشرة، لأن أنقرة تريد بناء جيش سوري قوي يخضع للحكومة المركزية، بينما تريد إسرائيل إبقاء الجنوب السوري ضعيفاً ومنزوع السلاح. كما أن الغارات الإسرائيلية على المنشآت العسكرية السورية تقلل قدرة دمشق على مواجهة داعش وضبط الحدود.

السعودية تدعم وحدة سوريا وسيادتها، وقد استثمرت سياسياً واقتصادياً في استقرار الحكومة الجديدة. أما باكستان فسيكون دورها أقرب إلى الدعم السياسي والتدريب وإعادة بناء المؤسسات، وليس الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل.

ولا يرجح أن يرسل تحالف مكة قوات إلى جنوب سوريا لمواجهة الجيش الإسرائيلي، لأن ذلك قد يفتح حرباً واسعة. لكنه يستطيع دعم دمشق دبلوماسياً، وربط أي اتفاق إقليمي بعودة إسرائيل إلى خطوط فصل القوات، وتقديم أنظمة دفاع ومراقبة للحكومة السورية ضمن ترتيبات تمنع تحويل سوريا إلى ساحة تهديد لإسرائيل أو إلى دولة منزوعة القدرة على الدفاع عن نفسها.

وسيكون هذا الملف اختباراً حقيقياً للعلاقة بين تركيا وإسرائيل: هل تقبل أنقرة بوجود إسرائيلي طويل المدى في جنوب سوريا مقابل إنهاء الوجود الإيراني، أم تعتبر أن إسرائيل حلت محل إيران كقوة عسكرية خارجية تفرض إرادتها على الدولة السورية؟

الملف العاشر: حزب الله... الحلقة الأخيرة في طريق إيران إلى المتوسط

يستحق حزب الله ملفاً مستقلاً، لأنه يمثل النتيجة النهائية لسلسلة تمتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. فإذا فُككت الفصائل العراقية المرتبطة بطهران، وضبطت سوريا حدودها، وتوقفت شحنات السلاح، يصبح حزب الله معزولاً عن عمقه العسكري الخارجي.

وأقر الحزب بعد سقوط النظام السوري السابق بخسارة طريق الإمداد العسكري عبر سوريا. كما أعلنت السلطات السورية في تموز/يوليو 2026 ضبط شحنة أسلحة متقدمة قادمة من العراق قالت إنها كانت متجهة إلى الحزب.

في الوقت نفسه، تتولى إسرائيل الضغط العسكري المباشر، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى ربط انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان بتسليم حزب الله سلاحه. وتوصل لبنان وإسرائيل إلى قائمة أولية بالدول التي يمكن أن تشارك بقوات للتحقق من نزع السلاح، لكن الحزب ليس طرفاً في الاتفاق وما يزال يرفض التخلي الكامل عن قدرته العسكرية.

يرتبط دور السعودية في هذا الملف بدعم الدولة اللبنانية والجيش وإعادة بناء الاقتصاد، بما يسمح للحكومة باستعادة قرار الحرب والسلم. فالرياض لا تريد فقط نزع سلاح حزب الله، بل منع ظهور تنظيم مسلح جديد يحل مكانه نتيجة ضعف الدولة.

أما تركيا فيمكن أن تؤدي دوراً سياسياً وعسكرياً غير مباشر، عبر دعم الجيش اللبناني أو المشاركة في ترتيبات دولية للمراقبة. وقد تكون باكستان مقبولة نظرياً ضمن قوة دولية أو إسلامية للتحقق من وقف تهريب السلاح، لكنها لم تعلن حتى الآن استعدادها لإرسال قوات إلى لبنان.

ولا تعني خسارة السلاح بالضرورة اختفاء حزب الله. فقد يتحول إلى حزب سياسي واجتماعي، أو يحتفظ بشبكة أمنية سرية، أو ينقسم بين جناح يقبل العمل السياسي وآخر يرفض التسوية. كما أن محاولة نزع سلاحه بالقوة من دون تفاهم داخلي قد تدفع لبنان إلى صدام أهلي.

لذلك سيكون الهدف الأكثر واقعية هو إنهاء حزب الله كجيش مستقل مرتبط بإيران، وليس إلغاء وجوده السياسي والاجتماعي.

الملف الحادي عشر: جنوب لبنان... الانسحاب مقابل نزع سلاح حزب الله

بعد المواجهات المتكررة مع حزب الله، لم تعد إسرائيل تكتفي بالسيطرة على خمس نقاط حدودية كما كان الوضع بعد وقف إطلاق النار السابق. فقد توسعت خلال 2026 داخل جنوب لبنان، وأقامت ما تصفه بمنطقة عازلة تمتد في بعض المناطق عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

ووفق تقارير رويترز، تحدث مسؤولون إسرائيليون عن منطقة أمنية يصل عمقها إلى نحو عشرة كيلومترات على امتداد أجزاء من الحدود، بحجة منع حزب الله من الاقتراب من شمال إسرائيل.

وتربط إسرائيل انسحابها التدريجي بنزع سلاح حزب الله والتحقق من سيطرة الجيش اللبناني على المناطق التي تنسحب منها. أما لبنان فيطالب بخريطة زمنية للانسحاب الكامل، ويرفض أن يصبح الاحتلال أداة دائمة للضغط على الحكومة.

بدأ تطبيق الخطة عبر «مناطق تجريبية» ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، ثم ينتشر فيها الجيش اللبناني ويجري تفتيشها للتأكد من غياب سلاح حزب الله. لكن التجربة الأولى أظهرت صعوبة التنفيذ، لأن القوات الإسرائيلية بقيت قريبة، ولم يتمكن السكان من العودة بصورة طبيعية، بينما رفض حزب الله اعتبار الاتفاق ملزماً له.

وتختلف المناطق التي دخلتها إسرائيل بعد 2024 و2026 عن قضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، التي تحتلها إسرائيل منذ 1967 ويطالب بها لبنان، بينما تعتبرها الأمم المتحدة ضمن الأراضي السورية المحتلة إلى حين ترسيم الحدود السورية–اللبنانية. ويستخدم حزب الله استمرار احتلال شبعا ضمن مبررات الاحتفاظ بسلاحه.

وتحاول الخطة الأميركية معالجة المشكلة من خلال ترتيب متبادل: يسلم حزب الله سلاحه الثقيل، وينتشر الجيش اللبناني، ثم تنسحب إسرائيل تدريجياً. لكن كل طرف يخشى تنفيذ التزامه أولاً؛ فحزب الله يقول إن نزع السلاح قبل الانسحاب يترك لبنان مكشوفاً، بينما تقول إسرائيل إن الانسحاب قبل نزع السلاح يسمح للحزب بالعودة إلى الحدود.

السعودية هي الطرف الأكثر قدرة على دعم البديل اللبناني، من خلال تمويل الجيش والدولة وإعادة الإعمار بعد الانسحاب. ويمكن لتركيا وباكستان تقديم التدريب أو المشاركة في آلية دولية للتحقق إذا وافق لبنان، لكن لا توجد حتى الآن معلومات عن اختيارهما ضمن قائمة الدول المقترحة.

وقد تصبح سوريا عنصراً حاسماً في الحل، لأن ضبط حدودها مع لبنان يمنع إعادة تسليح حزب الله. وهنا تلتقي ملفات العراق وسوريا ولبنان في مسار واحد: نزع سلاح الفصائل العراقية، ووقف التهريب عبر سوريا، ثم تحويل حزب الله من قوة عسكرية إقليمية إلى حزب لبناني يعمل داخل الدولة.

لكن استمرار الاحتلال الإسرائيلي قد يعرقل هذا المسار بدلاً من تسريعه. فكلما طال وجود القوات الإسرائيلية، ازدادت قدرة حزب الله على تقديم سلاحه باعتباره ضرورياً للمقاومة. ولذلك لا يمكن بناء احتكار الدولة اللبنانية للسلاح من دون إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي ووضع آلية دولية تمنع عودته.

وبذلك لا تصبح الضفة وغزة وسوريا ولبنان ملفات منفصلة، بل أجزاء من سياسة إسرائيلية واحدة تقوم على إنشاء مناطق عازلة، وإبقاء القوات في مواقع استراتيجية، وربط الانسحاب بشروط أمنية تُفرض على الطرف الآخر.

وهنا يظهر التحدي الأكبر أمام تحالف مكة: فهو يستطيع التعاون بصورة غير مباشرة مع إسرائيل في مواجهة إيران وحماس وحزب الله، لكنه لا يستطيع اكتساب شرعية عربية وإسلامية إذا قبل استمرار الاحتلال الإسرائيلي بعد إضعاف هذه القوى. فالاختبار ليس فقط من ينزع سلاح الفصائل، بل أيضاً ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب عندما تنتفي الذريعة التي استخدمتها للبقاء.

الملف الثاني عشر: غزة وحماس... مصر على الحدود والمغرب داخل القوة

تختلف غزة عن بقية الملفات لأنها تمس الموقف الشعبي والسياسي لأطراف التحالف، ولا يمكن التعامل معها كتهديد عسكري تقليدي.

مصر هي الطرف العربي الأكثر التصاقاً بالقطاع. فهي تدير الجانب المصري من معبر رفح، وتشارك في الوساطة، وترفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، كما وافقت مع الأردن على تدريب قوة شرطة فلسطينية يفترض أن تتولى الأمن الداخلي في غزة.

أما المغرب، فقد وقع اتفاقاً للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية، يشمل إرسال ضباط وعناصر من الدرك والشرطة ومستشفى ميدانياً. كما يجري إعداد مقر يتسع لنحو 150 جندياً مغربياً داخل منطقة تسيطر عليها إسرائيل في غزة.

وأعلنت دول أخرى، بينها إندونيسيا وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا وأوغندا، استعدادها للمساهمة في القوة، التي يمكن أن يصل حجمها على المدى الطويل إلى نحو 20 ألف عنصر، بالتوازي مع إعداد شرطة فلسطينية جديدة.

بالنسبة إلى السعودية، يرتبط دورها بالتمويل وإعادة الإعمار والغطاء السياسي، لكنها لا تريد الظهور كطرف ينزع سلاح الفلسطينيين لمصلحة استمرار الاحتلال. كما تربط الرياض التطبيع مع إسرائيل بمسار لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية.

تركيا تحتفظ بعلاقات سياسية مع حماس وتعارض السياسات الإسرائيلية، ولذلك يصعب قبول إسرائيل بمشاركة قوات تركية مباشرة في نزع سلاح الحركة. وقد يكون دور أنقرة أقرب إلى الوساطة وإقناع أطراف من حماس بقبول التحول السياسي، والمشاركة في الإعمار والإغاثة.

أما باكستان، التي لا تعترف بإسرائيل ورفضت دعوات الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، فمن المستبعد أن ترسل قوات تعمل بتنسيق أمني مباشر مع الجيش الإسرائيلي. لكن يمكن أن تدعم ترتيبات دولية تقوم على قرار من مجلس الأمن وموافقة فلسطينية وعربية.

لهذا سيبقى ملف غزة على الأرجح خارج المادة الدفاعية المباشرة لاتفاق مكة، مع حضور سياسي ومالي ودبلوماسي لأطرافه.

الملف الثالث عشر: غزة... انسحاب مشروط أم احتلال طويل المدى؟

يتجاوز ملف غزة مستقبل حماس أو تشكيل القوة الدولية؛ فالسؤال الأساسي هو: هل ستنسحب إسرائيل فعلاً، أم ستتحول السيطرة العسكرية الحالية إلى احتلال طويل المدى تحت اسم «المنطقة الأمنية»؟

بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة، بقيت إسرائيل في البداية مسيطرة على نحو 53% من مساحة القطاع. لكن الحكومة الإسرائيلية وسعت لاحقاً المنطقة الواقعة تحت سيطرة جيشها، وقال مسؤولون إسرائيليون إنها وصلت إلى ما بين 60% و70% من غزة.

وتربط إسرائيل الانسحاب الكامل بثلاثة شروط أساسية: تسليم سلاح حماس، وتدمير الأنفاق والبنية العسكرية، ووجود قوة أمنية بديلة تمنع إعادة بناء الحركة. أما حماس فتقول إن تسليم السلاح لا يمكن أن يسبق التزاماً إسرائيلياً واضحاً بوقف العمليات والانسحاب.

وهكذا نشأت دائرة مغلقة:

إسرائيل ترفض الانسحاب قبل نزع السلاح، بينما ترفض حماس تنفيذ نزع السلاح من دون ضمان الانسحاب.

وفي ظل غياب اتفاق على ترتيب الخطوات، تستمر إسرائيل في السيطرة على معظم الأرض، بينما يُدفع السكان إلى مساحات أصغر، وتتأخر إعادة الإعمار وعودة المؤسسات الفلسطينية.

ووافقت إسرائيل على دخول قوة دولية أولية تضم نحو 200 عنصر من المغرب وأوغندا إلى مناطق لا يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. كما يجري بناء مقر لقوات مغربية داخل المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.

لكن هذا الترتيب يطرح سؤالاً حساساً: هل ستكون القوة الدولية بديلاً مؤقتاً يساعد على انسحاب إسرائيل وعودة إدارة فلسطينية، أم ستتحول إلى قوة تدير الجيوب الفلسطينية بينما تحتفظ إسرائيل بالحدود والممرات والمنطقة العازلة؟

إذا انتشرت القوة الدولية فقط في المناطق التي تخليها إسرائيل تدريجياً، وخضعت لقرار دولي وجدول زمني للانسحاب الكامل، يمكن أن تكون جسراً نحو إنهاء الحرب. أما إذا عملت داخل مناطق محدودة، وبقيت إسرائيل تسيطر على 60% أو 70% من القطاع، فقد تصبح جزءاً من تقسيم غزة وليس تحريرها.

وتعد مصر الطرف الأكثر تأثراً بهذا الاحتمال. فهي ترفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وتخشى من بقاء كتلة سكانية كبيرة محصورة قرب حدودها، كما تريد أن تتولى شرطة فلسطينية مدربة إدارة الأمن بدلاً من الجيش الإسرائيلي أو حماس.

السعودية يمكن أن تقود التمويل وإعادة الإعمار، لكنها ستواجه صعوبة في دفع مليارات الدولارات داخل مناطق تبقى معرضة للعمليات الإسرائيلية. أما تركيا وباكستان فلن تقبلا بسهولة المشاركة في ترتيبات أمنية تُدار تحت السيطرة الإسرائيلية ولا تضمن دولة فلسطينية.

لذلك يجب أن يكون موقف تحالف مكة، إذا أراد دوراً في غزة، مرتبطاً بثلاثة شروط: جدول معلن للانسحاب الإسرائيلي، ووحدة غزة والضفة تحت إدارة فلسطينية واحدة، ومنع التهجير أو تحويل المناطق العازلة إلى حدود دائمة.

من دون ذلك، قد تنتقل غزة من حكم حماس إلى إدارة دولية محدودة، بينما يبقى الاحتلال الإسرائيلي صاحب السيطرة الفعلية على الأرض والجو والبحر.

ثالثاً: فلسطين والتطبيع وإعادة موازنة الإقليم

الملف الرابع عشر: الضفة الغربية... ضم بلا إعلان ودولة بلا أرض

تمثل الضفة الغربية الاختبار السياسي الأهم لأي نظام إقليمي جديد. فبينما تتحدث الولايات المتحدة والدول العربية عن دولة فلسطينية مستقبلية، تتحرك الحكومة الإسرائيلية على الأرض بطريقة تجعل قيام هذه الدولة أكثر صعوبة.

منذ اتفاق أوسلو، قسمت الضفة إلى ثلاث مناطق: المنطقة «أ» الخاضعة إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية، والمنطقة «ب» الخاضعة للإدارة الفلسطينية والسيطرة الأمنية المشتركة، والمنطقة «ج» التي تشكل نحو 60% من الضفة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

لكن هذا التقسيم المؤقت، الذي كان يفترض أن ينتهي بتسوية نهائية، تحول إلى واقع دائم. والأسوأ أن الحكومة الإسرائيلية بدأت خلال 2026 توسيع صلاحياتها الإدارية والأمنية إلى المنطقتين «أ» و«ب»، تحت عناوين مراقبة البناء والمياه والآثار والبيئة، بما يسمح بتوسيع عمليات الهدم ومنع التطوير الفلسطيني خارج المنطقة «ج» أيضاً.

كما أقرت الحكومة الإسرائيلية استئناف تسجيل الأراضي في الضفة للمرة الأولى منذ 1967، وتسهيل شراء المستوطنين للأراضي. ووصف الفلسطينيون ومنظمات إسرائيلية معارضة للاستيطان هذه الإجراءات بأنها «ضم فعلي» يجري من دون إعلان رسمي.

وفي حزيران/يونيو 2026 أعلنت إسرائيل توسيع أكثر من ألفي وحدة استيطانية في ثلاث مستوطنات، ضمن مسار متواصل لزيادة عدد المستوطنين وربط المستوطنات بالطرق والبنية التحتية الإسرائيلية.

هذا الواقع يعيد طرح الفرضية التي تقول إن التسوية المقبلة قد تمنح الفلسطينيين إدارة محدودة داخل أجزاء من المنطقة «أ»، بينما تبقى المنطقة «ج» والقدس والحدود والمستوطنات تحت السيطرة الإسرائيلية. لكن لا توجد حتى الآن وثيقة أميركية أو عربية معلنة تقر رسمياً إنشاء دولة فلسطينية في غزة مع حكم ذاتي محدود في الضفة.

الموجود هو خطر أن تفرض إسرائيل هذا النموذج على الأرض ثم تطلب من العالم التعامل معه بوصفه الحل الوحيد الممكن: تجمعات فلسطينية منفصلة تدير شؤون السكان، من دون سيادة على الحدود أو المجال الجوي أو الموارد الطبيعية أو التواصل الجغرافي.

وتتناقض هذه الإجراءات مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الذي خلص إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية، غير قانوني ويجب إنهاؤه في أسرع وقت ممكن.

بالنسبة إلى أطراف اتفاق مكة، تحمل الضفة أهمية تتجاوز التضامن السياسي. فالسعودية لا تستطيع التطبيع مع إسرائيل بينما يجري ضم الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية. وتركيا تعتبر منع الضم جزءاً من صراعها السياسي مع إسرائيل، بينما تربط باكستان أي اعتراف مستقبلي بإسرائيل بقيام دولة فلسطينية.

لكن التحالف لا يملك طريقاً عسكرياً واقعياً للتدخل في الضفة. أدواته ستكون سياسية واقتصادية وقانونية: دعم السلطة الفلسطينية، ومنع انهيار الاقتصاد، ورفض التعامل مع المستوطنات، والضغط على واشنطن، وربط التطبيع والاستثمارات والاتفاقيات الإقليمية بوقف الضم.

ولهذا قد تكون الضفة الملف الذي يحدد إن كان تحالف مكة سيصبح شريكاً في نظام إقليمي يتجاوز الفلسطينيين، أم قوة تستخدم وزنها لمنع تحويل الحكم الذاتي المؤقت إلى بديل دائم عن الدولة.

الملف الخامس عشر: شروط واشنطن للتطبيع... الأمن والتكنولوجيا مقابل الاعتراف بإسرائيل

لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع التطبيع العربي والإسلامي مع إسرائيل كمسار منفصل عن بقية ملفات المنطقة. فقد ربطت إدارة الرئيس دونالد ترامب بين الاعتراف بإسرائيل وبين التعاون النووي والأمني، وإنهاء الحرب مع إيران، وإعادة ترتيب غزة والنظام الإقليمي.

وفي أيار/مايو 2026 قال ترامب إنه طلب من السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن الانضمام بصورة جماعية إلى اتفاقيات أبراهام.

تبدو الدعوة غريبة بالنسبة إلى مصر والأردن، لأنهما تقيمان علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ عقود، لكنها تعني عملياً إدخالهما في بنية أوسع تقودها واشنطن وتربط العلاقات الاقتصادية والأمنية والعسكرية بين إسرائيل والدول العربية.

أما الضغط الأكبر فموجه إلى السعودية. ففي تموز/يوليو ربط ترامب تنفيذ اتفاق التعاون النووي المدني الأميركي–السعودي بانضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام، وقال البيت الأبيض إن الاتفاق «سيتوقف» إذا لم تطبع الرياض مع إسرائيل.

تريد السعودية برنامجاً نووياً مدنياً واسعاً، وإمكانية تخصيب اليورانيوم، وتكنولوجيا أميركية لبناء المفاعلات، إضافة إلى ضمانات أمنية وأسلحة متقدمة. في المقابل، تريد واشنطن اعترافاً سعودياً بإسرائيل، ودمج المملكة في منظومة إقليمية للدفاع الجوي والتجارة والطاقة.

لكن السعودية وضعت شرطاً مقابلاً: مساراً واضحاً لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية، وسبق أن حدد موقفها الرسمي هذه الدولة على أساس حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

هنا تظهر مفاوضات غير مباشرة بين شرطين:

واشنطن تقول: التكنولوجيا النووية والضمانات الأمنية مقابل التطبيع.

السعودية تقول: التطبيع مقابل دولة فلسطينية ومسار سياسي ملزم لإسرائيل.

ولا تبدو إسرائيل مستعدة حتى الآن لقبول الشرط السعودي، وخصوصاً مع وجود قوى داخل حكومتها ترفض الدولة الفلسطينية وتعمل على توسيع الاستيطان وضم الضفة.

أما باكستان فرفضت الدعوة الأميركية للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، لأنها لا تعترف بإسرائيل ولأن القضية الفلسطينية تمثل جزءاً من موقفها السياسي الداخلي والخارجي. وتركيا لديها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكنها أوقفت التجارة معها، ولذلك فإن المطلوب أميركياً منها ليس مجرد الاعتراف، بل إعادة العلاقات الاقتصادية والأمنية والتراجع عن دعم حماس والمواقف التصعيدية تجاه الحكومة الإسرائيلية.

وتواجه مصر والأردن معادلة مختلفة. فالسلام قائم، لكن واشنطن تريد منهما دوراً أكبر في أمن غزة وتدريب القوات الفلسطينية وحماية الحدود والمشاركة في نظام إقليمي تقوده إسرائيل والولايات المتحدة. في المقابل، تخشيان أن تتحولا إلى شريكين في إدارة الصراع من دون إنهاء الاحتلال.

يمكن أن يمنح اتفاق مكة السعودية قدرة أكبر على مقاومة الضغط الأميركي. فوجود باكستان وتركيا كشريكين عسكريين يقلل اعتماد الرياض الكامل على الضمانات الأميركية، ويمنحها بدائل في مجالات السلاح والتدريب والتكنولوجيا. لكنه لا يلغي حاجة السعودية إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في التكنولوجيا النووية المتقدمة وأنظمة الدفاع والعلاقات المالية.

لذلك قد يكون اتفاق مكة أيضاً ورقة تفاوض: السعودية تقول لواشنطن إنها تريد الشراكة، لكنها لم تعد مضطرة إلى قبول أي صيغة للتطبيع من دون ثمن فلسطيني حقيقي.

الملف السادس عشر: إسرائيل كقوة إقليمية... شريك في مواجهة إيران وخصم في صراع القيادة

لا يمكن فهم اتفاق مكة من دون تخصيص ملف مستقل لإسرائيل. فهي من جهة تقود، مع الولايات المتحدة، المواجهة العسكرية المباشرة ضد إيران، ما يخدم بصورة غير مباشرة مصالح السعودية في إضعاف القدرات الإيرانية وأذرع طهران. لكنها من جهة أخرى تعمل على توسيع نفوذها من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يثير مخاوف تركيا والسعودية وباكستان من تحولها إلى القوة الوحيدة القادرة على فرض قواعد الإقليم.

يمكن تقسيم الشبكة الإسرائيلية إلى ثلاث دوائر.

الدائرة الأولى هي التحالف العسكري المباشر مع الولايات المتحدة، الذي يوفر لإسرائيل السلاح والمعلومات والقدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة داخل إيران والمنطقة.

والدائرة الثانية تضم الدول التي تقيم علاقات علنية مع إسرائيل، وفي مقدمتها الإمارات والبحرين والمغرب، إضافة إلى معاهدتي السلام مع مصر والأردن. لكن مستوى التعاون ليس واحداً؛ فمصر والأردن تحافظان على السلام وترفضان في الوقت نفسه التهجير والسيطرة الإسرائيلية الدائمة على الأراضي الفلسطينية، بينما طورت الإمارات علاقات اقتصادية وأمنية أكثر اتساعاً.

أما الدائرة الثالثة، فهي شبكة العلاقات الممتدة نحو الهند وإثيوبيا وأرض الصومال والموانئ الواقعة على البحر الأحمر وخليج عدن. ولا تمثل هذه الدول حلفاً عسكرياً رسمياً، لكنها تتقاطع في مجالات السلاح والموانئ والتكنولوجيا والممرات التجارية ومواجهة النفوذ الإيراني والتركي.

في أرض الصومال، أصبح الوجود الإسرائيلي أكثر وضوحاً بعد اعتراف إسرائيل باستقلال الإقليم في كانون الأول/ديسمبر 2025. لكن يجب ضبط مسألة القاعدة الإسرائيلية بدقة. فقد قال وزير دفاع أرض الصومال في حزيران/يونيو 2026 إن إسرائيل لا تملك قاعدة عسكرية في الإقليم ولا توجد مفاوضات رسمية لإنشائها، لكنه أكد أن إسرائيل تدرب الشرطة والقوات العسكرية.

في المقابل، نشرت صحيفة «لوموند» تحقيقاً يقول إن الإمارات تعمل على توسيع منشأة عسكرية في مطار بربرة، يمكن أن تستخدمها أبوظبي وربما الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا يعزز فرضية بناء تسهيلات مشتركة، لكنه لا يثبت حتى الآن قيام قاعدة إسرائيلية مستقلة مكتملة.

أما في إثيوبيا، فتوجد علاقات أمنية وعسكرية قديمة مع إسرائيل، إضافة إلى تقاطع في المصالح حول أرض الصومال والوصول إلى البحر. لكن لا تتوافر أدلة موثوقة على إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية داخل إثيوبيا. لذلك الأدق الحديث عن نفوذ أمني وتعاون وتسهيلات محتملة، لا عن قواعد مؤكدة.

بالنسبة إلى أطراف اتفاق مكة، تتخذ العلاقة مع إسرائيل صوراً مختلفة. فباكستان لا تعترف بها وترفض التطبيع قبل حل القضية الفلسطينية. وتركيا تحتفظ بعلاقات دبلوماسية لكنها أوقفت التجارة وأصبحت في منافسة استراتيجية معها في سوريا وغزة والبحر الأحمر. أما السعودية فتتعاون مع الولايات المتحدة في مواجهة الأخطار الإيرانية، لكنها تربط الاعتراف بإسرائيل بمسار نحو دولة فلسطينية.

لهذا لا يمكن وصف اتفاق مكة بأنه جزء من تحالف تقوده إسرائيل، كما لا يمكن وصفه بأنه تحالف ضدها. الأرجح أنه يتعاون موضوعياً معها في تقليص نفوذ إيران، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى منعها من احتكار القوة والقرار الإقليميين.

وقد يصبح التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا والبحر الأحمر الاختبار الأخطر. فإذا حاولت إسرائيل إضعاف الحكومة السورية أو تحويل أرض الصومال إلى منصة عسكرية مقابلة لليمن، فقد تجد نفسها أمام مصالح تركية وسعودية مباشرة، حتى لو تجنب الطرفان الدخول في مواجهة عسكرية معلنة.

الملف السابع عشر: الخلاف السعودي–الإماراتي... هل يوازن التحالف نفوذ أبوظبي؟

لا تشير اتفاقية مكة رسمياً إلى الإمارات، لكن توقيتها وتركيبة أطرافها يجعلانها جزءاً من معادلة التنافس بين الرياض وأبو ظبي.

ظهر الخلاف إلى العلن في اليمن عندما دعم الطرفان قوى مختلفة داخل المعسكر المناهض للحوثيين. السعودية دعمت الحكومة المعترف بها دولياً وتمسكت، على الأقل رسمياً، بوحدة اليمن، بينما دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى إلى انفصال الجنوب ويسيطر على قوات وموانئ وجزر استراتيجية.

وبلغ التوتر ذروته في كانون الأول/ديسمبر 2025، عندما استهدفت السعودية ميناء المكلا وقالت إن شحنة عسكرية وصلت لدعم الانفصاليين المدعومين إماراتياً. أعقب ذلك طلب بخروج القوات الإماراتية وإعلان أبو ظبي سحب ما تبقى منها. وكشفت الحادثة، وفق رويترز، عمق عدم الثقة بين الدولتين.

ولا يقتصر الخلاف على اليمن. فالسعودية تنظر بقلق إلى شبكة النفوذ الإماراتية الممتدة عبر الموانئ والجماعات المحلية في السودان والصومال وأرض الصومال وليبيا. وترى الرياض أن دعم القوى الانفصالية أو شبه العسكرية يهدد نموذج الدولة المركزية ويخلق كيانات صغيرة مرتبطة بموانئ وشبكات تجارية وأمنية خارجية.

تركيا تلتقي مع السعودية في رفض تقسيم الصومال واليمن، وفي دعم الحكومة السودانية والجيش السوداني، لكنها تختلف معها أحياناً في وسائل إدارة هذه الملفات. أما باكستان فستكون أكثر حذراً، لأنها ترتبط بعلاقات اقتصادية وعسكرية قوية مع الإمارات ولا ترغب في تحويل اتفاق مكة إلى مواجهة خليجية.

لذلك لا يبدو التحالف موجهاً لضرب الإمارات، لكنه يمنح السعودية ثقلاً عسكرياً وسياسياً إضافياً لموازنة النفوذ الإماراتي ووقف توسع القوى المحلية المدعومة من أبو ظبي عندما يتعارض ذلك مع الأمن السعودي.

الملف الثامن عشر: الصومال... لماذا تركيا ولماذا مصر؟

الصومال ليس ملفاً منفصلاً عن البحر الأحمر، بل يمثل الضفة المقابلة لليمن عند مدخل باب المندب. ومن يملك حضوراً عسكرياً في الصومال يستطيع مراقبة خليج عدن وخطوط الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.

تركيا هي الدولة الأكثر حضوراً هناك. فهي تدير قاعدة تدريب عسكرية كبيرة في مقديشو، وتدرب وحدات من الجيش الصومالي، ووقعت اتفاقيات للدفاع البحري والتنقيب عن النفط والغاز. وفي مطلع 2026 نشرت ثلاث طائرات «إف-16» في مقديشو، وأرسلت قطعاً بحرية إلى خليج عدن لحماية عملياتها ومصالحها البحرية. والمهمة المعلنة لهذا الانتشار هي دعم الحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب وحماية السيادة الصومالية، لكنه يمنح أنقرة أيضاً موقعاً متقدماً قرب باب المندب.

أما مصر، فلم يعد دقيقاً القول إنها بقيت خارج الصومال تماماً. فقد أرسلت منذ 2024 شحنات أسلحة وذخائر، بينها مدافع ومعدات دفاع جوي، بعد توقيع اتفاق أمني مع مقديشو. كما وافق الاتحاد الأفريقي على مساهمة مصر بـ1,091 عسكرياً في بعثة دعم واستقرار الصومال «أوصوم». وفي شباط/فبراير 2026 شهد الرئيس الصومالي عرض القوات والمعدات المصرية المخصصة للبعثة، بما شمل طائرات ومروحيات.

لكن المعلومات المتاحة لا تثبت أن كامل القوة المصرية المقترحة أصبحت منتشرة وتعمل في جميع القطاعات؛ فالانتقال تأخر بسبب الترتيبات بين الدول المشاركة والتمويل وتوزيع مناطق المسؤولية. لذلك الأدق أن نقول إن الانتشار المصري بدأ، لكنه لم يكتمل بالحجم الذي جرى الحديث عنه سابقاً.

الدافع المعلن لمصر هو محاربة حركة الشباب ودعم الدولة الصومالية، لكن وراءه أيضاً الصراع مع إثيوبيا. فقد وقعت أديس أبابا اتفاقاً مع إقليم أرض الصومال للحصول على منفذ بحري وإقامة منشأة بحرية، بينما ترى مصر أن وجوداً إثيوبياً عسكرياً على البحر الأحمر سيضيف ضغطاً استراتيجياً جديداً إلى أزمة سد النهضة.

السعودية معنية من جانبها بمنع تحول الضفة الأفريقية للبحر الأحمر إلى شبكة قواعد وموانئ تسيطر عليها قوى منافسة. أما دور باكستان في الصومال، إذا توسع، فسيكون على الأرجح في التدريب والمعدات والمراقبة البحرية، وليس عبر انتشار بري كبير.

الملف التاسع عشر: السودان وسد النهضة وأرض الصومال... صراع واحد على ضفتي البحر

تلتقي في السودان والقرن الأفريقي معظم تناقضات الإقليم: الخلاف السعودي–الإماراتي، والصراع المصري–الإثيوبي، والوجود التركي في الصومال، والتحرك الإسرائيلي في أرض الصومال، والتنافس على الموانئ والذهب وطرق التجارة.

في السودان، تقف مصر بوضوح إلى جانب الجيش السوداني والدولة المركزية، ونشرت طائرات مسيّرة تركية الصنع قرب حدودها مع السودان. وذكرت رويترز أن الجيش السوداني يستخدم مسيّرات تركية وإيرانية، وأنه حصل على دعم سياسي ومساعدات من السعودية وقطر، بينما اتهم خبراء أمميون ومسؤولون سودانيون الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي بصورة متكررة.

تحاول السعودية الجمع بين دعم وحدة السودان واستمرار وساطة جدة، لأنها لا تريد انهيار دولة مطلة على البحر الأحمر أو قيام سلطة مسلحة غير مستقرة قرب موانئه. أما تركيا فترتبط بالجيش السوداني وبمشروعات ومصالح على الساحل، ما يضعها موضوعياً أقرب إلى الموقفين المصري والسعودي.

يمتد الصراع إلى إثيوبيا وأرض الصومال. فقد وقعت إثيوبيا اتفاقاً للحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة وإمكانية إقامة وجود بحري، بينما أصبحت إسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2025 أول دولة تعترف رسمياً باستقلال أرض الصومال.

رفضت الصومال ومصر وتركيا وباكستان هذا الاعتراف، ورأت فيه تهديداً لوحدة الصومال واستقرار البحر الأحمر. وتتهم مقديشو الإمارات، التي تملك استثمارات ونفوذاً في ميناء بربرة، بتشجيع الاعتراف الإسرائيلي، وهو اتهام تنفيه أبوظبي.

بالنسبة إلى مصر، لا يمكن فصل هذه التطورات عن سد النهضة. فالقاهرة ترى أن حصول إثيوبيا على قاعدة أو منفذ عسكري مستقل على البحر الأحمر، بالتزامن مع تحكمها في سد ضخم على النيل الأزرق، سيمنحها ورقتي ضغط في المياه والبحر معاً.

أما تركيا فتوجد في موقع أكثر تعقيداً: فهي حليف عسكري للصومال ورافضة لتقسيمه، لكنها تحتفظ بعلاقات اقتصادية وسياسية قوية مع إثيوبيا، وسبق أن توسطت بين مقديشو وأديس أبابا. لذلك يمكن أن تتحول إلى جسر للتسوية أو إلى طرف منحاز للصومال إذا انهارت الوساطة.

الملف العشرون: الأكراد... بين دمج «قسد» وإنهاء حزب العمال

يمثل الملف الكردي إحدى أهم القضايا التي ترتبط مباشرة بالأمن القومي التركي، لكنه لا يقتصر على حدود تركيا، بل يمتد عبر سوريا والعراق ويؤثر في العلاقة بين أنقرة وواشنطن ودمشق وإقليم كردستان العراق.

وتتعامل تركيا مع هذا الملف عبر مسارين متوازيين: الأول داخلي، يهدف إلى إنهاء الصراع مع حزب العمال الكردستاني؛ والثاني إقليمي، يسعى إلى منع قيام تشكيل عسكري كردي مستقل على حدودها الجنوبية.

قدمت الحكومة التركية في آب/أغسطس 2026 مشروع قانون يفتح الباب أمام عودة وإعادة دمج آلاف المنتمين إلى حزب العمال الذين لم يتورطوا في جرائم جسيمة، مع إخضاع عملية نزع السلاح للتحقق من مجلس الأمن القومي التركي. ويأتي ذلك ضمن مسار بدأ منذ 2024 لإنهاء تمرد استمر أكثر من أربعة عقود.

أما في سوريا، فقد توصلت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والدمج التدريجي للقوات والمؤسسات الكردية داخل الدولة. لكن أسئلة مهمة ما تزال عالقة، بينها مصير السلاح الثقيل، وطريقة دمج المقاتلين، وحدود الإدارة المحلية، والسيطرة على الموارد النفطية والمعابر والسجون التي تضم عناصر من تنظيم داعش.

ترى تركيا أن نجاح الاتفاق السوري يجب أن ينهي وجود جيش كردي مستقل، وأن يخضع جميع المقاتلين لوزارتي الدفاع والداخلية السوريتين. وهي تعتبر أن وحدات حماية الشعب، التي تشكل العمود الفقري لقسد، امتداد لحزب العمال الكردستاني.

أما السعودية فتدعم استعادة الحكومة السورية السيطرة على كامل أراضي الدولة ومواردها، لكنها تحتاج إلى تسوية لا تقوم على إقصاء الأكراد أو حرمانهم من حقوقهم السياسية والثقافية. فالحل بالقوة وحدها قد يفتح تمرداً جديداً ويمنح تنظيم داعش فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.

وتقف باكستان أقرب إلى الموقف التركي في رفض الحركات الانفصالية المسلحة، بسبب تجربتها مع التمرد في بلوشستان وحركة طالبان باكستان. ويمكن أن تقدم تدريباً وخبرات في مراقبة الحدود ومكافحة التنظيمات المسلحة، لكن الدور الأساسي في الملف سيبقى تركياً–سورياً.

وقد يكون دور تحالف مكة في هذا الملف دعم عملية مزدوجة: دمج قسد في الدولة السورية، بالتوازي مع إنجاح نزع سلاح حزب العمال في تركيا والعراق. لكن نجاح ذلك يتطلب التمييز بين مواجهة التنظيمات المسلحة وبين التعامل مع ملايين الأكراد بوصفهم مكوناً أصيلاً له حقوقه في تركيا وسوريا والعراق.

الملف الحادي والعشرون: باكستان والهند... ظل إسرائيل خلف حدود كشمير

بالنسبة إلى باكستان، لا تقتصر قيمة اتفاق مكة على إيران أو الشرق الأوسط. فالهند تبقى خصمها العسكري الأساسي، وقد شهد البلدان في 2025 أخطر مواجهة صاروخية وجوية بينهما منذ عقود.

وتتمتع الهند بعلاقة دفاعية واستراتيجية متقدمة مع إسرائيل، تشمل الطائرات المسيّرة والرادارات والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي. كما تشارك الهند مع الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات في مجموعة «I2U2»، وهي ليست حلفاً عسكرياً رسمياً، لكنها تعكس تقارباً اقتصادياً وتقنياً واستراتيجياً بين الدول الأربع.

في المقابل، تقف تركيا سياسياً إلى جانب باكستان في قضية كشمير وتربطهما مشروعات دفاعية وعسكرية. أما السعودية فتملك علاقات تاريخية وثيقة مع باكستان، لكنها تحتفظ أيضاً بعلاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع الهند.

وهنا تظهر واحدة من أكبر مناطق الغموض في الاتفاق: إذا اندلعت حرب جديدة وبدأت الهند الهجوم، فهل تعتبر السعودية وتركيا ذلك اعتداءً عليهما وفق الاتفاق؟ النص العام يوحي بذلك، لكن الحسابات السياسية قد تدفع الرياض إلى الوساطة وتقديم الدعم الدفاعي لباكستان بدلاً من الدخول في حرب مع الهند.

كذلك لا تعترف باكستان بإسرائيل، وقد رفضت رسمياً دعوة أميركية للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام. وهذا يعني أن اتفاق مكة لا يمكن وضعه بالكامل داخل نظام أمني تقوده إسرائيل؛ فأحد أعضائه ينظر إلى العلاقة الهندية–الإسرائيلية باعتبارها جزءاً من التهديد الذي يحتاج إلى موازنته.

الملف الثاني والعشرون: أفغانستان وبلوشستان... الجبهة الغربية لباكستان

لا تقتصر التهديدات الأمنية الباكستانية على الهند وكشمير. فمنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، تصاعد الخلاف بين إسلام آباد وكابول بسبب نشاط حركة طالبان باكستان، التي تتهمها الحكومة الباكستانية باستخدام الأراضي الأفغانية للتخطيط لهجمات داخل باكستان.

وتحول التوتر في 2026 إلى مواجهة عسكرية خطرة، بعد تنفيذ باكستان ضربات داخل أفغانستان واندلاع اشتباكات حدودية متكررة. وتقول إسلام آباد إن عملياتها تستهدف معسكرات طالبان باكستان وتنظيم داعش–خراسان، بينما تتهمها السلطات الأفغانية بانتهاك السيادة.

وإلى جانب أفغانستان، تواجه باكستان تمرداً انفصالياً في إقليم بلوشستان الممتد بمحاذاة الحدود مع إيران وأفغانستان. وتعد جماعة «جيش تحرير بلوشستان» أقوى هذه التنظيمات، وقد نفذت عمليات منسقة استهدفت قوات الأمن والبنية التحتية ومشروعات صينية.

تنبع أهمية بلوشستان من موقعها ومواردها، ومن وجود ميناء جوادر، الذي يمثل حجر الأساس في الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني. ولهذا فإن عدم الاستقرار في الإقليم لا يهدد باكستان وحدها، بل يهدد أيضاً المصالح الصينية والوصول الصيني إلى بحر العرب.

وتتهم باكستان الهند بدعم بعض الجماعات الانفصالية، وهو اتهام ترفضه نيودلهي. كما تواجه إسلام آباد مشكلة أكثر تعقيداً تتمثل في وجود المسلحين وتحركاتهم عبر الحدود الإيرانية والأفغانية، ما يجعل أي عملية عسكرية معرضة للتحول إلى أزمة مع دولتين مجاورتين.

هنا يمكن أن يوفر اتفاق مكة لباكستان دعماً سياسياً واستخبارياً وتقنياً. فتركيا تملك خبرة في مراقبة الحدود والطائرات المسيّرة ومواجهة التنظيمات العابرة للحدود، بينما تستطيع السعودية استخدام علاقاتها مع باكستان والحكومة الأفغانية والجهات الإقليمية للوساطة ومنع اتساع الحرب.

لكن الاتفاق يواجه سؤالاً قانونياً وسياسياً: إذا تعرضت باكستان لهجمات قادمة من داخل أفغانستان، فهل يعد ذلك اعتداءً يستدعي التدخل الجماعي؟ وهل تستطيع السعودية وتركيا مساندة باكستان من دون الدخول في حرب مع الحكومة الأفغانية؟

الأرجح أن يكون الدعم في صورة معلومات وتدريب ومعدات وضغط دبلوماسي، لا في صورة قوات سعودية أو تركية تقاتل داخل أفغانستان. ومع ذلك، يكشف هذا الملف أن الاتفاق لا يخص الشرق الأوسط وحده، بل يمتد أمنياً حتى جنوب آسيا وحدود الصين.

الملف الثالث والعشرون: ليبيا وشرق المتوسط... اختبار المصالحة المصرية–التركية

لا يمثل شرق المتوسط ساحة عاجلة لاتفاق مكة، لكنه قد يصبح واحداً من أصعب اختباراته إذا انضمت مصر لاحقاً.

تدعم تركيا حكومة طرابلس وتحافظ على وجود عسكري واتفاقات أمنية وبحرية معها. ووقعت أنقرة وطرابلس في 2019 اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية يمنح تركيا وليبيا مناطق اقتصادية متصلة في المتوسط، وهو اتفاق رفضته مصر واليونان وقبرص وعدّته متعارضاً مع حقوقها البحرية.

وفي المقابل، دعمت مصر والإمارات خلال مراحل سابقة القوى الموجودة في شرق ليبيا، بينما دعمت تركيا حكومة طرابلس. لكن خريطة العلاقات بدأت تتغير؛ إذ حسنت تركيا علاقاتها مع القاهرة وأعادت فتح قنواتها مع شرق ليبيا أيضاً، في محاولة للتعامل مع جميع الأطراف وحماية اتفاقها البحري ومصالحها الاقتصادية.

ترتبط إسرائيل بهذا الملف من خلال علاقاتها مع اليونان وقبرص ومشروعات الغاز والطاقة في شرق المتوسط، وتنظر بحذر إلى التوسع البحري التركي. كما أن أي صدام حول حقول الغاز أو الحدود البحرية قد يضع تركيا في مواجهة شبكة من الشركاء الأوروبيين والإقليميين.

أما السعودية فليست طرفاً مباشراً في النزاع البحري، لكنها تستطيع استخدام علاقاتها مع مصر وتركيا والإمارات لدفع تسوية تمنع عودة المواجهة بالوكالة داخل ليبيا. ويبقى الدور الباكستاني محدوداً، باستثناء التعاون العسكري مع تركيا أو المشاركة في التدريب إذا طلبت حكومة ليبية معترف بها ذلك.

هذا الملف يفسر جزئياً تأخر مصر في الانضمام إلى اتفاق مكة. فالقاهرة لا يمكنها توقيع تعهد دفاعي كامل مع تركيا قبل توضيح ما إذا كانت خلافات شرق المتوسط وليبيا يمكن أن تتحول إلى التزام جماعي.

والأرجح أن يُستخدم الاتفاق هنا كإطار للوساطة وضبط الخلافات، لا كأداة عسكرية لدعم طرف ليبي على حساب آخر.

الملف الرابع والعشرون: أذربيجان وأرمينيا... تقاطع تركي–باكستاني مع إسرائيل

تمثل أذربيجان منطقة تقاطع نادرة بين تركيا وباكستان وإسرائيل. فتركيا تعد أذربيجان حليفاً استراتيجياً وشعباً شقيقاً، وساندتها سياسياً وعسكرياً خلال صراعاتها مع أرمينيا. كما ترتبط باكستان بعلاقات دفاعية وثيقة مع باكو وساندتها في قضية إقليم ناغورنو كاراباخ.

وفي الوقت نفسه، طورت أذربيجان شراكة عسكرية وأمنية واسعة مع إسرائيل، حصلت من خلالها على طائرات مسيّرة وأنظمة مراقبة وتسليح. وتنبع أهمية باكو لإسرائيل أيضاً من حدودها الطويلة مع إيران وموقعها القريب من شمال إيران.

هذا يعني أن أذربيجان تجمع في علاقاتها بين ثلاثة أطراف تتباعد مواقفها بشدة من إسرائيل: تركيا، وباكستان، وإسرائيل نفسها.

شهد عام 2025 توقيع إعلان سلام أميركي الرعاية بين أذربيجان وأرمينيا، وبدأت الدولتان خلال 2026 إعادة فتح طرق التجارة، لكن الاتفاق النهائي ما يزال مرتبطاً بقضايا قانونية ودستورية وحدودية.

كما بدأت تركيا وأرمينيا خطوات لتخفيف القيود وفتح التجارة المباشرة، في محاولة لتحويل جنوب القوقاز من ساحة حروب إلى ممر اقتصادي يربط آسيا بتركيا وأوروبا.

تستفيد السعودية من استقرار القوقاز وفتح ممرات التجارة والطاقة، لكنها لا تملك الدور العسكري نفسه الذي تملكه تركيا. ويمكن لتحالف مكة أن يمنح باكو دعماً سياسياً إضافياً، لكنه لا يبدو محتاجاً إلى تدخل عسكري ما دامت عملية السلام مستمرة.

الأهمية الحقيقية لهذا الملف أنه يكشف أن خريطة المحاور ليست ثابتة. فأذربيجان حليف وثيق لتركيا وباكستان، وفي الوقت ذاته شريك لإسرائيل، وقد تتحول إلى قناة خلفية لتخفيف التوتر التركي–الإسرائيلي أو إلى نقطة خلاف إذا حاولت إسرائيل استخدام أراضيها أو معلوماتها ضد إيران.

الملف الخامس والعشرون: قطر وعُمان... الجناح الذي يمنع التحالف من التحول إلى حرب مذهبية

لا تدخل قطر وعُمان ضمن اتفاق مكة، لكنهما تؤديان دوراً ضرورياً في البيئة المحيطة به. فكل تحالف دفاعي يحتاج إلى قناة تفاوض تمنع سوء التقدير وتوصل الرسائل إلى الخصوم، وخصوصاً إيران.

تتمتع عُمان بتاريخ طويل في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي تقود حالياً المحادثات المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز. لكن المفاوضات ما تزال معقدة، إذ تصر طهران على ربط فتح المضيق بشروط تتعلق بوقف الهجمات والعقوبات والوجود الأميركي.

أما قطر فتستخدم علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران وحركات المنطقة للوساطة في حرب إيران وغزة. وقد أعلنت الدوحة إحراز تقدم في جهود وقف الحرب وإعادة فتح هرمز، رغم استمرار الخلافات حول شروط طهران وآلية المرور البحري.

تتقاطع هذه الوساطة مع دور تركيا وباكستان، اللتين حافظتا على قنوات مع طهران وشاركتا في محاولات وقف الحرب. وأصبحت تركيا وباكستان ومصر أكثر نشاطاً في الوساطة إلى جانب قطر وعُمان، ما يمنح اتفاق مكة وجهاً سياسياً موازياً لوجهه العسكري.

أما السعودية فتحتاج إلى هذا الجناح الدبلوماسي، لأنها تريد ردع إيران ومنعها من تهديد منشآتها وممراتها البحرية، لكنها لا تريد حرباً مفتوحة تدمر الاقتصاد الخليجي وتعرقل مشروعاتها التنموية.

وقد تعمل قطر وعُمان كصمام أمان بين تحالف مكة وإيران: تنقلان الرسائل، وتختبران فرص التهدئة، وتمنعان تفسير كل انتشار عسكري تركي أو باكستاني بوصفه استعداداً لغزو إيران.

وهذا الدور يوضح أن النظام الإقليمي الجديد لا يتكون من جيوش ومحاور متقابلة فقط. فإلى جانب محور المواجهة الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، ومظلة الردع التي تبنيها السعودية وتركيا وباكستان، توجد شبكة وساطة تقودها عُمان وقطر وتشارك فيها مصر، وتحاول منع انتقال الردع إلى حرب إقليمية شاملة.

تكشف هذه المجموعة أن الملفات لا تقع على الدرجة نفسها من الالتزام الدفاعي. فالبحر الأحمر والهجمات على السعودية وأمن باكستان أقرب إلى الدفاع المباشر، بينما تقع سوريا والعراق والصومال ولبنان ضمن دعم الحكومات ومؤسسات الدولة. أما إسرائيل وليبيا والقوقاز وقطر وعُمان، فهي ملفات موازنة ووساطة تحدد الاتجاه السياسي للتحالف.

رابعاً: القوى الدولية ومسارات امتداد الحرب

الملف السادس والعشرون: الصين... حليف اقتصادي لإيران لا يريد القتال من أجلها

الصين هي القوة الأكثر تضرراً اقتصادياً من اضطراب الخليج، والأكثر حرصاً في الوقت نفسه على ألا تتحول إلى ضامن عسكري له. فهي تحتاج إلى نفط الخليج وإلى سلامة هرمز والبحر الأحمر، وتحافظ على علاقات متوازية مع إيران والسعودية والإمارات، ولا تريد أن تخسر هذه الشبكة بالدخول في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة.

عندما تعرضت إيران للهجوم، اكتفت بكين وموسكو بالإدانة والتحرك الدبلوماسي، وبقي دعمهما العسكري دون مستوى التدخل المباشر. وخلص تحليل لرويترز إلى أن إيران بقيت إلى حد كبير وحدها؛ لأن كلفة الصدام مع واشنطن أكبر من المكاسب المحتملة، ولأن الصين تضع تايوان وبحر الصين الجنوبي ومنافستها مع الولايات المتحدة في مرتبة أعلى من الدفاع عن شريك في الشرق الأوسط.

هذا لا يعني أن بكين محايدة بالمعنى الكامل. فقد مارست اتصالات دبلوماسية مع طهران ودول الخليج، وحاولت باكستان فتح مسار تفاوضي بدعم صيني، فيما أظهرت تقارير أن دول الخليج اختبرت قدرة الصين على كبح إيران وحماية الممرات. لكن الاستجابة الصينية بقيت قائمة على الوساطة والتجارة، لا على إرسال قوة لفتح هرمز.

وتظهر مصلحة الصين بوضوح في الطاقة. فقد زادت «سينوبك» مشترياتها من النفط الروسي لتعويض تراجع إمدادات الشرق الأوسط، وخفضت مشترياتها السعودية بصورة حادة خلال الاضطراب. هذه ليست حركة تحالف مع إيران أو ضد السعودية، بل محاولة لتقليل الخسارة وتأمين بديل سريع؛ وهي في الوقت نفسه تمنح روسيا منفعة اقتصادية من استمرار الأزمة.

ما علاقة اتفاق مكة بالصين؟

باكستان هي قناة الصين الأقرب إلى الاتفاق الجديد، بينما تمثل السعودية مورداً مهماً للطاقة، وتركيا عقدة عبور وتجارة بين آسيا وأوروبا. لذلك لا تبدو بكين خصماً للاتفاق، بل مستفيداً محتملاً من نجاحه في حماية الملاحة وخفض الهجمات على منشآت الخليج.

وفي المقابل، لن ترحب الصين بتحوله إلى جبهة هجومية مفتوحة على إيران؛ لأن ذلك يهدد تجارتها ونفوذها مع جميع الأطراف.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الصيني؟

الخطر الأقرب ليس إرسال جيش صيني إلى الخليج، بل استغلال انشغال واشنطن لزيادة الضغط حول تايوان: دوريات بحرية وجوية، وحصار تدريبي أو جزئي، وهجمات سيبرانية وحرب معلومات، وفرض وقائع في المضيق أو بحر الصين الجنوبي.

وقد بدأت تايوان في أغسطس/آب مناورات «هان كوانغ» السنوية التي تضمنت نقل الرئيس إلى مركز قيادة، وإبطاء الإنترنت المحمول عمداً، واختبار استمرار عمل القيادة والإنتاج العسكري تحت الهجوم.

لكن هذه الوقائع لا تكفي للقول إن غزواً صينياً أصبح وشيكاً. فالمناورات سنوية، وإن كانت أكثر واقعية، كما أن تقدير الاستخبارات الأمريكية المنشور في مارس/آذار قال إن الصين لا تخطط حالياً لغزو في عام 2027 ولا تملك جدولاً زمنياً ثابتاً، مع استمرارها في بناء القدرة وممارسة الإكراه.

لذلك يبقى التصعيد الرمادي والحصار المحدود أكثر احتمالاً من الغزو الشامل، ما لم تقع أزمة أو سوء تقدير يغير الحسابات.

خلاصة الملف الصيني: تريد الصين شرق أوسط مستقراً بما يكفي لاستمرار النفط والتجارة، ومضطرباً بما يكفي لإضعاف الهيمنة الأمريكية، لكنها لا تريد دفع ثمن حرب لإنقاذ إيران. امتدادها الأرجح اقتصادي ودبلوماسي وسيبراني، مع ضغط أكبر على تايوان، لا جبهة صينية مباشرة في الخليج.

الملف السابع والعشرون: روسيا... المستفيد من تشتيت واشنطن والفاعل من خلف الستار

روسيا أقرب عسكرياً إلى إيران من الصين، لكنها لم تدخل الحرب دفاعاً عنها. والسبب القانوني مهم: اتفاق الشراكة الاستراتيجية الروسي ـ الإيراني المنشور لا يتضمن التزاماً بالدفاع المشترك.

والسبب السياسي أهم: موسكو لا تريد صداماً مباشراً مع الولايات المتحدة، ولا خسارة علاقاتها مع السعودية ودول الخليج وإسرائيل، بينما تبقى حرب أوكرانيا أولويتها الأولى.

غير أن عدم التدخل العلني لا يساوي الغياب. فقد تحدث تقييم استخباري أوكراني عن صور أقمار صناعية ودعم سيبراني روسي لإيران، ونفت موسكو ذلك. ثم نقلت رويترز عن مصادر غربية أن محللين أمريكيين يحققون في احتمال مساعدة روسية لبعض الضربات الإيرانية، من دون وصولهم إلى نتيجة نهائية، مع إشارات إلى دعم تقني ومعلومات استهداف.

هذه نقطة يجب عرضها بوصفها تحقيقاً واتهاماً مدعوماً بمؤشرات، لا حقيقة قضائية مكتملة.

تستفيد موسكو من ثلاث نتائج للحرب الإقليمية:

انتقال جزء من الاهتمام الأمريكي من أوكرانيا إلى إيران.

استنزاف الصواريخ الاعتراضية والبعيدة المدى التي تحتاج إليها كييف.

ارتفاع قيمة النفط الروسي وتحول مشترين صينيين إليه عند تعطل الإمدادات الخليجية، وإن كانت الهجمات الأوكرانية والعقوبات تمنع تحويل ارتفاع الأسعار إلى مكسب روسي كامل.

ما علاقة اتفاق مكة بروسيا؟

تركيا عضو في الناتو وشريك لروسيا وخصم لها في ملفات أخرى؛ والسعودية لاعب أساسي في سوق النفط وقناة سياسية لا ترغب موسكو في خسارتها؛ وباكستان توسع علاقاتها مع روسيا مع بقائها شريكاً وثيقاً للصين.

لذلك يمنح اتفاق مكة روسيا مسارين متعارضين: إذا بقي دفاعياً، فقد يضبط الفوضى التي تهدد مصالحها؛ وإذا أصبح منصة لضرب إيران أو إقصاء موسكو من سوريا والخليج، فقد يدفعها إلى زيادة الدعم غير المعلن لطهران وحلفائها.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الروسي؟

المسرح الأرجح هو أوكرانيا، لا الخليج. تستطيع موسكو استغلال انشغال الولايات المتحدة لتكثيف الضغط الصاروخي، وتوسيع الهجمات على الموانئ والطاقة واللوجستيات، ومحاولة فرض وقائع ميدانية قبل الشتاء.

وقد قالت كييف إن تسليمات صواريخ الدفاع الجوي في 2026 هبطت إلى ثلث مستوى 2025، في وقت زادت فيه روسيا هجماتها وتوقعت أوكرانيا حملة جديدة على قطاع الطاقة.

أما خارج أوكرانيا، فالامتداد الروسي الأكثر ترجيحاً هو الدعم الاستخباري والسيبراني والتقني لإيران، والضغط الهجين على أوروبا، واستثمار وجودها وعلاقاتها في سوريا، وليس فتح جبهة روسية مباشرة ضد الولايات المتحدة.

الحد الذي يغير هذا التقدير هو إصابة قوات أو أصول روسية مباشرة، أو انتقال الصدام في البحر الأسود أو شرق المتوسط إلى مواجهة مع دولة أطلسية.

خلاصة الملف الروسي: موسكو لا تحتاج إلى إشعال حرب عالمية كي تربح؛ يكفيها أن تنشغل واشنطن، وأن تنقص صواريخ أوكرانيا، وأن يرتفع ثمن الطاقة. لذلك ستفضل حرب الظل في الشرق الأوسط والتصعيد الظاهر في أوكرانيا.

الملف الثامن والعشرون: أوكرانيا... من جبهة بعيدة إلى طرف تقني في أمن الخليج

لم تعد أوكرانيا متلقياً لتأثير حرب الشرق الأوسط فقط. فخبرتها في مواجهة المسيّرات الإيرانية الصنع جعلتها مورداً للخبرة العملياتية.

وفي أبريل/نيسان، قالت بريطانيا إن أوكرانيا يمكن أن تؤدي دوراً مفيداً في تأمين هرمز، وأفادت رويترز بأن كييف نشرت أكثر من مئتي خبير في الشرق الأوسط للمساعدة في التصدي لمسيّرات بعيدة المدى، وشاركت في مشاورات حماية الملاحة.

هذا الدور لا يجعل أوكرانيا عضواً في تحالف مكة، لكنه يفتح باب التعاون معها في التدريب على الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، ورصد المسيّرات وحماية المنشآت.

وتستطيع تركيا، بحكم علاقتها بكييف وعضويتها في الناتو، أن تكون صلة الوصل العملية، بينما تستطيع السعودية تمويل مشاريع أو شراء تقنيات، ويستفيد الطرفان من خبرة حرب حقيقية تراكمت خلال سنوات.

لكن المفارقة أن كل توسع في الدور الأوكراني شرق أوسطياً يحدث بينما تتضرر جبهتها الأصلية. فالصواريخ الاعتراضية نفسها مطلوبة في أوكرانيا والخليج وإسرائيل، والذخائر الأمريكية البعيدة المدى تعرضت لاستنزاف شديد في حرب إيران.

وهذا يحول الشرق الأوسط وأوكرانيا من جبهتين منفصلتين إلى سوق عسكري واحد يتنافسان فيه على المخزون والإنتاج والقرار السياسي.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الأوكراني؟

إذا طال القتال مع إيران، فمن المرجح أن توسع كييف ضرباتها بعيدة المدى داخل روسيا وعلى منشآت الطاقة واللوجستيات، لتعويض ضعف الاعتراض الجوي ورفع كلفة الحرب على موسكو. وسيزداد ثقل البحر الأسود وموانئ الجنوب وخطوط تصدير الطاقة.

أما مشاركة أوكرانية قتالية واسعة داخل إيران فتبقى أقل احتمالاً؛ دورها الأقرب هو الخبراء والاستخبارات والتكنولوجيا والدفاع ضد المسيّرات.

خلاصة الملف الأوكراني: أوكرانيا ليست الطرف الذي سيشعل حرب الشرق الأوسط، لكنها إحدى أكثر الدول تأثراً بطولها، وقد أصبحت جزءاً تقنياً محدوداً من مواجهتها. امتداد الحرب عليها سيكون عبر نقص السلاح الغربي وتصعيد روسي مقابل، لا عبر انتقال الجيش الأوكراني بكامل ثقله إلى الخليج.

الملف التاسع والعشرون: أوروبا... قوة دفاع بحري ودعم لأوكرانيا لا جبهة موحدة ضد إيران

الحديث عن «أوروبا» بوصفها جيشاً واحداً مضلل. فهناك الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، ودول ذات مواقف مختلفة.

وقد ظهر الانقسام عندما امتنعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، بحسب مصادر نقلت عنها رويترز، عن منح دعم عسكري أو مجال جوي لبعض العمليات الأمريكية ضد إيران. وهذا يعني أن اتساع الحرب لا يضمن تلقائياً انضمام العواصم الأوروبية إلى حملة هجومية.

لكن أوروبا حاضرة دفاعياً في البحر الأحمر. فقد مدد مجلس الاتحاد الأوروبي عملية «أسبيدس» حتى 28 فبراير/شباط 2027 لحماية السفن وحرية الملاحة، مع نطاق يشمل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وبحر العرب وخليج عُمان ومراقبة الوضع في هرمز.

التفويض دفاعي، وهذه الصفة مهمة: اعتراض تهديد لسفينة يختلف قانونياً وسياسياً عن قصف اليمن أو إيران.

وفي الجبهة الشرقية، تعهد حلفاء الناتو في قمة أنقرة بتقديم 70 مليار يورو من المعدات والمساعدة والتدريب لأوكرانيا في 2026، مع نية الحفاظ على مستوى مماثل في 2027.

لكن الالتزام السياسي يصطدم بعنق زجاجة صناعي: إنتاج صواريخ الدفاع الجوي أبطأ من الاستهلاك المتزامن في أوكرانيا والشرق الأوسط.

ما علاقة اتفاق مكة بأوروبا؟

العلاقة تمر أولاً عبر تركيا، العضو في الناتو. فإذا تعرضت تركيا لهجوم، يمكن أن تنشأ مسألة تداخل بين التزامها في اتفاق مكة والتزاماتها الأطلسية.

وقد أعلن الناتو تضامنه مع أنقرة بعد استهداف إيراني لتركيا في مارس/آذار، من دون أن يعني ذلك أن كل عملية تركية أو كل ملف في اتفاق مكة يصبح تلقائياً حرباً أطلسية.

أما مع السعودية وباكستان، فالدور الأوروبي أقرب إلى بيع السلاح والتدريب وحماية الملاحة والوساطة، وإلى المشاركة المحتملة في ترتيبات رقابة أو حفظ سلام في لبنان وغزة إذا توافرت موافقات سياسية وقانونية.

ولا توجد حتى الآن قرينة على قرار أوروبي جماعي بالمشاركة في حرب برية أو جوية شاملة ضد إيران.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الأوروبي؟

ستتأثر أوروبا في أربعة مسارح:

الجبهة الشرقية والبحر الأسود عبر روسيا.

المتوسط ولبنان وغزة عبر القواعد والبعثات الإنسانية وحفظ السلام.

البحر الأحمر عبر حماية السفن.

الداخل الأوروبي عبر الطاقة والتضخم واللجوء والهجمات السيبرانية على البنية التحتية.

أما التحول إلى حرب مباشرة فيرتبط غالباً بضرب دولة عضو في الناتو أو قوات أوروبية، لا بمجرد استمرار الحرب الإقليمية.

خلاصة الملف الأوروبي: ستدافع أوروبا عن الممرات وعن جناحها الشرقي، وتمول أوكرانيا وتضغط بالعقوبات والدبلوماسية، لكنها ستبقى منقسمة حيال الانضمام إلى حملة هجومية ضد إيران. أخطر ما يواجهها هو تزامن الاستنزاف في الشرق الأوسط مع تصعيد روسي في أوكرانيا.

الملف الثلاثون: كوريا الشمالية... الامتداد الآسيوي الذي وصل فعلاً إلى أوكرانيا

كوريا الشمالية ليست مجرد مراقب يستغل الأخبار لإطلاق تهديدات. لقد أصبحت شريكاً عسكرياً مباشراً لروسيا بموجب معاهدة تتضمن بند مساعدة متبادلة، وأرسلت منذ 2024 آلاف الجنود وكميات كبيرة من الذخائر والصواريخ.

وفي أغسطس/آب 2026، قالت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية إن وحدة صاروخية كورية شمالية بدأت الانتشار في منطقة فورونيج الروسية، مع احتمال تزويدها بعشرات الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق.

بعض الأرقام مصدره كييف ولم تؤكده موسكو وبيونغ يانغ، لكن أصل التدخل الكوري الشمالي في الحرب أصبح معلناً ومثبتاً، بما في ذلك مشاركة قوات في كورسك.

المكسب الكوري الشمالي مزدوج: موارد وعلاقات استراتيجية من روسيا، وخبرة ميدانية في الصواريخ والمسيّرات والحرب الحديثة. وهذا يجعل تأثير جبهة أوكرانيا قابلاً للعودة إلى شرق آسيا في صورة تحسينات تقنية وعقائدية.

كما أن الهجمات على إيران قد تعزز قناعة بيونغ يانغ بأن السلاح النووي هو ضمانة بقاء لا ورقة تفاوض يمكن التخلي عنها، وهو ما يزيد صعوبة أي تسوية مستقبلية.

وفي الوقت نفسه، واصلت كوريا الشمالية الاختبارات الصاروخية؛ فأطلقت صاروخاً قصير المدى في 6 أغسطس/آب، بعد سلسلة اختبارات خلال العام، وكانت قيادتها قد أعلنت خططاً لتطوير صواريخ عابرة للقارات وأنظمة هجومية جديدة مع إبقاء باب الحوار مشروطاً بتغيير السياسة الأمريكية. (

ما علاقتها باتفاق مكة؟

لا توجد علاقة مؤسسية مباشرة، لكن الصلة تمر عبر روسيا وأزمة المخزون العالمي. فكل صاروخ كوري شمالي يضاف إلى القدرة الروسية يرفع طلب أوكرانيا على صواريخ الاعتراض الغربية، وكل اعتراض يستخدمه الغرب في الشرق الأوسط يقلل هامش الدعم المتاح لكييف وشرق آسيا.

كما أن باكستان، بوصفها دولة نووية في الاتفاق، ستراقب أثر الشراكات العسكرية الجديدة في موازين الردع الآسيوية، من دون أن يعني ذلك وجود محور باكستاني ـ كوري شمالي.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الكوري؟

الأرجح هو استمرار الدعم لروسيا بالتدريب والذخائر والوحدات، بالتوازي مع مزيد من الاختبارات الصاروخية والضغط على كوريا الجنوبية واليابان والوجود الأمريكي.

وقد تستغل بيونغ يانغ انشغال واشنطن لرفع مستوى الاستفزازات البحرية أو الحدودية أو السيبرانية.

أما غزو شامل للجنوب فليس السيناريو الأرجح، لأن كلفته تهدد بقاء النظام وتستدعي رداً أمريكياً واسعاً وتضع الصين أمام فوضى لا تريدها.

خلاصة الملف الكوري الشمالي: هذا هو أوضح مثال على ترابط الجبهات من دون اتحادها؛ كوريا الشمالية تقاتل عملياً عبر روسيا في أوروبا، لكنها تستطيع نقل فوائد الخبرة والابتزاز السياسي إلى شرق آسيا. امتدادها الأرجح هو أوكرانيا وشبه الجزيرة الكورية والفضاء السيبراني، لا الشرق الأوسط مباشرة.

التحليل الختامي: الفرضيات ومسارات امتداد الحرب

بعد ترتيب الملفات من مركز القرار إلى ساحات الامتداد، تظهر أربع فرضيات تفسر الاتفاق من دون تحويل الاستنتاج إلى حقيقة مكتملة قبل توفر الدليل.

الفرضية الأولى: مظلة ردع واستقلال نسبي

القراءة الأقرب إلى النص المعلن هي أن الدول الثلاث تريد سد فجوة دفاعية ظهرت مع اتساع الصواريخ والمسيّرات واضطراب الممرات والشك في استدامة الضمانات الأميركية. في هذا السيناريو يبدأ التحالف بالإنذار المبكر والدفاع الجوي والبحري والتصنيع والتدريب، ولا ينتقل إلى العمليات خارج الحدود إلا بطلب حكومة أو عند تعرض عضو لهجوم واضح.

الفرضية الثانية: «اتركوا لنا الرأس واهتموا بالأذرع»

يمكن للوقائع أن تنتج قسمة عمل غير معلنة: تركز الولايات المتحدة وإسرائيل على القدرات الإيرانية داخل إيران، فيما تركز السعودية وتركيا وباكستان على حماية الممرات والدول ودعم تفكيك الشبكات المسلحة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. هذه فرضية تفسيرية قوية من حيث تلاقي المصالح، لكنها لا ترقى حتى الآن إلى إثبات خطة أميركية مركزية أو غرفة قيادة وزعت المهام على الجميع.

الفرضية الثالثة: موازنة إسرائيل بقدر احتواء إيران

لا تريد الدول الثلاث أن تخرج من تراجع النفوذ الإيراني إلى تفوق إسرائيلي بلا قيود. لذلك قد يتعاون التحالف بصورة غير مباشرة مع إسرائيل في مواجهة إيران وحلفائها، ثم يصطدم بها سياسياً أو أمنياً في سوريا وغزة والضفة والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. هذا التناقض يفسر لماذا يمكن للاتفاق أن يخدم إسرائيل في ملف ويقلقها في ملف آخر.

الفرضية الرابعة: ترابط الجبهات لا وحدة قيادتها

الصين وروسيا وأوكرانيا وأوروبا وكوريا الشمالية تتأثر بالتصعيد وتستفيد منه أو تدفع كلفته بطرق مختلفة، لكن ذلك لا يثبت وجود موعد واحد لحرب عالمية. الرابط الحقيقي هو المخزون العسكري والطاقة والممرات والوقت الأميركي: اشتعال جبهة يضعف الردع في جبهة أخرى ويمنح خصومها فرصة للحركة.

تحالف واحد... لكن التدخل ليس واحداً

تكشف هذه الملفات أن اتفاق مكة لا يحتاج إلى إرسال جيش ثلاثي إلى كل ساحة حتى يصبح مؤثراً. ففي بعض الجبهات، مثل البحر الأحمر والهجمات على السعودية، قد يظهر التحالف بصورة عسكرية مباشرة من خلال الدفاع الجوي والقوات البحرية والطائرات الباكستانية والتركية.

وفي العراق وسوريا والصومال، يرجح أن يعمل عبر حكومات هذه الدول، من خلال التدريب والاستخبارات والمعدات وتأمين الحدود. وفي غزة سيكون دوره سياسياً ومالياً أكثر منه عسكرياً. أما في المواجهة بين الهند وباكستان، فستكون قيمة الاتفاق في الردع والوساطة والدعم الدفاعي، لا في دخول السعودية وتركيا حرباً شاملة مع نيودلهي.

أما السودان واليمن والقرن الأفريقي، فهي الساحات التي يمكن أن يظهر فيها وجه آخر للتحالف: موازنة النفوذ الإماراتي–الإسرائيلي وشبكة الموانئ والجماعات المحلية، من دون إعلان الإمارات أو إسرائيل عدواً رسمياً.

وهكذا لا تتشكل أمامنا جبهة واحدة ضد إيران فقط، بل نظام موازنة جديد يمتد من كشمير إلى البحر الأحمر. إيران وأذرعها تمثل خطراً رئيسياً على السعودية، والهند تمثل الخطر الأول على باكستان، بينما ترى تركيا أن تمدد إسرائيل وتقسيم الدول وصعود القوى الكردية المسلحة يهدد مصالحها.

اتفاق مكة يجمع هذه التهديدات المختلفة تحت مظلة واحدة، لكن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما تتعرض إحدى الدول لأزمة لا يعتبرها الشريكان الآخران حربهما. عندها فقط سيتضح إن كان الاتفاق قد أنشأ تحالفاً عسكرياً فعلياً، أم مجرد شبكة واسعة لتبادل الحماية والمصالح.

الخلاصة: هل تتجدد الحرب، وأين ستقف حدودها؟

لا تبدو الفرضية الأدق أن العالم اتفق على موعد واحد لحرب شاملة، ولا أن اتفاق مكة وزع الأدوار سراً بين شرق أوسط وآسيا وأوروبا. الأدلة المتاحة تقول شيئاً أقل بساطة وأكثر خطورة: هناك حروب وأزمات مترابطة، لكل واحدة قيادتها وأسبابها، لكنها تتشارك السلاح والممرات والطاقة والوقت الأميركي.

لذلك يبقى تجدد التصعيد في الخريف احتمالاً قائماً لا قدراً محسوماً. يكفي أن تفشل ترتيبات هرمز، أو يعود القصف المتبادل بين واشنطن وطهران، أو تتوسع الهجمات الحوثية على السعودية والملاحة، أو تتعثر خطط نزع سلاح الفصائل في العراق وحزب الله في لبنان وحماس في غزة، أو يصطدم التوسع الإسرائيلي في سوريا ولبنان بمحاولة مقاومته.

إذا اتسعت الحرب فلن تتمدد بالطريقة نفسها لكل طرف. ستتركز الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران والخليج والجبهات المتصلة بغزة ولبنان وسوريا. وسيبدأ تحالف مكة، وفق منطقه المعلن، بالدفاع الجوي والبحري وحماية الأراضي والمنشآت، وقد ينتقل إلى دعم الحكومات في العراق وسوريا والصومال؛ لكنه لن يصبح تلقائياً تحالفاً لغزو إيران.

روسيا ستستثمر تشتيت الغرب في أوكرانيا وتعمل في الشرق الأوسط من خلف الستار. وستضغط الصين اقتصادياً ودبلوماسياً وقد ترفع مستوى الإكراه حول تايوان من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار بالغزو. وستوزع أوروبا قدراتها بين البحر الأحمر والجناح الشرقي، بينما تزيد كوريا الشمالية كلفة الحرب على أوكرانيا وتختبر خصومها في شرق آسيا.

أما السيناريو الأخطر، أي حرب متزامنة من الخليج إلى تايوان وأوكرانيا وكوريا، فيحتاج إلى قفزات لم تقع بعد: حصار صيني فعلي لتايوان، أو اشتباك روسي–أطلسي مباشر، أو هجوم كوري شمالي واسع، بالتزامن مع انهيار كامل للتفاوض الأميركي–الإيراني. وحتى 9 أغسطس/آب 2026 لا توجد أدلة علنية تثبت أن هذه القرارات اتخذت أو أن توقيتها منسق؛ فالاستعدادات لا تساوي صدور قرار الحرب.

تبقى المشكلة السياسية الأعمق أن بناء تحالفات لنزع سلاح الحوثيين أو الفصائل العراقية أو حزب الله أو حماس، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في غزة وأجزاء من سوريا ولبنان وضم الأرض وتفكيك المجال الفلسطيني في الضفة، لن ينتج «شرق أوسط جديداً» مستقراً. قد ينتج تفوقاً عسكرياً وترتيبات أمنية جديدة، لكنه يترك أسباب الصراع بلا حل.

النتيجة الأكثر ترجيحاً، إذن، ليست سلاماً كاملاً ولا حرباً عالمية وشيكة، بل مرحلة من «السلام الساخن»: هدن قصيرة، ونزع سلاح متنازع عليه، ووجود عسكري أجنبي، وسباق دفاع جوي، ومساومات على الممرات والحدود. يستطيع اتفاق مكة أن يصبح مظلة ردع تقلل الحرب إذا حُصر في الدفاع وربط الأمن بتسويات سياسية عادلة، كما يستطيع أن يصبح حلقة توسع إذا استخدمت عباراته العامة لتغطية عمليات هجومية في ساحات متعددة.

السؤال الحاسم ليس من وقّع مع من، بل كيف ستستخدم التحالفات قوتها: لإغلاق الجبهات أم لإعادة فتحها بشروط جديدة؟ وهل يكون الأمن شاملاً للدول والشعوب، أم مجرد توزيع جديد للقوة فوق احتلالات ونزاعات لم تُحل؟ عند هذا الحد فقط يمكن معرفة ما إذا كان اتفاق مكة بداية نظام إقليمي أكثر توازناً، أم مقدمة لجولة حرب أوسع.

ملاحظة تحريرية: هذا التحقيق تحليل سيناريوهات مبني على المعلومات العلنية المتاحة حتى 9 أغسطس/آب 2026. عُرضت الادعاءات الاستخبارية غير المحسومة بصفتها ادعاءات أو تقديرات، لا حقائق نهائية.

اتفاق مكة وإعادة رسم الأمن الإقليمي

ثلاثون ملفاً تختبر تحالف السعودية وتركيا وباكستان وحدود تدخله

القدس – معا – في السابع من آب/أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة اتفاقاً للدفاع المشترك مع تلميح لانضمام مصر لاحقا في لحظة تداخلت فيها جبهات الخليج والبحر الأحمر وغزة ولبنان وسوريا والعراق مع منافسات القرن الأفريقي وجنوب آسيا والحرب في أوكرانيا. يَعُدّ الاتفاق أي هجوم مسلح على دولة موقعة هجوماً على الدول الثلاث، لكنه يترك أسئلة التنفيذ وحدود الجغرافيا وطبيعة الخصم مفتوحة.

لا ينطلق هذا التحقيق من نتيجة مقررة سلفاً، بل من سؤالين مترابطين: هل يبني اتفاق مكة مظلة ردع إقليمية تقلل اعتماد أعضائه على الخارج، أم يؤسس لتوزيع أدوار أوسع تتولى فيه الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط على «الرأس» الإيراني بينما تهتم القوى الإقليمية بـ«الأذرع» والساحات المحيطة؟ ثم هل يقود هذا الترتيب إلى إغلاق الجبهات أم إلى حرب تتسع تحت عناوين الدفاع وحماية الملاحة ودعم الحكومات؟

ما الذي أُعلن وما الذي بقي غامضاً؟

الاتفاقية التي وقعت في مكة المكرمة نصت، وفق البيان المشترك، على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعد اعتداءً على جميعها، بما يستوجب التشاور والتنسيق واتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الخطر. وهي صيغة تقترب، من حيث المبدأ، من قاعدة الدفاع الجماعي التي تقوم عليها المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو).

لكن البيان الرسمي لم يكشف تفاصيل حاسمة تتعلق بآلية تنفيذ هذا الالتزام، أو طبيعة القوات التي يمكن نشرها، أو المناطق الجغرافية التي يشملها الاتفاق، أو ما إذا كان التحالف سيقيم قيادة عسكرية مشتركة وقوات دائمة وقواعد ومراكز عمليات موحدة.

وبحسب ما أُعلن، سيجري إنشاء لجنة وزارية للإشراف على تنفيذ الاتفاق، إلى جانب أمانة عامة مقرها السعودية. وهذا يعني أن الدول الثلاث لا تنظر إلى الاتفاق بوصفه إعلاناً سياسياً مؤقتاً، بل إطاراً مؤسسياً قابلاً للتوسع وبناء هياكل عسكرية وأمنية دائمة حوله.

وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن الاتفاق يشبه (من الناحية التقنية) المادة الخامسة في حلف الناتو، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه غير موجه ضد إيران أو أي دولة بعينها. كما أشار إلى إمكانية انضمام مصر مستقبلاً، وإلى اهتمام الدول المشاركة بإنشاء ترتيبات لحماية البحر الأحمر والممرات البحرية.

هذا النفي التركي لا يعني بالضرورة غياب العامل الإيراني عن خلفية الاتفاق، لكنه يكشف رغبة الدول الثلاث في عدم تقديم التحالف باعتباره محوراً مذهبياً أو جبهة معلنة لمهاجمة إيران. فالفرق كبير بين تحالف يهدف إلى ردع الهجمات وحماية الدول والممرات البحرية، وبين تحالف هجومي يعلن أن مهمته إسقاط دولة أو تغيير نظامها.

قدرات مختلفة يجمعها هدف واحد

تكمن أهمية الاتفاق في طبيعة الدول الموقعة عليه. فالسعودية تمتلك ثقلاً مالياً واقتصادياً كبيراً وموقعاً جغرافياً يربط الخليج بالبحر الأحمر، إضافة إلى استثمارات واسعة في الطيران والدفاع الجوي والصناعات العسكرية. أما تركيا، فتمتلك جيشاً كبيراً وخبرة عملياتية ممتدة من سوريا والعراق إلى ليبيا والصومال والبحر المتوسط، إلى جانب صناعة دفاعية متطورة في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ والسفن والمدرعات.

أما باكستان، فتمتلك جيشاً كبيراً وقدرات صاروخية وردعاً نووياً، ولها تاريخ طويل في التدريب والتعاون العسكري مع السعودية. كما أفادت تقارير دولية خلال العام الجاري بنشر آلاف العسكريين الباكستانيين وطائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي في السعودية، ضمن ترتيبات قُدمت بداية بوصفها مهام تدريبية واستشارية، لكنها تمتلك في الوقت نفسه قدرة عملياتية فعلية.

اجتماع هذه القدرات يمنح الاتفاق وزناً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي. فالسعودية تستطيع توفير التمويل والموقع والبنية السياسية، بينما توفر تركيا الخبرة العملياتية والصناعة العسكرية، وتضيف باكستان القوة البشرية والخبرة الدفاعية والبعد الاستراتيجي المرتبط بامتلاكها السلاح النووي.

لكن الاتفاقية المنشورة لم تقل إن الردع النووي الباكستاني أصبح مظلة تلقائية للسعودية وتركيا، كما لم تعلن الدول الثلاث إنشاء جيش موحد أو نقل قوات دائمة من دولة إلى أخرى. ولذلك فإن الحديث عن «ناتو إسلامي» مكتمل الأركان ما يزال سابقاً لأوانه.

لماذا الآن؟

جاء الاتفاق في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، بعد توسع المواجهة مع إيران، وتعرض منشآت وقواعد وممرات بحرية في الخليج لهجمات، وعودة التوتر إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر، وازدياد المخاوف من الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات التي تنفذها جماعات مسلحة مرتبطة بإيران.

وفي الوقت نفسه، تشهد المنطقة إعادة تشكيل واسعة لموازين القوة: سقوط النظام السابق في سوريا أضعف الممر الإيراني إلى لبنان، والحكومة العراقية تواجه ضغوطاً متزايدة لنزع سلاح الفصائل، وحزب الله يتعرض لضغط عسكري وسياسي غير مسبوق، بينما يجري البحث عن قوة عربية ودولية تتولى ترتيبات الأمن في غزة بعد نزع سلاح حماس.

ضمن هذا السياق، يمكن فهم اتفاق مكة بوصفه محاولة لبناء مظلة أمنية إقليمية لا تعتمد كلياً على الولايات المتحدة. فالدول الثلاث ترتبط بعلاقات مختلفة مع واشنطن وبكين وموسكو وحلف الناتو، لكنها تشترك في القلق من أن يؤدي ضعف النظام الإقليمي أو تراجع الضمانات الأميركية إلى تركها منفردة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة واضطراب طرق الطاقة والتجارة.

كما أن التحالف لا يبدو موجهاً لموازنة إيران وحدها. فتركيا والسعودية وباكستان لا تريد أن تتحول إسرائيل، بعد إضعاف إيران، إلى القوة الوحيدة القادرة على فرض قواعد الإقليم من دون موازنة. ولهذا يمكن أن يعمل الاتفاق في اتجاهين متوازيين: التعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل في بعض الملفات التي تتعلق بإيران والجماعات المسلحة، وبناء قوة مستقلة تحدّ من احتكار إسرائيل للتفوق الإقليمي في ملفات أخرى.

اتفاق دفاعي أم منصة للتدخل الإقليمي؟

العبارة الأساسية في الاتفاق تتعلق بالاعتداء الذي تتعرض له إحدى الدول الثلاث، لكنها لا تجيب عن السؤال الأكثر تعقيداً: ماذا لو جاء التهديد من جماعة مسلحة خارج حدود دولة عضو؟ وماذا لو طلبت حكومة عربية، مثل الحكومة السورية أو العراقية، مساعدة التحالف في مواجهة تنظيمات مسلحة داخل أراضيها؟ وهل تشمل حماية السعودية مثلاً ملاحقة مصدر الهجمات الحوثية داخل اليمن، أم تقتصر على اعتراض الصواريخ وحماية الحدود والملاحة؟

غياب هذه التفاصيل قد يكون مقصوداً. فالغموض يمنح الدول الثلاث حرية الحركة من دون الالتزام مسبقاً بحرب محددة، كما يتيح للتحالف التدخل تحت عناوين مختلفة، مثل حماية الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب، وتدريب القوات الحكومية، والدفاع الجوي، وحماية منشآت الطاقة، ومراقبة الحدود ووقف تهريب السلاح.

ومن هنا، لا يُقاس الاتفاق فقط بما كُتب في نصه المعلن، بل أيضاً بالتحركات العسكرية والسياسية التي سبقته ورافقته: الانتشار الباكستاني في السعودية، والوجود العسكري التركي في الصومال، والمشروعات التركية لبناء السفن العسكرية في جدة والدمام، والدعوة السعودية لإنشاء تحالف بحري لحماية البحر الأحمر، واحتمال انضمام مصر إلى الإطار الجديد.

لا تثبت هذه التحركات حتى الآن وجود خطة عمليات موحدة تشمل المنطقة بأكملها، لكنها تكشف أن اتفاق مكة لم يولد من فراغ، وأن الدول الثلاث كانت تبني خلال الفترة الماضية شبكة من التعاون الدفاعي والعسكري يمكن أن تتحول، عند الضرورة، إلى قوة إقليمية قادرة على العمل خارج حدودها.

يبقى السؤال: أين يمكن أن تظهر أولى مهام هذا التحالف؟ وهل ستكون البداية من البحر الأحمر في مواجهة الحوثيين، أم من سوريا لضبط الجماعات المسلحة وقطع طرق تهريب السلاح، أم من العراق لدعم الدولة في نزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران؟

مصر... الغائب الحاضر في اتفاق مكة

غياب الرئيس المصري عن مراسم توقيع الاتفاقية لا يعني أن مصر رفضت التحالف أو استُبعدت منه. فقد شاركت القاهرة في مجموعة التشاور الرباعية المعروفة باسم «R4»، التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، واستضافت في 21 حزيران/يونيو الاجتماع الرابع لوزراء خارجية الدول الأربع لمناقشة التطورات الإقليمية والحرب مع إيران وأمن الممرات البحرية.

كما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بعد توقيع اتفاق مكة، إن مصر قد تنضم لاحقاً بعد معالجة «بعض المسائل التقنية». ولم توضح القاهرة أو أنقرة طبيعة هذه المسائل، ولذلك لا يوجد حتى الآن تفسير مصري رسمي لعدم التوقيع.

لكن سلوك مصر الإقليمي يسمح بتحديد مجموعة من الاعتبارات التي ربما أخرت انضمامها.

أولها أن القاهرة تتحفظ عادة على الالتزامات التي تجعل تدخلها العسكري تلقائياً في نزاعات لا تمس حدودها مباشرة. فالانضمام إلى اتفاق يعتبر الاعتداء على باكستان أو تركيا اعتداءً على مصر قد يضع القاهرة نظرياً أمام أزمات مع الهند في كشمير، أو مع أطراف تواجه تركيا في سوريا أو شرق المتوسط، أو أمام مواجهة مباشرة مع إيران إذا تعرضت السعودية لهجوم جديد.

وثانيها أن مصر تريد الحفاظ على قيادتها المستقلة لملف البحر الأحمر. فقد أكدت القاهرة وإريتريا أن أمن البحر الأحمر ينبغي أن تتولاه الدول المطلة عليه، وهو موقف قد يتعارض جزئياً مع رغبة تركيا وباكستان، وهما دولتان غير مطلتين مباشرة على البحر الأحمر، في أداء دور عسكري دائم داخله.

وثالثها أن المصالحة المصرية–التركية، رغم تقدمها الكبير وعودة السفراء، ما تزال حديثة قياساً بسنوات الخلاف حول جماعة الإخوان المسلمين وليبيا وشرق المتوسط. الانتقال من المصالحة السياسية إلى تعهد دفاعي يشبه المادة الخامسة في حلف الناتو يحتاج إلى بناء ثقة عسكرية وقانونية أكبر.

كما أن مصر مرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل وشراكة عسكرية طويلة مع الولايات المتحدة، ولها حساباتها الخاصة في غزة والسودان وإثيوبيا. وقد تفضل البقاء داخل إطار تشاوري رباعي يمنحها التأثير من دون أن يفرض عليها التزاماً تلقائياً بكل قرارات التحالف.

لذلك يمكن وصف مصر بأنها الدولة الرابعة غير الموقعة: موجودة في المشاورات والملفات والعمليات الموازية، لكنها لم توافق بعد على الانتقال من التنسيق السياسي إلى الدفاع المتبادل الملزم.

من الاتفاق إلى ثلاثين ملفاً

لتمييز الوقائع من السيناريوهات، يرتب التحقيق ثلاثين ملفاً بحسب قربها من مركز القرار وخطرها على بنية الإقليم: يبدأ بمواقف الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ثم ينتقل إلى ساحات الردع والاشتباك المباشر، ففلسطين والتطبيع والتوازنات الإقليمية، وينتهي بالقوى الدولية ومسارات امتداد الحرب. وفي كل ملف يفصل بين ما أُعلن رسمياً، وما تدل عليه التحركات، وما يبقى فرضية تحتاج إلى دليل.

ملفات خاصة وإقليمية ودولية أمام التحالف

لا تتساوى الملفات التالية في احتمال التدخل أو شكله. بعضها يدخل مباشرة في الدفاع عن أراضي الدول الثلاث وممراتها، وبعضها لا يمكن الاقتراب منه إلا بطلب حكومة معترف بها، بينما تقع ملفات أخرى في نطاق الوساطة والتمويل والضغط السياسي. لهذا يعكس الترتيب الأهمية الاستراتيجية، لا افتراض وجود خطة عسكرية واحدة تشمل الجميع.

أولاً: القوى التي تحدد سقف الحرب

الملف الأول: الولايات المتحدة... شريك صامت أم مظلة لتقاسم الأعباء؟

حتى مساء 9 أغسطس/آب 2026، لم يظهر في البيانات العلنية رد أميركي رسمي مفصل على اتفاق مكة. وهذا الغياب مهم تحريرياً: فهو لا يسمح بوصف واشنطن مؤيدة للاتفاق أو رافضة له، لكنه يمنع أيضاً التعامل معه بوصفه خطوة معادية للولايات المتحدة لمجرد أنه يقلل الاعتماد الحصري عليها.

الدول الثلاث ترتبط بدرجات مختلفة بالشراكة الأمنية مع واشنطن: تركيا عضو في حلف الناتو، والسعودية شريك دفاعي رئيسي، وباكستان تحتفظ بقنوات عسكرية وسياسية ممتدة معها. لذلك تميل القراءة الأقرب إلى أن الاتفاق يضيف طبقة إقليمية إلى النظام الأمني الأميركي ولا يستبدله فوراً. وقد وصفت تحليلات منشورة دافع الاتفاق بأنه البحث عن بدائل مكملة في ظل الشكوك في استدامة الضمانات الأميركية، لا القطيعة معها.

هنا تبرز فرضية «اتركوا لنا الرأس واهتموا بالأذرع»: تتولى الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط المباشر على القدرات الإيرانية، بينما تحمي الدول الثلاث أراضيها وممراتها وتساعد الحكومات على احتواء الحوثيين والفصائل العراقية وطرق الإمداد إلى سوريا ولبنان. النتيجة العملياتية قد تشبه تقسيم العمل، لكن لا يوجد حتى الآن دليل علني على خطة أميركية مركزية وزعت هذه الأدوار مسبقاً.

يستفيد النهج الأميركي من تقاسم الأعباء وخفض الحاجة إلى انتشار دائم، لكنه يخلق في المقابل شركاء أقدر على رفض الطلبات الأميركية أو موازنة إسرائيل. لذلك سيقاس موقف واشنطن عملياً بما إذا كانت ستدعم تبادل الإنذار المبكر والتسليح والتدريب، وبكيفية تعاملها مع أي تحرك للتحالف في سوريا أو البحر الأحمر لا يطابق الأولويات الإسرائيلية.

خلاصة الموقف الأميركي: الصمت الرسمي لا يثبت وجود غرفة عمليات مشتركة، لكنه ينسجم مع قبول حذر بتحالف دفاعي يخفف العبء عن واشنطن ما دام لا يتحول إلى محور مستقل يصطدم بقواتها أو بحلفائها.

الملف الثاني: إسرائيل... مستفيد قَلِق لا رفض رسمي مثبت

لم يُعثر، حتى مساء 9 أغسطس/آب، على بيان رسمي إسرائيلي موثق يعلن رفض اتفاق مكة. وما ظهر علناً كان تغطية إعلامية وقراءات أمنية قلقة أكثر منه موقفاً حكومياً ملزماً. لذلك ينبغي التمييز بين «قلق إسرائيلي» يمكن رصده وبين ادعاء «رفض رسمي» لا تسنده حتى الآن وثيقة معلنة.

تستفيد إسرائيل من أي قدرة تضبط الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وتحد من حركة الحوثيين والفصائل العراقية وإمداد حزب الله. لكن الصحافة الإسرائيلية قدمت الاتفاق أيضاً بوصفه تجمعاً لثلاث قوى عسكرية كبيرة، إحداها نووية، في لحظة تنافس حاد بين أنقرة وتل أبيب.

مصدر القلق هو أن إضعاف إيران لا يعني قبول السعودية وتركيا وباكستان باحتكار إسرائيل للقوة الإقليمية. فتركيا تعارض توسع إسرائيل في سوريا، وباكستان لا تعترف بها، والسعودية تربط التطبيع بمسار فلسطيني. كما أن حضوراً تركياً–سعودياً أوسع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي قد يحد من حرية إسرائيل في بناء شبكات قواعد وشراكات من شرق المتوسط إلى أرض الصومال.

سيحاول الجانب الإسرائيلي، على الأرجح، الفصل بين وظيفتين للاتفاق: تشجيع ما يساعد في احتواء إيران وحلفائها، ومقاومة ما يحوله إلى ثقل موازن لإسرائيل أو مظلة سياسية للحكومة السورية والفلسطينيين. ومن هنا قد يكون أثر الاتفاق مزدوجاً: تعاون غير مباشر في ملف إيران، وتنافس مباشر أو غير مباشر في سوريا والبحر الأحمر وغزة.

خلاصة الموقف الإسرائيلي: الاتفاق مفيد حين يعمل ضد التهديد الإيراني، ومقلق حين يمنح ثلاث دول كبيرة استقلالاً دفاعياً وقدرة على تقييد التفوق الإسرائيلي. وهذا التناقض، لا الرفض المطلق، هو مفتاح قراءة علاقته بالتحالف.

الملف الثالث: إيران... ترحيب رسمي وحسابات قلقة

جاء أول رد إيراني بارز بصيغة ترحيب لا مواجهة. فقد رحب وزير الخارجية عباس عراقجي بالاتفاق ودعا إلى تضامن أكبر بين الدول ذات الأغلبية المسلمة والاعتماد على القدرات الذاتية. وفي الداخل الإيراني ظهرت قراءات متباينة: بعضها أراد توجيه الاتفاق ضد إسرائيل، وبعضها حذر من تحوله إلى مظلة لحماية السعودية من إيران وحلفائها .

ساعدت أنقرة طهران سياسياً بتأكيد أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو دولة بعينها، وأن طبيعة المساعدة ستحدد بعد التشاور في كل حالة. لكن هذا الضمان السياسي لا يلغي أن هجوماً إيرانياً مباشراً على السعودية، أو هجوماً كبيراً تنسبه الرياض إلى قوة حليفة لطهران، يمكن أن يختبر بند الدفاع الجماعي.

ستحاول إيران منع تماسك جبهة معادية عبر الحفاظ على علاقاتها مع تركيا وباكستان، وتقديم الاتفاق كفرصة لاستقلال إسلامي عن واشنطن وإسرائيل، وفتح قنوات مع السعودية. وفي الوقت نفسه ستراقب ما إذا كان التحالف سيتوقف عند الدفاع الجوي والبحري أم ينتقل إلى دعم نزع سلاح القوى المرتبطة بها في اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

إذا بقي الاتفاق دفاعياً، تستطيع طهران التعايش معه وربما استخدامه دليلاً على تراجع الاعتماد الإقليمي على الولايات المتحدة. أما إذا تحول إلى شبكة عمليات لإغلاق طرق السلاح وتفكيك الحلفاء المسلحين، فسيصبح تهديداً مباشراً لنموذج النفوذ الإيراني حتى من دون مهاجمة إيران نفسها.

خلاصة الموقف الإيراني: الترحيب محاولة لاحتواء الاتفاق وإعادة تعريفه، لا دليلاً على غياب القلق. والاختبار الحاسم سيكون تعريف «الاعتداء»: هل يقتصر على هجوم دولة، أم يمتد إلى عمليات جماعات مرتبطة بها؟

ثانياً: الردع والجبهات المباشرة

الملف الرابع: حرب إيران... بين ردع المركز واحتواء الأذرع

أصبحت الولايات المتحدة وإسرائيل الطرفين المباشرين في الحرب على إيران، بينما استُخدمت قواعد أميركية في البحرين والكويت والأردن ضمن البنية العسكرية الأميركية في المنطقة. وردت إيران باستهداف مواقع وقواعد أميركية في هذه الدول، إضافة إلى مهاجمة السعودية والإمارات وقطر ومصالح بحرية في الخليج.

لكن وجود القواعد الأميركية لا يكفي وحده لإثبات أن البحرين والكويت والأردن شاركت جميعها في العمليات الهجومية على إيران.

البحرين، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأميركي، اتخذت موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران، وأبدت استعداداً لتحمل استمرار المواجهة. أما الكويت فاستضافت قوات أميركية واعترضت صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية، لكنها دفعت دبلوماسياً باتجاه وقف الحرب، ونفت رسمياً أن تكون طائراتها شاركت في ضرب إيران. والأردن استضاف قوات أميركية ودافع عن مجاله الجوي واعترض مقذوفات، لكنه لم يعلن الانضمام إلى حرب هجومية.

ووفق مصادر خليجية تحدثت إلى رويترز، انقسمت دول الخليج إلى اتجاهين: السعودية والإمارات والبحرين طالبت بألا تنتهي الحرب مع بقاء قدرة إيران على تهديد الخليج وإغلاق هرمز، بينما ضغطت قطر وعُمان والكويت من أجل وقف سريع للقتال خوفاً من تداعياته الاقتصادية. تفاصيل الانقسام الخليجي.

أما أطراف اتفاق مكة، فلا تبدو راغبة في مهاجمة إيران مباشرة. السعودية تريد تحييد الصواريخ الإيرانية والأذرع المرتبطة بطهران، لكنها تشارك أيضاً في محاولات التهدئة. وتركيا وباكستان استضافتا محادثات ووساطات ورفضتا تقديم الاتفاق باعتباره موجهاً ضد إيران.

قد تكون قسمة العمل الفعلية على النحو الآتي: تركز الولايات المتحدة وإسرائيل على القدرات النووية والصاروخية والعسكرية داخل إيران، بينما يركز تحالف مكة على الدفاع عن السعودية، وتأمين البحر الأحمر، واحتواء الحوثيين والفصائل العراقية، ومنع انتقال السلاح الإيراني إلى سوريا ولبنان. لكنها قسمة مصالح مستنتجة من الوقائع، وليست خطة مشتركة معلنة.

الملف الخامس: الدفاع الجوي والردع النووي... المظلة غير المرئية

قد لا تكون الوظيفة الأهم لاتفاق مكة التدخل في دولة محددة، بل بناء منظومة دفاعية مشتركة ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات البحرية والسيبرانية.

أظهرت المواجهات الأخيرة أن دولاً تنفق مبالغ هائلة على السلاح يمكن أن تبقى معرضة لهجمات منخفضة الكلفة تنفذها طائرات مسيّرة أو صواريخ تطلق من مسافات بعيدة. ولذلك تحتاج الدول الثلاث إلى ما هو أكثر من شراء أنظمة منفصلة؛ تحتاج إلى ربط الرادارات ومراكز القيادة والدفاعات الجوية والبحرية داخل شبكة واحدة.

تستطيع السعودية توفير القواعد والتمويل والاستثمار في الصناعات العسكرية، بينما تمتلك تركيا خبرة عملياتية وصناعة متقدمة في المسيّرات والصواريخ والسفن والرادارات. وتضيف باكستان الطائرات المقاتلة والقوة البشرية والخبرة الصاروخية والقدرة النووية.

وقد نشرت باكستان بالفعل طائرات مقاتلة وقوات ومنظومات دفاع جوي في السعودية خلال 2026. كما يجري تعاون سعودي–تركي في مجالات الطائرات المسيّرة وبناء السفن العسكرية والاستثمار في شركات الدفاع.

ويمكن أن تشمل الخطوات العملية المقبلة:

إنشاء مركز موحد للإنذار المبكر وتبادل المعلومات.

ربط الرادارات ومنظومات اعتراض الصواريخ والمسيّرات.

تشكيل قوة بحرية مشتركة لحماية البحر الأحمر وبحر العرب.

إجراء تدريبات عسكرية دورية على الدفاع عن المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة.

تصنيع مشترك للمسيّرات والصواريخ والسفن والذخائر.

توزيع احتياطيات السلاح والوقود بحيث لا يؤدي استهداف قاعدة واحدة إلى تعطيل القدرة الدفاعية.

توحيد إجراءات القيادة والاتصال في أثناء الأزمات.

لكن أصعب المسائل ستكون تقنية وسياسية. فتركيا عضو في حلف الناتو وتعتمد جزئياً على أنظمة غربية، بينما تستخدم باكستان مزيجاً من التكنولوجيا الصينية والغربية والمحلية، وتعتمد السعودية على منظومات أميركية وأوروبية. وربط هذه الأنظمة قد يصطدم بقيود تتعلق بالأسرار العسكرية والتصدير والبرمجيات والسيطرة على البيانات.

أما السؤال الأكبر فهو: هل يشمل الردع النووي الباكستاني السعودية وتركيا؟

لا تتضمن الاتفاقية المنشورة أي نص يثبت ذلك، ولم تعلن باكستان نقل أسلحة نووية أو منح ضمان نووي تلقائي لشريكيها. لكن الغموض نفسه قد يخدم الردع، لأنه يترك الخصوم أمام احتمال أن يؤدي أي تهديد وجودي لإحدى الدول الثلاث إلى رد أوسع مما هو معلن.

لذلك ينبغي التعامل مع المظلة النووية بوصفها احتمالاً استراتيجياً ورسالة ردع، لا حقيقة قانونية أو عسكرية محسومة.

الملف السادس: البحر الأحمر والحوثيون... الاختبار الأقرب

يبدو البحر الأحمر الساحة الأكثر استعداداً لاستقبال أول نشاط عملي مرتبط بالتحالف. فقد بدأت جولة التصعيد الحالية عندما استهدفت قوات التحالف الذي تقوده السعودية مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية قالت إنها تحمل أسلحة وخبراء إلى الحوثيين. ورد الحوثيون بإطلاق صواريخ باتجاه جنوب السعودية، منهين عملياً حالة هدوء استمرت نحو أربع سنوات.

وبعد ذلك، نقلت رويترز عن مصادر إيرانية وإقليمية أن الطائرة كانت تقل عناصر من الحرس الثوري ومكونات متعلقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وأموالاً مخصصة لدعم الحوثيين، بينما نفت طهران ذلك وقالت إن الرحلة كانت إنسانية وتعيد وفداً حوثياً من إيران.

انتقل الحوثيون بعدها من الرد على الأراضي السعودية إلى إعلان حصار بحري على السفن والموانئ السعودية، وهاجموا ناقلات نفط في البحر الأحمر وخليج عدن، بينها ناقلة قرب ميناء ينبع. ولم تؤكد الرياض كل الادعاءات الحوثية، لكن التهديد أصبح مباشراً لمسار تصدير النفط السعودي، خصوصاً في ظل تعثر الملاحة عبر مضيق هرمز.

لهذا دعت السعودية إلى تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وشاركت عشرات الدول في الاجتماع، بينما أعلنت 14 دولة، بينها تركيا وباكستان ومصر، دعمها الرسمي للمبادرة.

في هذا الملف، تتوزع أدوار أطراف اتفاق مكة بصورة واضحة:

السعودية هي الدولة المستهدفة وصاحبة المصلحة المباشرة في حماية موانئها ومنشآت الطاقة وسفنها. وتركيا تمتلك قوة بحرية متقدمة وسفناً عاملة في خليج عدن، إضافة إلى وجود عسكري في الصومال ومشروعات لبناء وصيانة السفن العسكرية في جدة والدمام. أما باكستان فلديها خبرة بحرية في بحر العرب وقدرات على المرافقة والمراقبة، فضلاً عن وجود طائرات وقوات باكستانية داخل السعودية.

الأرجح أن يبدأ دور التحالف في صورة دفاع جوي وبحري، وتبادل للمعلومات، ومرافقة للسفن، ومراقبة الشحنات القادمة إلى اليمن. أما شن حرب برية واسعة ضد الحوثيين فيبقى قراراً أكثر تعقيداً بسبب تجربة الحرب السابقة وكلفتها السياسية والإنسانية.

الملف السابع: العراق والفصائل المسلحة... دعم الدولة أم ساحة مواجهة؟

يمثل العراق الجبهة البرية الشمالية التي تقلق السعودية. وقد تحدثت معلومات استخبارية سعودية وأميركية عن احتمال تنسيق هجمات على المملكة من الحوثيين جنوباً وفصائل عراقية موالية لإيران شمالاً.

وفي نهاية تموز/يوليو نفذت الولايات المتحدة والسعودية ضربات على مواقع فصائل عراقية مرتبطة بإيران، بعد اتهامها باستهداف قوات أميركية ومنشآت سعودية بحسب بيان القيادة المركزية الأميركية.

كما حددت السلطات العراقية 30 أيلول/سبتمبر موعداً لنزع سلاح الفصائل أو دمجها في المؤسسات الأمنية، وهددت بمعاملة الرافضين وفق قوانين مكافحة الإرهاب.

السعودية معنية مباشرة بهذا الملف، بينما تستطيع تركيا تقديم معلومات وخبرات عملياتية بحكم وجودها العسكري الطويل في شمال العراق وعملياتها ضد حزب العمال الكردستاني. ويمكن لباكستان أن تقدم التدريب والدفاع الجوي والحماية الفنية، لكنها لا تملك نفوذاً سياسياً عراقياً يوازي نفوذ السعودية وتركيا.

والشكل الأكثر واقعية لتدخل التحالف هو دعم الحكومة العراقية استخبارياً وسياسياً وعسكرياً، وليس دخول قوات ثلاثية لاحتلال مواقع الفصائل. فأي تدخل بري من دون موافقة بغداد قد يوحد خصوم الفصائل حول شعار مقاومة الوجود الأجنبي.

الملف الثامن: سوريا... حماية الدولة الجديدة وقطع الطريق الإيراني

سوريا هي الساحة التي تمتلك فيها تركيا الدور الأكبر بين أطراف الاتفاق. فلأنقرة قوات ونفوذ أمني وعلاقات مباشرة مع الحكومة السورية الجديدة، بينما لعبت السعودية دوراً أساسياً في منح هذه الحكومة الشرعية العربية والدولية ودعم رفع العقوبات عنها.

الهدف المباشر هنا لا يبدو «القضاء على القاعدة»، كما يُطرح أحياناً. فالقيادة السورية الحالية أعلنت انفصالها عن تنظيم القاعدة منذ سنوات، ولم يجد مراقبو الأمم المتحدة روابط نشطة بين قيادة الدولة الجديدة والتنظيم. الخطر المعلن حالياً هو تنظيم داعش، والمقاتلون الأجانب غير المنضبطين، وشبكات تهريب السلاح الإيرانية، وأي تشكيلات مسلحة تعمل خارج مؤسسات الدولة.

كما أن السيطرة السورية على الحدود مع العراق ولبنان تقطع الطريق الذي كانت إيران تستخدمه لإمداد حزب الله. وقد ضبطت السلطات السورية شحنة أسلحة متقدمة قادمة من العراق قيل إنها كانت متجهة إلى الحزب.

يمكن أن تقوم تركيا بالتدريب والدعم العسكري والاستخباري، بينما توفر السعودية التمويل والغطاء السياسي وإعادة الإعمار، وتشارك باكستان في التدريب ومكافحة الإرهاب. لكن لا يوجد حتى الآن ما يثبت اتخاذ قرار بنشر قوة تابعة لاتفاق مكة داخل سوريا.

الملف التاسع: الأراضي السورية... من احتلال الجولان إلى التوسع في المنطقة العازلة

يختلف ملف الوجود الإسرائيلي في سوريا عن غزة والضفة، لأنه يجمع بين احتلال قديم بدأ عام 1967 وتوسع عسكري جديد بدأ بعد سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024.

تحتل إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية منذ حرب 1967، وفرضت عليها قوانينها في 1981، في خطوة لم يعترف بها مجلس الأمن ومعظم المجتمع الدولي. وبعد اتفاق فصل القوات عام 1974، أُنشئت منطقة عازلة منزوعة السلاح تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف».

لكن بعد سقوط النظام السابق، دخلت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة وسيطرت على الجانب السوري من جبل الشيخ ونقاط أخرى، كما نفذت تحركات خارج منطقة الفصل. وقالت إسرائيل في البداية إن الانتشار مؤقت، ثم أعلن مسؤولون إسرائيليون أن القوات ستبقى على قمة جبل الشيخ إلى أجل غير محدد.

وتعتبر الأمم المتحدة أن دخول القوات الإسرائيلية إلى منطقة الفصل يخالف اتفاق 1974، وتؤكد أن قوات «أندوف» هي الجهة الوحيدة التي يفترض أن تنتشر داخلها.

تقول إسرائيل إن هدفها منع وجود قوات معادية قرب حدودها وحماية التجمعات الدرزية ومنع انتقال أسلحة إلى حزب الله. لكن الحكومة السورية ترى أن إسرائيل تستغل ضعف الدولة لفرض وقائع جديدة وتوسيع المنطقة الخاضعة لسيطرتها.

وجرت محادثات سورية–إسرائيلية بوساطة أميركية حول اتفاق أمني. وتطالب دمشق بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط النظام، والعودة إلى اتفاق 1974 ووقف الغارات. أما إسرائيل فتطالب بمنطقة واسعة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، وتحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن منطقة تمتد من دمشق باتجاه جبل الشيخ والمناطق المحيطة به.

يمس هذا الملف تركيا مباشرة، لأن أنقرة تريد بناء جيش سوري قوي يخضع للحكومة المركزية، بينما تريد إسرائيل إبقاء الجنوب السوري ضعيفاً ومنزوع السلاح. كما أن الغارات الإسرائيلية على المنشآت العسكرية السورية تقلل قدرة دمشق على مواجهة داعش وضبط الحدود.

السعودية تدعم وحدة سوريا وسيادتها، وقد استثمرت سياسياً واقتصادياً في استقرار الحكومة الجديدة. أما باكستان فسيكون دورها أقرب إلى الدعم السياسي والتدريب وإعادة بناء المؤسسات، وليس الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل.

ولا يرجح أن يرسل تحالف مكة قوات إلى جنوب سوريا لمواجهة الجيش الإسرائيلي، لأن ذلك قد يفتح حرباً واسعة. لكنه يستطيع دعم دمشق دبلوماسياً، وربط أي اتفاق إقليمي بعودة إسرائيل إلى خطوط فصل القوات، وتقديم أنظمة دفاع ومراقبة للحكومة السورية ضمن ترتيبات تمنع تحويل سوريا إلى ساحة تهديد لإسرائيل أو إلى دولة منزوعة القدرة على الدفاع عن نفسها.

وسيكون هذا الملف اختباراً حقيقياً للعلاقة بين تركيا وإسرائيل: هل تقبل أنقرة بوجود إسرائيلي طويل المدى في جنوب سوريا مقابل إنهاء الوجود الإيراني، أم تعتبر أن إسرائيل حلت محل إيران كقوة عسكرية خارجية تفرض إرادتها على الدولة السورية؟

الملف العاشر: حزب الله... الحلقة الأخيرة في طريق إيران إلى المتوسط

يستحق حزب الله ملفاً مستقلاً، لأنه يمثل النتيجة النهائية لسلسلة تمتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. فإذا فُككت الفصائل العراقية المرتبطة بطهران، وضبطت سوريا حدودها، وتوقفت شحنات السلاح، يصبح حزب الله معزولاً عن عمقه العسكري الخارجي.

وأقر الحزب بعد سقوط النظام السوري السابق بخسارة طريق الإمداد العسكري عبر سوريا. كما أعلنت السلطات السورية في تموز/يوليو 2026 ضبط شحنة أسلحة متقدمة قادمة من العراق قالت إنها كانت متجهة إلى الحزب.

في الوقت نفسه، تتولى إسرائيل الضغط العسكري المباشر، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى ربط انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان بتسليم حزب الله سلاحه. وتوصل لبنان وإسرائيل إلى قائمة أولية بالدول التي يمكن أن تشارك بقوات للتحقق من نزع السلاح، لكن الحزب ليس طرفاً في الاتفاق وما يزال يرفض التخلي الكامل عن قدرته العسكرية.

يرتبط دور السعودية في هذا الملف بدعم الدولة اللبنانية والجيش وإعادة بناء الاقتصاد، بما يسمح للحكومة باستعادة قرار الحرب والسلم. فالرياض لا تريد فقط نزع سلاح حزب الله، بل منع ظهور تنظيم مسلح جديد يحل مكانه نتيجة ضعف الدولة.

أما تركيا فيمكن أن تؤدي دوراً سياسياً وعسكرياً غير مباشر، عبر دعم الجيش اللبناني أو المشاركة في ترتيبات دولية للمراقبة. وقد تكون باكستان مقبولة نظرياً ضمن قوة دولية أو إسلامية للتحقق من وقف تهريب السلاح، لكنها لم تعلن حتى الآن استعدادها لإرسال قوات إلى لبنان.

ولا تعني خسارة السلاح بالضرورة اختفاء حزب الله. فقد يتحول إلى حزب سياسي واجتماعي، أو يحتفظ بشبكة أمنية سرية، أو ينقسم بين جناح يقبل العمل السياسي وآخر يرفض التسوية. كما أن محاولة نزع سلاحه بالقوة من دون تفاهم داخلي قد تدفع لبنان إلى صدام أهلي.

لذلك سيكون الهدف الأكثر واقعية هو إنهاء حزب الله كجيش مستقل مرتبط بإيران، وليس إلغاء وجوده السياسي والاجتماعي.

الملف الحادي عشر: جنوب لبنان... الانسحاب مقابل نزع سلاح حزب الله

بعد المواجهات المتكررة مع حزب الله، لم تعد إسرائيل تكتفي بالسيطرة على خمس نقاط حدودية كما كان الوضع بعد وقف إطلاق النار السابق. فقد توسعت خلال 2026 داخل جنوب لبنان، وأقامت ما تصفه بمنطقة عازلة تمتد في بعض المناطق عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

ووفق تقارير رويترز، تحدث مسؤولون إسرائيليون عن منطقة أمنية يصل عمقها إلى نحو عشرة كيلومترات على امتداد أجزاء من الحدود، بحجة منع حزب الله من الاقتراب من شمال إسرائيل.

وتربط إسرائيل انسحابها التدريجي بنزع سلاح حزب الله والتحقق من سيطرة الجيش اللبناني على المناطق التي تنسحب منها. أما لبنان فيطالب بخريطة زمنية للانسحاب الكامل، ويرفض أن يصبح الاحتلال أداة دائمة للضغط على الحكومة.

بدأ تطبيق الخطة عبر «مناطق تجريبية» ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، ثم ينتشر فيها الجيش اللبناني ويجري تفتيشها للتأكد من غياب سلاح حزب الله. لكن التجربة الأولى أظهرت صعوبة التنفيذ، لأن القوات الإسرائيلية بقيت قريبة، ولم يتمكن السكان من العودة بصورة طبيعية، بينما رفض حزب الله اعتبار الاتفاق ملزماً له.

وتختلف المناطق التي دخلتها إسرائيل بعد 2024 و2026 عن قضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، التي تحتلها إسرائيل منذ 1967 ويطالب بها لبنان، بينما تعتبرها الأمم المتحدة ضمن الأراضي السورية المحتلة إلى حين ترسيم الحدود السورية–اللبنانية. ويستخدم حزب الله استمرار احتلال شبعا ضمن مبررات الاحتفاظ بسلاحه.

وتحاول الخطة الأميركية معالجة المشكلة من خلال ترتيب متبادل: يسلم حزب الله سلاحه الثقيل، وينتشر الجيش اللبناني، ثم تنسحب إسرائيل تدريجياً. لكن كل طرف يخشى تنفيذ التزامه أولاً؛ فحزب الله يقول إن نزع السلاح قبل الانسحاب يترك لبنان مكشوفاً، بينما تقول إسرائيل إن الانسحاب قبل نزع السلاح يسمح للحزب بالعودة إلى الحدود.

السعودية هي الطرف الأكثر قدرة على دعم البديل اللبناني، من خلال تمويل الجيش والدولة وإعادة الإعمار بعد الانسحاب. ويمكن لتركيا وباكستان تقديم التدريب أو المشاركة في آلية دولية للتحقق إذا وافق لبنان، لكن لا توجد حتى الآن معلومات عن اختيارهما ضمن قائمة الدول المقترحة.

وقد تصبح سوريا عنصراً حاسماً في الحل، لأن ضبط حدودها مع لبنان يمنع إعادة تسليح حزب الله. وهنا تلتقي ملفات العراق وسوريا ولبنان في مسار واحد: نزع سلاح الفصائل العراقية، ووقف التهريب عبر سوريا، ثم تحويل حزب الله من قوة عسكرية إقليمية إلى حزب لبناني يعمل داخل الدولة.

لكن استمرار الاحتلال الإسرائيلي قد يعرقل هذا المسار بدلاً من تسريعه. فكلما طال وجود القوات الإسرائيلية، ازدادت قدرة حزب الله على تقديم سلاحه باعتباره ضرورياً للمقاومة. ولذلك لا يمكن بناء احتكار الدولة اللبنانية للسلاح من دون إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي ووضع آلية دولية تمنع عودته.

وبذلك لا تصبح الضفة وغزة وسوريا ولبنان ملفات منفصلة، بل أجزاء من سياسة إسرائيلية واحدة تقوم على إنشاء مناطق عازلة، وإبقاء القوات في مواقع استراتيجية، وربط الانسحاب بشروط أمنية تُفرض على الطرف الآخر.

وهنا يظهر التحدي الأكبر أمام تحالف مكة: فهو يستطيع التعاون بصورة غير مباشرة مع إسرائيل في مواجهة إيران وحماس وحزب الله، لكنه لا يستطيع اكتساب شرعية عربية وإسلامية إذا قبل استمرار الاحتلال الإسرائيلي بعد إضعاف هذه القوى. فالاختبار ليس فقط من ينزع سلاح الفصائل، بل أيضاً ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب عندما تنتفي الذريعة التي استخدمتها للبقاء.

الملف الثاني عشر: غزة وحماس... مصر على الحدود والمغرب داخل القوة

تختلف غزة عن بقية الملفات لأنها تمس الموقف الشعبي والسياسي لأطراف التحالف، ولا يمكن التعامل معها كتهديد عسكري تقليدي.

مصر هي الطرف العربي الأكثر التصاقاً بالقطاع. فهي تدير الجانب المصري من معبر رفح، وتشارك في الوساطة، وترفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، كما وافقت مع الأردن على تدريب قوة شرطة فلسطينية يفترض أن تتولى الأمن الداخلي في غزة.

أما المغرب، فقد وقع اتفاقاً للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية، يشمل إرسال ضباط وعناصر من الدرك والشرطة ومستشفى ميدانياً. كما يجري إعداد مقر يتسع لنحو 150 جندياً مغربياً داخل منطقة تسيطر عليها إسرائيل في غزة.

وأعلنت دول أخرى، بينها إندونيسيا وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا وأوغندا، استعدادها للمساهمة في القوة، التي يمكن أن يصل حجمها على المدى الطويل إلى نحو 20 ألف عنصر، بالتوازي مع إعداد شرطة فلسطينية جديدة.

بالنسبة إلى السعودية، يرتبط دورها بالتمويل وإعادة الإعمار والغطاء السياسي، لكنها لا تريد الظهور كطرف ينزع سلاح الفلسطينيين لمصلحة استمرار الاحتلال. كما تربط الرياض التطبيع مع إسرائيل بمسار لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية.

تركيا تحتفظ بعلاقات سياسية مع حماس وتعارض السياسات الإسرائيلية، ولذلك يصعب قبول إسرائيل بمشاركة قوات تركية مباشرة في نزع سلاح الحركة. وقد يكون دور أنقرة أقرب إلى الوساطة وإقناع أطراف من حماس بقبول التحول السياسي، والمشاركة في الإعمار والإغاثة.

أما باكستان، التي لا تعترف بإسرائيل ورفضت دعوات الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، فمن المستبعد أن ترسل قوات تعمل بتنسيق أمني مباشر مع الجيش الإسرائيلي. لكن يمكن أن تدعم ترتيبات دولية تقوم على قرار من مجلس الأمن وموافقة فلسطينية وعربية.

لهذا سيبقى ملف غزة على الأرجح خارج المادة الدفاعية المباشرة لاتفاق مكة، مع حضور سياسي ومالي ودبلوماسي لأطرافه.

الملف الثالث عشر: غزة... انسحاب مشروط أم احتلال طويل المدى؟

يتجاوز ملف غزة مستقبل حماس أو تشكيل القوة الدولية؛ فالسؤال الأساسي هو: هل ستنسحب إسرائيل فعلاً، أم ستتحول السيطرة العسكرية الحالية إلى احتلال طويل المدى تحت اسم «المنطقة الأمنية»؟

بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة، بقيت إسرائيل في البداية مسيطرة على نحو 53% من مساحة القطاع. لكن الحكومة الإسرائيلية وسعت لاحقاً المنطقة الواقعة تحت سيطرة جيشها، وقال مسؤولون إسرائيليون إنها وصلت إلى ما بين 60% و70% من غزة.

وتربط إسرائيل الانسحاب الكامل بثلاثة شروط أساسية: تسليم سلاح حماس، وتدمير الأنفاق والبنية العسكرية، ووجود قوة أمنية بديلة تمنع إعادة بناء الحركة. أما حماس فتقول إن تسليم السلاح لا يمكن أن يسبق التزاماً إسرائيلياً واضحاً بوقف العمليات والانسحاب.

وهكذا نشأت دائرة مغلقة:

إسرائيل ترفض الانسحاب قبل نزع السلاح، بينما ترفض حماس تنفيذ نزع السلاح من دون ضمان الانسحاب.

وفي ظل غياب اتفاق على ترتيب الخطوات، تستمر إسرائيل في السيطرة على معظم الأرض، بينما يُدفع السكان إلى مساحات أصغر، وتتأخر إعادة الإعمار وعودة المؤسسات الفلسطينية.

ووافقت إسرائيل على دخول قوة دولية أولية تضم نحو 200 عنصر من المغرب وأوغندا إلى مناطق لا يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. كما يجري بناء مقر لقوات مغربية داخل المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.

لكن هذا الترتيب يطرح سؤالاً حساساً: هل ستكون القوة الدولية بديلاً مؤقتاً يساعد على انسحاب إسرائيل وعودة إدارة فلسطينية، أم ستتحول إلى قوة تدير الجيوب الفلسطينية بينما تحتفظ إسرائيل بالحدود والممرات والمنطقة العازلة؟

إذا انتشرت القوة الدولية فقط في المناطق التي تخليها إسرائيل تدريجياً، وخضعت لقرار دولي وجدول زمني للانسحاب الكامل، يمكن أن تكون جسراً نحو إنهاء الحرب. أما إذا عملت داخل مناطق محدودة، وبقيت إسرائيل تسيطر على 60% أو 70% من القطاع، فقد تصبح جزءاً من تقسيم غزة وليس تحريرها.

وتعد مصر الطرف الأكثر تأثراً بهذا الاحتمال. فهي ترفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وتخشى من بقاء كتلة سكانية كبيرة محصورة قرب حدودها، كما تريد أن تتولى شرطة فلسطينية مدربة إدارة الأمن بدلاً من الجيش الإسرائيلي أو حماس.

السعودية يمكن أن تقود التمويل وإعادة الإعمار، لكنها ستواجه صعوبة في دفع مليارات الدولارات داخل مناطق تبقى معرضة للعمليات الإسرائيلية. أما تركيا وباكستان فلن تقبلا بسهولة المشاركة في ترتيبات أمنية تُدار تحت السيطرة الإسرائيلية ولا تضمن دولة فلسطينية.

لذلك يجب أن يكون موقف تحالف مكة، إذا أراد دوراً في غزة، مرتبطاً بثلاثة شروط: جدول معلن للانسحاب الإسرائيلي، ووحدة غزة والضفة تحت إدارة فلسطينية واحدة، ومنع التهجير أو تحويل المناطق العازلة إلى حدود دائمة.

من دون ذلك، قد تنتقل غزة من حكم حماس إلى إدارة دولية محدودة، بينما يبقى الاحتلال الإسرائيلي صاحب السيطرة الفعلية على الأرض والجو والبحر.

ثالثاً: فلسطين والتطبيع وإعادة موازنة الإقليم

الملف الرابع عشر: الضفة الغربية... ضم بلا إعلان ودولة بلا أرض

تمثل الضفة الغربية الاختبار السياسي الأهم لأي نظام إقليمي جديد. فبينما تتحدث الولايات المتحدة والدول العربية عن دولة فلسطينية مستقبلية، تتحرك الحكومة الإسرائيلية على الأرض بطريقة تجعل قيام هذه الدولة أكثر صعوبة.

منذ اتفاق أوسلو، قسمت الضفة إلى ثلاث مناطق: المنطقة «أ» الخاضعة إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية، والمنطقة «ب» الخاضعة للإدارة الفلسطينية والسيطرة الأمنية المشتركة، والمنطقة «ج» التي تشكل نحو 60% من الضفة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

لكن هذا التقسيم المؤقت، الذي كان يفترض أن ينتهي بتسوية نهائية، تحول إلى واقع دائم. والأسوأ أن الحكومة الإسرائيلية بدأت خلال 2026 توسيع صلاحياتها الإدارية والأمنية إلى المنطقتين «أ» و«ب»، تحت عناوين مراقبة البناء والمياه والآثار والبيئة، بما يسمح بتوسيع عمليات الهدم ومنع التطوير الفلسطيني خارج المنطقة «ج» أيضاً.

كما أقرت الحكومة الإسرائيلية استئناف تسجيل الأراضي في الضفة للمرة الأولى منذ 1967، وتسهيل شراء المستوطنين للأراضي. ووصف الفلسطينيون ومنظمات إسرائيلية معارضة للاستيطان هذه الإجراءات بأنها «ضم فعلي» يجري من دون إعلان رسمي.

وفي حزيران/يونيو 2026 أعلنت إسرائيل توسيع أكثر من ألفي وحدة استيطانية في ثلاث مستوطنات، ضمن مسار متواصل لزيادة عدد المستوطنين وربط المستوطنات بالطرق والبنية التحتية الإسرائيلية.

هذا الواقع يعيد طرح الفرضية التي تقول إن التسوية المقبلة قد تمنح الفلسطينيين إدارة محدودة داخل أجزاء من المنطقة «أ»، بينما تبقى المنطقة «ج» والقدس والحدود والمستوطنات تحت السيطرة الإسرائيلية. لكن لا توجد حتى الآن وثيقة أميركية أو عربية معلنة تقر رسمياً إنشاء دولة فلسطينية في غزة مع حكم ذاتي محدود في الضفة.

الموجود هو خطر أن تفرض إسرائيل هذا النموذج على الأرض ثم تطلب من العالم التعامل معه بوصفه الحل الوحيد الممكن: تجمعات فلسطينية منفصلة تدير شؤون السكان، من دون سيادة على الحدود أو المجال الجوي أو الموارد الطبيعية أو التواصل الجغرافي.

وتتناقض هذه الإجراءات مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الذي خلص إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية، غير قانوني ويجب إنهاؤه في أسرع وقت ممكن.

بالنسبة إلى أطراف اتفاق مكة، تحمل الضفة أهمية تتجاوز التضامن السياسي. فالسعودية لا تستطيع التطبيع مع إسرائيل بينما يجري ضم الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية. وتركيا تعتبر منع الضم جزءاً من صراعها السياسي مع إسرائيل، بينما تربط باكستان أي اعتراف مستقبلي بإسرائيل بقيام دولة فلسطينية.

لكن التحالف لا يملك طريقاً عسكرياً واقعياً للتدخل في الضفة. أدواته ستكون سياسية واقتصادية وقانونية: دعم السلطة الفلسطينية، ومنع انهيار الاقتصاد، ورفض التعامل مع المستوطنات، والضغط على واشنطن، وربط التطبيع والاستثمارات والاتفاقيات الإقليمية بوقف الضم.

ولهذا قد تكون الضفة الملف الذي يحدد إن كان تحالف مكة سيصبح شريكاً في نظام إقليمي يتجاوز الفلسطينيين، أم قوة تستخدم وزنها لمنع تحويل الحكم الذاتي المؤقت إلى بديل دائم عن الدولة.

الملف الخامس عشر: شروط واشنطن للتطبيع... الأمن والتكنولوجيا مقابل الاعتراف بإسرائيل

لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع التطبيع العربي والإسلامي مع إسرائيل كمسار منفصل عن بقية ملفات المنطقة. فقد ربطت إدارة الرئيس دونالد ترامب بين الاعتراف بإسرائيل وبين التعاون النووي والأمني، وإنهاء الحرب مع إيران، وإعادة ترتيب غزة والنظام الإقليمي.

وفي أيار/مايو 2026 قال ترامب إنه طلب من السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن الانضمام بصورة جماعية إلى اتفاقيات أبراهام.

تبدو الدعوة غريبة بالنسبة إلى مصر والأردن، لأنهما تقيمان علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ عقود، لكنها تعني عملياً إدخالهما في بنية أوسع تقودها واشنطن وتربط العلاقات الاقتصادية والأمنية والعسكرية بين إسرائيل والدول العربية.

أما الضغط الأكبر فموجه إلى السعودية. ففي تموز/يوليو ربط ترامب تنفيذ اتفاق التعاون النووي المدني الأميركي–السعودي بانضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام، وقال البيت الأبيض إن الاتفاق «سيتوقف» إذا لم تطبع الرياض مع إسرائيل.

تريد السعودية برنامجاً نووياً مدنياً واسعاً، وإمكانية تخصيب اليورانيوم، وتكنولوجيا أميركية لبناء المفاعلات، إضافة إلى ضمانات أمنية وأسلحة متقدمة. في المقابل، تريد واشنطن اعترافاً سعودياً بإسرائيل، ودمج المملكة في منظومة إقليمية للدفاع الجوي والتجارة والطاقة.

لكن السعودية وضعت شرطاً مقابلاً: مساراً واضحاً لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية، وسبق أن حدد موقفها الرسمي هذه الدولة على أساس حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

هنا تظهر مفاوضات غير مباشرة بين شرطين:

واشنطن تقول: التكنولوجيا النووية والضمانات الأمنية مقابل التطبيع.

السعودية تقول: التطبيع مقابل دولة فلسطينية ومسار سياسي ملزم لإسرائيل.

ولا تبدو إسرائيل مستعدة حتى الآن لقبول الشرط السعودي، وخصوصاً مع وجود قوى داخل حكومتها ترفض الدولة الفلسطينية وتعمل على توسيع الاستيطان وضم الضفة.

أما باكستان فرفضت الدعوة الأميركية للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، لأنها لا تعترف بإسرائيل ولأن القضية الفلسطينية تمثل جزءاً من موقفها السياسي الداخلي والخارجي. وتركيا لديها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكنها أوقفت التجارة معها، ولذلك فإن المطلوب أميركياً منها ليس مجرد الاعتراف، بل إعادة العلاقات الاقتصادية والأمنية والتراجع عن دعم حماس والمواقف التصعيدية تجاه الحكومة الإسرائيلية.

وتواجه مصر والأردن معادلة مختلفة. فالسلام قائم، لكن واشنطن تريد منهما دوراً أكبر في أمن غزة وتدريب القوات الفلسطينية وحماية الحدود والمشاركة في نظام إقليمي تقوده إسرائيل والولايات المتحدة. في المقابل، تخشيان أن تتحولا إلى شريكين في إدارة الصراع من دون إنهاء الاحتلال.

يمكن أن يمنح اتفاق مكة السعودية قدرة أكبر على مقاومة الضغط الأميركي. فوجود باكستان وتركيا كشريكين عسكريين يقلل اعتماد الرياض الكامل على الضمانات الأميركية، ويمنحها بدائل في مجالات السلاح والتدريب والتكنولوجيا. لكنه لا يلغي حاجة السعودية إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في التكنولوجيا النووية المتقدمة وأنظمة الدفاع والعلاقات المالية.

لذلك قد يكون اتفاق مكة أيضاً ورقة تفاوض: السعودية تقول لواشنطن إنها تريد الشراكة، لكنها لم تعد مضطرة إلى قبول أي صيغة للتطبيع من دون ثمن فلسطيني حقيقي.

الملف السادس عشر: إسرائيل كقوة إقليمية... شريك في مواجهة إيران وخصم في صراع القيادة

لا يمكن فهم اتفاق مكة من دون تخصيص ملف مستقل لإسرائيل. فهي من جهة تقود، مع الولايات المتحدة، المواجهة العسكرية المباشرة ضد إيران، ما يخدم بصورة غير مباشرة مصالح السعودية في إضعاف القدرات الإيرانية وأذرع طهران. لكنها من جهة أخرى تعمل على توسيع نفوذها من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يثير مخاوف تركيا والسعودية وباكستان من تحولها إلى القوة الوحيدة القادرة على فرض قواعد الإقليم.

يمكن تقسيم الشبكة الإسرائيلية إلى ثلاث دوائر.

الدائرة الأولى هي التحالف العسكري المباشر مع الولايات المتحدة، الذي يوفر لإسرائيل السلاح والمعلومات والقدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة داخل إيران والمنطقة.

والدائرة الثانية تضم الدول التي تقيم علاقات علنية مع إسرائيل، وفي مقدمتها الإمارات والبحرين والمغرب، إضافة إلى معاهدتي السلام مع مصر والأردن. لكن مستوى التعاون ليس واحداً؛ فمصر والأردن تحافظان على السلام وترفضان في الوقت نفسه التهجير والسيطرة الإسرائيلية الدائمة على الأراضي الفلسطينية، بينما طورت الإمارات علاقات اقتصادية وأمنية أكثر اتساعاً.

أما الدائرة الثالثة، فهي شبكة العلاقات الممتدة نحو الهند وإثيوبيا وأرض الصومال والموانئ الواقعة على البحر الأحمر وخليج عدن. ولا تمثل هذه الدول حلفاً عسكرياً رسمياً، لكنها تتقاطع في مجالات السلاح والموانئ والتكنولوجيا والممرات التجارية ومواجهة النفوذ الإيراني والتركي.

في أرض الصومال، أصبح الوجود الإسرائيلي أكثر وضوحاً بعد اعتراف إسرائيل باستقلال الإقليم في كانون الأول/ديسمبر 2025. لكن يجب ضبط مسألة القاعدة الإسرائيلية بدقة. فقد قال وزير دفاع أرض الصومال في حزيران/يونيو 2026 إن إسرائيل لا تملك قاعدة عسكرية في الإقليم ولا توجد مفاوضات رسمية لإنشائها، لكنه أكد أن إسرائيل تدرب الشرطة والقوات العسكرية.

في المقابل، نشرت صحيفة «لوموند» تحقيقاً يقول إن الإمارات تعمل على توسيع منشأة عسكرية في مطار بربرة، يمكن أن تستخدمها أبوظبي وربما الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا يعزز فرضية بناء تسهيلات مشتركة، لكنه لا يثبت حتى الآن قيام قاعدة إسرائيلية مستقلة مكتملة.

أما في إثيوبيا، فتوجد علاقات أمنية وعسكرية قديمة مع إسرائيل، إضافة إلى تقاطع في المصالح حول أرض الصومال والوصول إلى البحر. لكن لا تتوافر أدلة موثوقة على إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية داخل إثيوبيا. لذلك الأدق الحديث عن نفوذ أمني وتعاون وتسهيلات محتملة، لا عن قواعد مؤكدة.

بالنسبة إلى أطراف اتفاق مكة، تتخذ العلاقة مع إسرائيل صوراً مختلفة. فباكستان لا تعترف بها وترفض التطبيع قبل حل القضية الفلسطينية. وتركيا تحتفظ بعلاقات دبلوماسية لكنها أوقفت التجارة وأصبحت في منافسة استراتيجية معها في سوريا وغزة والبحر الأحمر. أما السعودية فتتعاون مع الولايات المتحدة في مواجهة الأخطار الإيرانية، لكنها تربط الاعتراف بإسرائيل بمسار نحو دولة فلسطينية.

لهذا لا يمكن وصف اتفاق مكة بأنه جزء من تحالف تقوده إسرائيل، كما لا يمكن وصفه بأنه تحالف ضدها. الأرجح أنه يتعاون موضوعياً معها في تقليص نفوذ إيران، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى منعها من احتكار القوة والقرار الإقليميين.

وقد يصبح التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا والبحر الأحمر الاختبار الأخطر. فإذا حاولت إسرائيل إضعاف الحكومة السورية أو تحويل أرض الصومال إلى منصة عسكرية مقابلة لليمن، فقد تجد نفسها أمام مصالح تركية وسعودية مباشرة، حتى لو تجنب الطرفان الدخول في مواجهة عسكرية معلنة.

الملف السابع عشر: الخلاف السعودي–الإماراتي... هل يوازن التحالف نفوذ أبوظبي؟

لا تشير اتفاقية مكة رسمياً إلى الإمارات، لكن توقيتها وتركيبة أطرافها يجعلانها جزءاً من معادلة التنافس بين الرياض وأبو ظبي.

ظهر الخلاف إلى العلن في اليمن عندما دعم الطرفان قوى مختلفة داخل المعسكر المناهض للحوثيين. السعودية دعمت الحكومة المعترف بها دولياً وتمسكت، على الأقل رسمياً، بوحدة اليمن، بينما دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى إلى انفصال الجنوب ويسيطر على قوات وموانئ وجزر استراتيجية.

وبلغ التوتر ذروته في كانون الأول/ديسمبر 2025، عندما استهدفت السعودية ميناء المكلا وقالت إن شحنة عسكرية وصلت لدعم الانفصاليين المدعومين إماراتياً. أعقب ذلك طلب بخروج القوات الإماراتية وإعلان أبو ظبي سحب ما تبقى منها. وكشفت الحادثة، وفق رويترز، عمق عدم الثقة بين الدولتين.

ولا يقتصر الخلاف على اليمن. فالسعودية تنظر بقلق إلى شبكة النفوذ الإماراتية الممتدة عبر الموانئ والجماعات المحلية في السودان والصومال وأرض الصومال وليبيا. وترى الرياض أن دعم القوى الانفصالية أو شبه العسكرية يهدد نموذج الدولة المركزية ويخلق كيانات صغيرة مرتبطة بموانئ وشبكات تجارية وأمنية خارجية.

تركيا تلتقي مع السعودية في رفض تقسيم الصومال واليمن، وفي دعم الحكومة السودانية والجيش السوداني، لكنها تختلف معها أحياناً في وسائل إدارة هذه الملفات. أما باكستان فستكون أكثر حذراً، لأنها ترتبط بعلاقات اقتصادية وعسكرية قوية مع الإمارات ولا ترغب في تحويل اتفاق مكة إلى مواجهة خليجية.

لذلك لا يبدو التحالف موجهاً لضرب الإمارات، لكنه يمنح السعودية ثقلاً عسكرياً وسياسياً إضافياً لموازنة النفوذ الإماراتي ووقف توسع القوى المحلية المدعومة من أبو ظبي عندما يتعارض ذلك مع الأمن السعودي.

الملف الثامن عشر: الصومال... لماذا تركيا ولماذا مصر؟

الصومال ليس ملفاً منفصلاً عن البحر الأحمر، بل يمثل الضفة المقابلة لليمن عند مدخل باب المندب. ومن يملك حضوراً عسكرياً في الصومال يستطيع مراقبة خليج عدن وخطوط الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.

تركيا هي الدولة الأكثر حضوراً هناك. فهي تدير قاعدة تدريب عسكرية كبيرة في مقديشو، وتدرب وحدات من الجيش الصومالي، ووقعت اتفاقيات للدفاع البحري والتنقيب عن النفط والغاز. وفي مطلع 2026 نشرت ثلاث طائرات «إف-16» في مقديشو، وأرسلت قطعاً بحرية إلى خليج عدن لحماية عملياتها ومصالحها البحرية. والمهمة المعلنة لهذا الانتشار هي دعم الحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب وحماية السيادة الصومالية، لكنه يمنح أنقرة أيضاً موقعاً متقدماً قرب باب المندب.

أما مصر، فلم يعد دقيقاً القول إنها بقيت خارج الصومال تماماً. فقد أرسلت منذ 2024 شحنات أسلحة وذخائر، بينها مدافع ومعدات دفاع جوي، بعد توقيع اتفاق أمني مع مقديشو. كما وافق الاتحاد الأفريقي على مساهمة مصر بـ1,091 عسكرياً في بعثة دعم واستقرار الصومال «أوصوم». وفي شباط/فبراير 2026 شهد الرئيس الصومالي عرض القوات والمعدات المصرية المخصصة للبعثة، بما شمل طائرات ومروحيات.

لكن المعلومات المتاحة لا تثبت أن كامل القوة المصرية المقترحة أصبحت منتشرة وتعمل في جميع القطاعات؛ فالانتقال تأخر بسبب الترتيبات بين الدول المشاركة والتمويل وتوزيع مناطق المسؤولية. لذلك الأدق أن نقول إن الانتشار المصري بدأ، لكنه لم يكتمل بالحجم الذي جرى الحديث عنه سابقاً.

الدافع المعلن لمصر هو محاربة حركة الشباب ودعم الدولة الصومالية، لكن وراءه أيضاً الصراع مع إثيوبيا. فقد وقعت أديس أبابا اتفاقاً مع إقليم أرض الصومال للحصول على منفذ بحري وإقامة منشأة بحرية، بينما ترى مصر أن وجوداً إثيوبياً عسكرياً على البحر الأحمر سيضيف ضغطاً استراتيجياً جديداً إلى أزمة سد النهضة.

السعودية معنية من جانبها بمنع تحول الضفة الأفريقية للبحر الأحمر إلى شبكة قواعد وموانئ تسيطر عليها قوى منافسة. أما دور باكستان في الصومال، إذا توسع، فسيكون على الأرجح في التدريب والمعدات والمراقبة البحرية، وليس عبر انتشار بري كبير.

الملف التاسع عشر: السودان وسد النهضة وأرض الصومال... صراع واحد على ضفتي البحر

تلتقي في السودان والقرن الأفريقي معظم تناقضات الإقليم: الخلاف السعودي–الإماراتي، والصراع المصري–الإثيوبي، والوجود التركي في الصومال، والتحرك الإسرائيلي في أرض الصومال، والتنافس على الموانئ والذهب وطرق التجارة.

في السودان، تقف مصر بوضوح إلى جانب الجيش السوداني والدولة المركزية، ونشرت طائرات مسيّرة تركية الصنع قرب حدودها مع السودان. وذكرت رويترز أن الجيش السوداني يستخدم مسيّرات تركية وإيرانية، وأنه حصل على دعم سياسي ومساعدات من السعودية وقطر، بينما اتهم خبراء أمميون ومسؤولون سودانيون الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي بصورة متكررة.

تحاول السعودية الجمع بين دعم وحدة السودان واستمرار وساطة جدة، لأنها لا تريد انهيار دولة مطلة على البحر الأحمر أو قيام سلطة مسلحة غير مستقرة قرب موانئه. أما تركيا فترتبط بالجيش السوداني وبمشروعات ومصالح على الساحل، ما يضعها موضوعياً أقرب إلى الموقفين المصري والسعودي.

يمتد الصراع إلى إثيوبيا وأرض الصومال. فقد وقعت إثيوبيا اتفاقاً للحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة وإمكانية إقامة وجود بحري، بينما أصبحت إسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2025 أول دولة تعترف رسمياً باستقلال أرض الصومال.

رفضت الصومال ومصر وتركيا وباكستان هذا الاعتراف، ورأت فيه تهديداً لوحدة الصومال واستقرار البحر الأحمر. وتتهم مقديشو الإمارات، التي تملك استثمارات ونفوذاً في ميناء بربرة، بتشجيع الاعتراف الإسرائيلي، وهو اتهام تنفيه أبوظبي.

بالنسبة إلى مصر، لا يمكن فصل هذه التطورات عن سد النهضة. فالقاهرة ترى أن حصول إثيوبيا على قاعدة أو منفذ عسكري مستقل على البحر الأحمر، بالتزامن مع تحكمها في سد ضخم على النيل الأزرق، سيمنحها ورقتي ضغط في المياه والبحر معاً.

أما تركيا فتوجد في موقع أكثر تعقيداً: فهي حليف عسكري للصومال ورافضة لتقسيمه، لكنها تحتفظ بعلاقات اقتصادية وسياسية قوية مع إثيوبيا، وسبق أن توسطت بين مقديشو وأديس أبابا. لذلك يمكن أن تتحول إلى جسر للتسوية أو إلى طرف منحاز للصومال إذا انهارت الوساطة.

الملف العشرون: الأكراد... بين دمج «قسد» وإنهاء حزب العمال

يمثل الملف الكردي إحدى أهم القضايا التي ترتبط مباشرة بالأمن القومي التركي، لكنه لا يقتصر على حدود تركيا، بل يمتد عبر سوريا والعراق ويؤثر في العلاقة بين أنقرة وواشنطن ودمشق وإقليم كردستان العراق.

وتتعامل تركيا مع هذا الملف عبر مسارين متوازيين: الأول داخلي، يهدف إلى إنهاء الصراع مع حزب العمال الكردستاني؛ والثاني إقليمي، يسعى إلى منع قيام تشكيل عسكري كردي مستقل على حدودها الجنوبية.

قدمت الحكومة التركية في آب/أغسطس 2026 مشروع قانون يفتح الباب أمام عودة وإعادة دمج آلاف المنتمين إلى حزب العمال الذين لم يتورطوا في جرائم جسيمة، مع إخضاع عملية نزع السلاح للتحقق من مجلس الأمن القومي التركي. ويأتي ذلك ضمن مسار بدأ منذ 2024 لإنهاء تمرد استمر أكثر من أربعة عقود.

أما في سوريا، فقد توصلت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والدمج التدريجي للقوات والمؤسسات الكردية داخل الدولة. لكن أسئلة مهمة ما تزال عالقة، بينها مصير السلاح الثقيل، وطريقة دمج المقاتلين، وحدود الإدارة المحلية، والسيطرة على الموارد النفطية والمعابر والسجون التي تضم عناصر من تنظيم داعش.

ترى تركيا أن نجاح الاتفاق السوري يجب أن ينهي وجود جيش كردي مستقل، وأن يخضع جميع المقاتلين لوزارتي الدفاع والداخلية السوريتين. وهي تعتبر أن وحدات حماية الشعب، التي تشكل العمود الفقري لقسد، امتداد لحزب العمال الكردستاني.

أما السعودية فتدعم استعادة الحكومة السورية السيطرة على كامل أراضي الدولة ومواردها، لكنها تحتاج إلى تسوية لا تقوم على إقصاء الأكراد أو حرمانهم من حقوقهم السياسية والثقافية. فالحل بالقوة وحدها قد يفتح تمرداً جديداً ويمنح تنظيم داعش فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.

وتقف باكستان أقرب إلى الموقف التركي في رفض الحركات الانفصالية المسلحة، بسبب تجربتها مع التمرد في بلوشستان وحركة طالبان باكستان. ويمكن أن تقدم تدريباً وخبرات في مراقبة الحدود ومكافحة التنظيمات المسلحة، لكن الدور الأساسي في الملف سيبقى تركياً–سورياً.

وقد يكون دور تحالف مكة في هذا الملف دعم عملية مزدوجة: دمج قسد في الدولة السورية، بالتوازي مع إنجاح نزع سلاح حزب العمال في تركيا والعراق. لكن نجاح ذلك يتطلب التمييز بين مواجهة التنظيمات المسلحة وبين التعامل مع ملايين الأكراد بوصفهم مكوناً أصيلاً له حقوقه في تركيا وسوريا والعراق.

الملف الحادي والعشرون: باكستان والهند... ظل إسرائيل خلف حدود كشمير

بالنسبة إلى باكستان، لا تقتصر قيمة اتفاق مكة على إيران أو الشرق الأوسط. فالهند تبقى خصمها العسكري الأساسي، وقد شهد البلدان في 2025 أخطر مواجهة صاروخية وجوية بينهما منذ عقود.

وتتمتع الهند بعلاقة دفاعية واستراتيجية متقدمة مع إسرائيل، تشمل الطائرات المسيّرة والرادارات والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي. كما تشارك الهند مع الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات في مجموعة «I2U2»، وهي ليست حلفاً عسكرياً رسمياً، لكنها تعكس تقارباً اقتصادياً وتقنياً واستراتيجياً بين الدول الأربع.

في المقابل، تقف تركيا سياسياً إلى جانب باكستان في قضية كشمير وتربطهما مشروعات دفاعية وعسكرية. أما السعودية فتملك علاقات تاريخية وثيقة مع باكستان، لكنها تحتفظ أيضاً بعلاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع الهند.

وهنا تظهر واحدة من أكبر مناطق الغموض في الاتفاق: إذا اندلعت حرب جديدة وبدأت الهند الهجوم، فهل تعتبر السعودية وتركيا ذلك اعتداءً عليهما وفق الاتفاق؟ النص العام يوحي بذلك، لكن الحسابات السياسية قد تدفع الرياض إلى الوساطة وتقديم الدعم الدفاعي لباكستان بدلاً من الدخول في حرب مع الهند.

كذلك لا تعترف باكستان بإسرائيل، وقد رفضت رسمياً دعوة أميركية للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام. وهذا يعني أن اتفاق مكة لا يمكن وضعه بالكامل داخل نظام أمني تقوده إسرائيل؛ فأحد أعضائه ينظر إلى العلاقة الهندية–الإسرائيلية باعتبارها جزءاً من التهديد الذي يحتاج إلى موازنته.

الملف الثاني والعشرون: أفغانستان وبلوشستان... الجبهة الغربية لباكستان

لا تقتصر التهديدات الأمنية الباكستانية على الهند وكشمير. فمنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، تصاعد الخلاف بين إسلام آباد وكابول بسبب نشاط حركة طالبان باكستان، التي تتهمها الحكومة الباكستانية باستخدام الأراضي الأفغانية للتخطيط لهجمات داخل باكستان.

وتحول التوتر في 2026 إلى مواجهة عسكرية خطرة، بعد تنفيذ باكستان ضربات داخل أفغانستان واندلاع اشتباكات حدودية متكررة. وتقول إسلام آباد إن عملياتها تستهدف معسكرات طالبان باكستان وتنظيم داعش–خراسان، بينما تتهمها السلطات الأفغانية بانتهاك السيادة.

وإلى جانب أفغانستان، تواجه باكستان تمرداً انفصالياً في إقليم بلوشستان الممتد بمحاذاة الحدود مع إيران وأفغانستان. وتعد جماعة «جيش تحرير بلوشستان» أقوى هذه التنظيمات، وقد نفذت عمليات منسقة استهدفت قوات الأمن والبنية التحتية ومشروعات صينية.

تنبع أهمية بلوشستان من موقعها ومواردها، ومن وجود ميناء جوادر، الذي يمثل حجر الأساس في الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني. ولهذا فإن عدم الاستقرار في الإقليم لا يهدد باكستان وحدها، بل يهدد أيضاً المصالح الصينية والوصول الصيني إلى بحر العرب.

وتتهم باكستان الهند بدعم بعض الجماعات الانفصالية، وهو اتهام ترفضه نيودلهي. كما تواجه إسلام آباد مشكلة أكثر تعقيداً تتمثل في وجود المسلحين وتحركاتهم عبر الحدود الإيرانية والأفغانية، ما يجعل أي عملية عسكرية معرضة للتحول إلى أزمة مع دولتين مجاورتين.

هنا يمكن أن يوفر اتفاق مكة لباكستان دعماً سياسياً واستخبارياً وتقنياً. فتركيا تملك خبرة في مراقبة الحدود والطائرات المسيّرة ومواجهة التنظيمات العابرة للحدود، بينما تستطيع السعودية استخدام علاقاتها مع باكستان والحكومة الأفغانية والجهات الإقليمية للوساطة ومنع اتساع الحرب.

لكن الاتفاق يواجه سؤالاً قانونياً وسياسياً: إذا تعرضت باكستان لهجمات قادمة من داخل أفغانستان، فهل يعد ذلك اعتداءً يستدعي التدخل الجماعي؟ وهل تستطيع السعودية وتركيا مساندة باكستان من دون الدخول في حرب مع الحكومة الأفغانية؟

الأرجح أن يكون الدعم في صورة معلومات وتدريب ومعدات وضغط دبلوماسي، لا في صورة قوات سعودية أو تركية تقاتل داخل أفغانستان. ومع ذلك، يكشف هذا الملف أن الاتفاق لا يخص الشرق الأوسط وحده، بل يمتد أمنياً حتى جنوب آسيا وحدود الصين.

الملف الثالث والعشرون: ليبيا وشرق المتوسط... اختبار المصالحة المصرية–التركية

لا يمثل شرق المتوسط ساحة عاجلة لاتفاق مكة، لكنه قد يصبح واحداً من أصعب اختباراته إذا انضمت مصر لاحقاً.

تدعم تركيا حكومة طرابلس وتحافظ على وجود عسكري واتفاقات أمنية وبحرية معها. ووقعت أنقرة وطرابلس في 2019 اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية يمنح تركيا وليبيا مناطق اقتصادية متصلة في المتوسط، وهو اتفاق رفضته مصر واليونان وقبرص وعدّته متعارضاً مع حقوقها البحرية.

وفي المقابل، دعمت مصر والإمارات خلال مراحل سابقة القوى الموجودة في شرق ليبيا، بينما دعمت تركيا حكومة طرابلس. لكن خريطة العلاقات بدأت تتغير؛ إذ حسنت تركيا علاقاتها مع القاهرة وأعادت فتح قنواتها مع شرق ليبيا أيضاً، في محاولة للتعامل مع جميع الأطراف وحماية اتفاقها البحري ومصالحها الاقتصادية.

ترتبط إسرائيل بهذا الملف من خلال علاقاتها مع اليونان وقبرص ومشروعات الغاز والطاقة في شرق المتوسط، وتنظر بحذر إلى التوسع البحري التركي. كما أن أي صدام حول حقول الغاز أو الحدود البحرية قد يضع تركيا في مواجهة شبكة من الشركاء الأوروبيين والإقليميين.

أما السعودية فليست طرفاً مباشراً في النزاع البحري، لكنها تستطيع استخدام علاقاتها مع مصر وتركيا والإمارات لدفع تسوية تمنع عودة المواجهة بالوكالة داخل ليبيا. ويبقى الدور الباكستاني محدوداً، باستثناء التعاون العسكري مع تركيا أو المشاركة في التدريب إذا طلبت حكومة ليبية معترف بها ذلك.

هذا الملف يفسر جزئياً تأخر مصر في الانضمام إلى اتفاق مكة. فالقاهرة لا يمكنها توقيع تعهد دفاعي كامل مع تركيا قبل توضيح ما إذا كانت خلافات شرق المتوسط وليبيا يمكن أن تتحول إلى التزام جماعي.

والأرجح أن يُستخدم الاتفاق هنا كإطار للوساطة وضبط الخلافات، لا كأداة عسكرية لدعم طرف ليبي على حساب آخر.

الملف الرابع والعشرون: أذربيجان وأرمينيا... تقاطع تركي–باكستاني مع إسرائيل

تمثل أذربيجان منطقة تقاطع نادرة بين تركيا وباكستان وإسرائيل. فتركيا تعد أذربيجان حليفاً استراتيجياً وشعباً شقيقاً، وساندتها سياسياً وعسكرياً خلال صراعاتها مع أرمينيا. كما ترتبط باكستان بعلاقات دفاعية وثيقة مع باكو وساندتها في قضية إقليم ناغورنو كاراباخ.

وفي الوقت نفسه، طورت أذربيجان شراكة عسكرية وأمنية واسعة مع إسرائيل، حصلت من خلالها على طائرات مسيّرة وأنظمة مراقبة وتسليح. وتنبع أهمية باكو لإسرائيل أيضاً من حدودها الطويلة مع إيران وموقعها القريب من شمال إيران.

هذا يعني أن أذربيجان تجمع في علاقاتها بين ثلاثة أطراف تتباعد مواقفها بشدة من إسرائيل: تركيا، وباكستان، وإسرائيل نفسها.

شهد عام 2025 توقيع إعلان سلام أميركي الرعاية بين أذربيجان وأرمينيا، وبدأت الدولتان خلال 2026 إعادة فتح طرق التجارة، لكن الاتفاق النهائي ما يزال مرتبطاً بقضايا قانونية ودستورية وحدودية.

كما بدأت تركيا وأرمينيا خطوات لتخفيف القيود وفتح التجارة المباشرة، في محاولة لتحويل جنوب القوقاز من ساحة حروب إلى ممر اقتصادي يربط آسيا بتركيا وأوروبا.

تستفيد السعودية من استقرار القوقاز وفتح ممرات التجارة والطاقة، لكنها لا تملك الدور العسكري نفسه الذي تملكه تركيا. ويمكن لتحالف مكة أن يمنح باكو دعماً سياسياً إضافياً، لكنه لا يبدو محتاجاً إلى تدخل عسكري ما دامت عملية السلام مستمرة.

الأهمية الحقيقية لهذا الملف أنه يكشف أن خريطة المحاور ليست ثابتة. فأذربيجان حليف وثيق لتركيا وباكستان، وفي الوقت ذاته شريك لإسرائيل، وقد تتحول إلى قناة خلفية لتخفيف التوتر التركي–الإسرائيلي أو إلى نقطة خلاف إذا حاولت إسرائيل استخدام أراضيها أو معلوماتها ضد إيران.

الملف الخامس والعشرون: قطر وعُمان... الجناح الذي يمنع التحالف من التحول إلى حرب مذهبية

لا تدخل قطر وعُمان ضمن اتفاق مكة، لكنهما تؤديان دوراً ضرورياً في البيئة المحيطة به. فكل تحالف دفاعي يحتاج إلى قناة تفاوض تمنع سوء التقدير وتوصل الرسائل إلى الخصوم، وخصوصاً إيران.

تتمتع عُمان بتاريخ طويل في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي تقود حالياً المحادثات المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز. لكن المفاوضات ما تزال معقدة، إذ تصر طهران على ربط فتح المضيق بشروط تتعلق بوقف الهجمات والعقوبات والوجود الأميركي.

أما قطر فتستخدم علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران وحركات المنطقة للوساطة في حرب إيران وغزة. وقد أعلنت الدوحة إحراز تقدم في جهود وقف الحرب وإعادة فتح هرمز، رغم استمرار الخلافات حول شروط طهران وآلية المرور البحري.

تتقاطع هذه الوساطة مع دور تركيا وباكستان، اللتين حافظتا على قنوات مع طهران وشاركتا في محاولات وقف الحرب. وأصبحت تركيا وباكستان ومصر أكثر نشاطاً في الوساطة إلى جانب قطر وعُمان، ما يمنح اتفاق مكة وجهاً سياسياً موازياً لوجهه العسكري.

أما السعودية فتحتاج إلى هذا الجناح الدبلوماسي، لأنها تريد ردع إيران ومنعها من تهديد منشآتها وممراتها البحرية، لكنها لا تريد حرباً مفتوحة تدمر الاقتصاد الخليجي وتعرقل مشروعاتها التنموية.

وقد تعمل قطر وعُمان كصمام أمان بين تحالف مكة وإيران: تنقلان الرسائل، وتختبران فرص التهدئة، وتمنعان تفسير كل انتشار عسكري تركي أو باكستاني بوصفه استعداداً لغزو إيران.

وهذا الدور يوضح أن النظام الإقليمي الجديد لا يتكون من جيوش ومحاور متقابلة فقط. فإلى جانب محور المواجهة الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، ومظلة الردع التي تبنيها السعودية وتركيا وباكستان، توجد شبكة وساطة تقودها عُمان وقطر وتشارك فيها مصر، وتحاول منع انتقال الردع إلى حرب إقليمية شاملة.

تكشف هذه المجموعة أن الملفات لا تقع على الدرجة نفسها من الالتزام الدفاعي. فالبحر الأحمر والهجمات على السعودية وأمن باكستان أقرب إلى الدفاع المباشر، بينما تقع سوريا والعراق والصومال ولبنان ضمن دعم الحكومات ومؤسسات الدولة. أما إسرائيل وليبيا والقوقاز وقطر وعُمان، فهي ملفات موازنة ووساطة تحدد الاتجاه السياسي للتحالف.

رابعاً: القوى الدولية ومسارات امتداد الحرب

الملف السادس والعشرون: الصين... حليف اقتصادي لإيران لا يريد القتال من أجلها

الصين هي القوة الأكثر تضرراً اقتصادياً من اضطراب الخليج، والأكثر حرصاً في الوقت نفسه على ألا تتحول إلى ضامن عسكري له. فهي تحتاج إلى نفط الخليج وإلى سلامة هرمز والبحر الأحمر، وتحافظ على علاقات متوازية مع إيران والسعودية والإمارات، ولا تريد أن تخسر هذه الشبكة بالدخول في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة.

عندما تعرضت إيران للهجوم، اكتفت بكين وموسكو بالإدانة والتحرك الدبلوماسي، وبقي دعمهما العسكري دون مستوى التدخل المباشر. وخلص تحليل لرويترز إلى أن إيران بقيت إلى حد كبير وحدها؛ لأن كلفة الصدام مع واشنطن أكبر من المكاسب المحتملة، ولأن الصين تضع تايوان وبحر الصين الجنوبي ومنافستها مع الولايات المتحدة في مرتبة أعلى من الدفاع عن شريك في الشرق الأوسط.

هذا لا يعني أن بكين محايدة بالمعنى الكامل. فقد مارست اتصالات دبلوماسية مع طهران ودول الخليج، وحاولت باكستان فتح مسار تفاوضي بدعم صيني، فيما أظهرت تقارير أن دول الخليج اختبرت قدرة الصين على كبح إيران وحماية الممرات. لكن الاستجابة الصينية بقيت قائمة على الوساطة والتجارة، لا على إرسال قوة لفتح هرمز.

وتظهر مصلحة الصين بوضوح في الطاقة. فقد زادت «سينوبك» مشترياتها من النفط الروسي لتعويض تراجع إمدادات الشرق الأوسط، وخفضت مشترياتها السعودية بصورة حادة خلال الاضطراب. هذه ليست حركة تحالف مع إيران أو ضد السعودية، بل محاولة لتقليل الخسارة وتأمين بديل سريع؛ وهي في الوقت نفسه تمنح روسيا منفعة اقتصادية من استمرار الأزمة.

ما علاقة اتفاق مكة بالصين؟

باكستان هي قناة الصين الأقرب إلى الاتفاق الجديد، بينما تمثل السعودية مورداً مهماً للطاقة، وتركيا عقدة عبور وتجارة بين آسيا وأوروبا. لذلك لا تبدو بكين خصماً للاتفاق، بل مستفيداً محتملاً من نجاحه في حماية الملاحة وخفض الهجمات على منشآت الخليج.

وفي المقابل، لن ترحب الصين بتحوله إلى جبهة هجومية مفتوحة على إيران؛ لأن ذلك يهدد تجارتها ونفوذها مع جميع الأطراف.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الصيني؟

الخطر الأقرب ليس إرسال جيش صيني إلى الخليج، بل استغلال انشغال واشنطن لزيادة الضغط حول تايوان: دوريات بحرية وجوية، وحصار تدريبي أو جزئي، وهجمات سيبرانية وحرب معلومات، وفرض وقائع في المضيق أو بحر الصين الجنوبي.

وقد بدأت تايوان في أغسطس/آب مناورات «هان كوانغ» السنوية التي تضمنت نقل الرئيس إلى مركز قيادة، وإبطاء الإنترنت المحمول عمداً، واختبار استمرار عمل القيادة والإنتاج العسكري تحت الهجوم.

لكن هذه الوقائع لا تكفي للقول إن غزواً صينياً أصبح وشيكاً. فالمناورات سنوية، وإن كانت أكثر واقعية، كما أن تقدير الاستخبارات الأمريكية المنشور في مارس/آذار قال إن الصين لا تخطط حالياً لغزو في عام 2027 ولا تملك جدولاً زمنياً ثابتاً، مع استمرارها في بناء القدرة وممارسة الإكراه.

لذلك يبقى التصعيد الرمادي والحصار المحدود أكثر احتمالاً من الغزو الشامل، ما لم تقع أزمة أو سوء تقدير يغير الحسابات.

خلاصة الملف الصيني: تريد الصين شرق أوسط مستقراً بما يكفي لاستمرار النفط والتجارة، ومضطرباً بما يكفي لإضعاف الهيمنة الأمريكية، لكنها لا تريد دفع ثمن حرب لإنقاذ إيران. امتدادها الأرجح اقتصادي ودبلوماسي وسيبراني، مع ضغط أكبر على تايوان، لا جبهة صينية مباشرة في الخليج.

الملف السابع والعشرون: روسيا... المستفيد من تشتيت واشنطن والفاعل من خلف الستار

روسيا أقرب عسكرياً إلى إيران من الصين، لكنها لم تدخل الحرب دفاعاً عنها. والسبب القانوني مهم: اتفاق الشراكة الاستراتيجية الروسي ـ الإيراني المنشور لا يتضمن التزاماً بالدفاع المشترك.

والسبب السياسي أهم: موسكو لا تريد صداماً مباشراً مع الولايات المتحدة، ولا خسارة علاقاتها مع السعودية ودول الخليج وإسرائيل، بينما تبقى حرب أوكرانيا أولويتها الأولى.

غير أن عدم التدخل العلني لا يساوي الغياب. فقد تحدث تقييم استخباري أوكراني عن صور أقمار صناعية ودعم سيبراني روسي لإيران، ونفت موسكو ذلك. ثم نقلت رويترز عن مصادر غربية أن محللين أمريكيين يحققون في احتمال مساعدة روسية لبعض الضربات الإيرانية، من دون وصولهم إلى نتيجة نهائية، مع إشارات إلى دعم تقني ومعلومات استهداف.

هذه نقطة يجب عرضها بوصفها تحقيقاً واتهاماً مدعوماً بمؤشرات، لا حقيقة قضائية مكتملة.

تستفيد موسكو من ثلاث نتائج للحرب الإقليمية:

انتقال جزء من الاهتمام الأمريكي من أوكرانيا إلى إيران.

استنزاف الصواريخ الاعتراضية والبعيدة المدى التي تحتاج إليها كييف.

ارتفاع قيمة النفط الروسي وتحول مشترين صينيين إليه عند تعطل الإمدادات الخليجية، وإن كانت الهجمات الأوكرانية والعقوبات تمنع تحويل ارتفاع الأسعار إلى مكسب روسي كامل.

ما علاقة اتفاق مكة بروسيا؟

تركيا عضو في الناتو وشريك لروسيا وخصم لها في ملفات أخرى؛ والسعودية لاعب أساسي في سوق النفط وقناة سياسية لا ترغب موسكو في خسارتها؛ وباكستان توسع علاقاتها مع روسيا مع بقائها شريكاً وثيقاً للصين.

لذلك يمنح اتفاق مكة روسيا مسارين متعارضين: إذا بقي دفاعياً، فقد يضبط الفوضى التي تهدد مصالحها؛ وإذا أصبح منصة لضرب إيران أو إقصاء موسكو من سوريا والخليج، فقد يدفعها إلى زيادة الدعم غير المعلن لطهران وحلفائها.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الروسي؟

المسرح الأرجح هو أوكرانيا، لا الخليج. تستطيع موسكو استغلال انشغال الولايات المتحدة لتكثيف الضغط الصاروخي، وتوسيع الهجمات على الموانئ والطاقة واللوجستيات، ومحاولة فرض وقائع ميدانية قبل الشتاء.

وقد قالت كييف إن تسليمات صواريخ الدفاع الجوي في 2026 هبطت إلى ثلث مستوى 2025، في وقت زادت فيه روسيا هجماتها وتوقعت أوكرانيا حملة جديدة على قطاع الطاقة.

أما خارج أوكرانيا، فالامتداد الروسي الأكثر ترجيحاً هو الدعم الاستخباري والسيبراني والتقني لإيران، والضغط الهجين على أوروبا، واستثمار وجودها وعلاقاتها في سوريا، وليس فتح جبهة روسية مباشرة ضد الولايات المتحدة.

الحد الذي يغير هذا التقدير هو إصابة قوات أو أصول روسية مباشرة، أو انتقال الصدام في البحر الأسود أو شرق المتوسط إلى مواجهة مع دولة أطلسية.

خلاصة الملف الروسي: موسكو لا تحتاج إلى إشعال حرب عالمية كي تربح؛ يكفيها أن تنشغل واشنطن، وأن تنقص صواريخ أوكرانيا، وأن يرتفع ثمن الطاقة. لذلك ستفضل حرب الظل في الشرق الأوسط والتصعيد الظاهر في أوكرانيا.

الملف الثامن والعشرون: أوكرانيا... من جبهة بعيدة إلى طرف تقني في أمن الخليج

لم تعد أوكرانيا متلقياً لتأثير حرب الشرق الأوسط فقط. فخبرتها في مواجهة المسيّرات الإيرانية الصنع جعلتها مورداً للخبرة العملياتية.

وفي أبريل/نيسان، قالت بريطانيا إن أوكرانيا يمكن أن تؤدي دوراً مفيداً في تأمين هرمز، وأفادت رويترز بأن كييف نشرت أكثر من مئتي خبير في الشرق الأوسط للمساعدة في التصدي لمسيّرات بعيدة المدى، وشاركت في مشاورات حماية الملاحة.

هذا الدور لا يجعل أوكرانيا عضواً في تحالف مكة، لكنه يفتح باب التعاون معها في التدريب على الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، ورصد المسيّرات وحماية المنشآت.

وتستطيع تركيا، بحكم علاقتها بكييف وعضويتها في الناتو، أن تكون صلة الوصل العملية، بينما تستطيع السعودية تمويل مشاريع أو شراء تقنيات، ويستفيد الطرفان من خبرة حرب حقيقية تراكمت خلال سنوات.

لكن المفارقة أن كل توسع في الدور الأوكراني شرق أوسطياً يحدث بينما تتضرر جبهتها الأصلية. فالصواريخ الاعتراضية نفسها مطلوبة في أوكرانيا والخليج وإسرائيل، والذخائر الأمريكية البعيدة المدى تعرضت لاستنزاف شديد في حرب إيران.

وهذا يحول الشرق الأوسط وأوكرانيا من جبهتين منفصلتين إلى سوق عسكري واحد يتنافسان فيه على المخزون والإنتاج والقرار السياسي.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الأوكراني؟

إذا طال القتال مع إيران، فمن المرجح أن توسع كييف ضرباتها بعيدة المدى داخل روسيا وعلى منشآت الطاقة واللوجستيات، لتعويض ضعف الاعتراض الجوي ورفع كلفة الحرب على موسكو. وسيزداد ثقل البحر الأسود وموانئ الجنوب وخطوط تصدير الطاقة.

أما مشاركة أوكرانية قتالية واسعة داخل إيران فتبقى أقل احتمالاً؛ دورها الأقرب هو الخبراء والاستخبارات والتكنولوجيا والدفاع ضد المسيّرات.

خلاصة الملف الأوكراني: أوكرانيا ليست الطرف الذي سيشعل حرب الشرق الأوسط، لكنها إحدى أكثر الدول تأثراً بطولها، وقد أصبحت جزءاً تقنياً محدوداً من مواجهتها. امتداد الحرب عليها سيكون عبر نقص السلاح الغربي وتصعيد روسي مقابل، لا عبر انتقال الجيش الأوكراني بكامل ثقله إلى الخليج.

الملف التاسع والعشرون: أوروبا... قوة دفاع بحري ودعم لأوكرانيا لا جبهة موحدة ضد إيران

الحديث عن «أوروبا» بوصفها جيشاً واحداً مضلل. فهناك الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، ودول ذات مواقف مختلفة.

وقد ظهر الانقسام عندما امتنعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، بحسب مصادر نقلت عنها رويترز، عن منح دعم عسكري أو مجال جوي لبعض العمليات الأمريكية ضد إيران. وهذا يعني أن اتساع الحرب لا يضمن تلقائياً انضمام العواصم الأوروبية إلى حملة هجومية.

لكن أوروبا حاضرة دفاعياً في البحر الأحمر. فقد مدد مجلس الاتحاد الأوروبي عملية «أسبيدس» حتى 28 فبراير/شباط 2027 لحماية السفن وحرية الملاحة، مع نطاق يشمل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وبحر العرب وخليج عُمان ومراقبة الوضع في هرمز.

التفويض دفاعي، وهذه الصفة مهمة: اعتراض تهديد لسفينة يختلف قانونياً وسياسياً عن قصف اليمن أو إيران.

وفي الجبهة الشرقية، تعهد حلفاء الناتو في قمة أنقرة بتقديم 70 مليار يورو من المعدات والمساعدة والتدريب لأوكرانيا في 2026، مع نية الحفاظ على مستوى مماثل في 2027.

لكن الالتزام السياسي يصطدم بعنق زجاجة صناعي: إنتاج صواريخ الدفاع الجوي أبطأ من الاستهلاك المتزامن في أوكرانيا والشرق الأوسط.

ما علاقة اتفاق مكة بأوروبا؟

العلاقة تمر أولاً عبر تركيا، العضو في الناتو. فإذا تعرضت تركيا لهجوم، يمكن أن تنشأ مسألة تداخل بين التزامها في اتفاق مكة والتزاماتها الأطلسية.

وقد أعلن الناتو تضامنه مع أنقرة بعد استهداف إيراني لتركيا في مارس/آذار، من دون أن يعني ذلك أن كل عملية تركية أو كل ملف في اتفاق مكة يصبح تلقائياً حرباً أطلسية.

أما مع السعودية وباكستان، فالدور الأوروبي أقرب إلى بيع السلاح والتدريب وحماية الملاحة والوساطة، وإلى المشاركة المحتملة في ترتيبات رقابة أو حفظ سلام في لبنان وغزة إذا توافرت موافقات سياسية وقانونية.

ولا توجد حتى الآن قرينة على قرار أوروبي جماعي بالمشاركة في حرب برية أو جوية شاملة ضد إيران.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الأوروبي؟

ستتأثر أوروبا في أربعة مسارح:

الجبهة الشرقية والبحر الأسود عبر روسيا.

المتوسط ولبنان وغزة عبر القواعد والبعثات الإنسانية وحفظ السلام.

البحر الأحمر عبر حماية السفن.

الداخل الأوروبي عبر الطاقة والتضخم واللجوء والهجمات السيبرانية على البنية التحتية.

أما التحول إلى حرب مباشرة فيرتبط غالباً بضرب دولة عضو في الناتو أو قوات أوروبية، لا بمجرد استمرار الحرب الإقليمية.

خلاصة الملف الأوروبي: ستدافع أوروبا عن الممرات وعن جناحها الشرقي، وتمول أوكرانيا وتضغط بالعقوبات والدبلوماسية، لكنها ستبقى منقسمة حيال الانضمام إلى حملة هجومية ضد إيران. أخطر ما يواجهها هو تزامن الاستنزاف في الشرق الأوسط مع تصعيد روسي في أوكرانيا.

الملف الثلاثون: كوريا الشمالية... الامتداد الآسيوي الذي وصل فعلاً إلى أوكرانيا

كوريا الشمالية ليست مجرد مراقب يستغل الأخبار لإطلاق تهديدات. لقد أصبحت شريكاً عسكرياً مباشراً لروسيا بموجب معاهدة تتضمن بند مساعدة متبادلة، وأرسلت منذ 2024 آلاف الجنود وكميات كبيرة من الذخائر والصواريخ.

وفي أغسطس/آب 2026، قالت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية إن وحدة صاروخية كورية شمالية بدأت الانتشار في منطقة فورونيج الروسية، مع احتمال تزويدها بعشرات الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق.

بعض الأرقام مصدره كييف ولم تؤكده موسكو وبيونغ يانغ، لكن أصل التدخل الكوري الشمالي في الحرب أصبح معلناً ومثبتاً، بما في ذلك مشاركة قوات في كورسك.

المكسب الكوري الشمالي مزدوج: موارد وعلاقات استراتيجية من روسيا، وخبرة ميدانية في الصواريخ والمسيّرات والحرب الحديثة. وهذا يجعل تأثير جبهة أوكرانيا قابلاً للعودة إلى شرق آسيا في صورة تحسينات تقنية وعقائدية.

كما أن الهجمات على إيران قد تعزز قناعة بيونغ يانغ بأن السلاح النووي هو ضمانة بقاء لا ورقة تفاوض يمكن التخلي عنها، وهو ما يزيد صعوبة أي تسوية مستقبلية.

وفي الوقت نفسه، واصلت كوريا الشمالية الاختبارات الصاروخية؛ فأطلقت صاروخاً قصير المدى في 6 أغسطس/آب، بعد سلسلة اختبارات خلال العام، وكانت قيادتها قد أعلنت خططاً لتطوير صواريخ عابرة للقارات وأنظمة هجومية جديدة مع إبقاء باب الحوار مشروطاً بتغيير السياسة الأمريكية. (

ما علاقتها باتفاق مكة؟

لا توجد علاقة مؤسسية مباشرة، لكن الصلة تمر عبر روسيا وأزمة المخزون العالمي. فكل صاروخ كوري شمالي يضاف إلى القدرة الروسية يرفع طلب أوكرانيا على صواريخ الاعتراض الغربية، وكل اعتراض يستخدمه الغرب في الشرق الأوسط يقلل هامش الدعم المتاح لكييف وشرق آسيا.

كما أن باكستان، بوصفها دولة نووية في الاتفاق، ستراقب أثر الشراكات العسكرية الجديدة في موازين الردع الآسيوية، من دون أن يعني ذلك وجود محور باكستاني ـ كوري شمالي.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الكوري؟

الأرجح هو استمرار الدعم لروسيا بالتدريب والذخائر والوحدات، بالتوازي مع مزيد من الاختبارات الصاروخية والضغط على كوريا الجنوبية واليابان والوجود الأمريكي.

وقد تستغل بيونغ يانغ انشغال واشنطن لرفع مستوى الاستفزازات البحرية أو الحدودية أو السيبرانية.

أما غزو شامل للجنوب فليس السيناريو الأرجح، لأن كلفته تهدد بقاء النظام وتستدعي رداً أمريكياً واسعاً وتضع الصين أمام فوضى لا تريدها.

خلاصة الملف الكوري الشمالي: هذا هو أوضح مثال على ترابط الجبهات من دون اتحادها؛ كوريا الشمالية تقاتل عملياً عبر روسيا في أوروبا، لكنها تستطيع نقل فوائد الخبرة والابتزاز السياسي إلى شرق آسيا. امتدادها الأرجح هو أوكرانيا وشبه الجزيرة الكورية والفضاء السيبراني، لا الشرق الأوسط مباشرة.

التحليل الختامي: الفرضيات ومسارات امتداد الحرب

بعد ترتيب الملفات من مركز القرار إلى ساحات الامتداد، تظهر أربع فرضيات تفسر الاتفاق من دون تحويل الاستنتاج إلى حقيقة مكتملة قبل توفر الدليل.

الفرضية الأولى: مظلة ردع واستقلال نسبي

القراءة الأقرب إلى النص المعلن هي أن الدول الثلاث تريد سد فجوة دفاعية ظهرت مع اتساع الصواريخ والمسيّرات واضطراب الممرات والشك في استدامة الضمانات الأميركية. في هذا السيناريو يبدأ التحالف بالإنذار المبكر والدفاع الجوي والبحري والتصنيع والتدريب، ولا ينتقل إلى العمليات خارج الحدود إلا بطلب حكومة أو عند تعرض عضو لهجوم واضح.

الفرضية الثانية: «اتركوا لنا الرأس واهتموا بالأذرع»

يمكن للوقائع أن تنتج قسمة عمل غير معلنة: تركز الولايات المتحدة وإسرائيل على القدرات الإيرانية داخل إيران، فيما تركز السعودية وتركيا وباكستان على حماية الممرات والدول ودعم تفكيك الشبكات المسلحة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. هذه فرضية تفسيرية قوية من حيث تلاقي المصالح، لكنها لا ترقى حتى الآن إلى إثبات خطة أميركية مركزية أو غرفة قيادة وزعت المهام على الجميع.

الفرضية الثالثة: موازنة إسرائيل بقدر احتواء إيران

لا تريد الدول الثلاث أن تخرج من تراجع النفوذ الإيراني إلى تفوق إسرائيلي بلا قيود. لذلك قد يتعاون التحالف بصورة غير مباشرة مع إسرائيل في مواجهة إيران وحلفائها، ثم يصطدم بها سياسياً أو أمنياً في سوريا وغزة والضفة والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. هذا التناقض يفسر لماذا يمكن للاتفاق أن يخدم إسرائيل في ملف ويقلقها في ملف آخر.

الفرضية الرابعة: ترابط الجبهات لا وحدة قيادتها

الصين وروسيا وأوكرانيا وأوروبا وكوريا الشمالية تتأثر بالتصعيد وتستفيد منه أو تدفع كلفته بطرق مختلفة، لكن ذلك لا يثبت وجود موعد واحد لحرب عالمية. الرابط الحقيقي هو المخزون العسكري والطاقة والممرات والوقت الأميركي: اشتعال جبهة يضعف الردع في جبهة أخرى ويمنح خصومها فرصة للحركة.

تحالف واحد... لكن التدخل ليس واحداً

تكشف هذه الملفات أن اتفاق مكة لا يحتاج إلى إرسال جيش ثلاثي إلى كل ساحة حتى يصبح مؤثراً. ففي بعض الجبهات، مثل البحر الأحمر والهجمات على السعودية، قد يظهر التحالف بصورة عسكرية مباشرة من خلال الدفاع الجوي والقوات البحرية والطائرات الباكستانية والتركية.

وفي العراق وسوريا والصومال، يرجح أن يعمل عبر حكومات هذه الدول، من خلال التدريب والاستخبارات والمعدات وتأمين الحدود. وفي غزة سيكون دوره سياسياً ومالياً أكثر منه عسكرياً. أما في المواجهة بين الهند وباكستان، فستكون قيمة الاتفاق في الردع والوساطة والدعم الدفاعي، لا في دخول السعودية وتركيا حرباً شاملة مع نيودلهي.

أما السودان واليمن والقرن الأفريقي، فهي الساحات التي يمكن أن يظهر فيها وجه آخر للتحالف: موازنة النفوذ الإماراتي–الإسرائيلي وشبكة الموانئ والجماعات المحلية، من دون إعلان الإمارات أو إسرائيل عدواً رسمياً.

وهكذا لا تتشكل أمامنا جبهة واحدة ضد إيران فقط، بل نظام موازنة جديد يمتد من كشمير إلى البحر الأحمر. إيران وأذرعها تمثل خطراً رئيسياً على السعودية، والهند تمثل الخطر الأول على باكستان، بينما ترى تركيا أن تمدد إسرائيل وتقسيم الدول وصعود القوى الكردية المسلحة يهدد مصالحها.

اتفاق مكة يجمع هذه التهديدات المختلفة تحت مظلة واحدة، لكن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما تتعرض إحدى الدول لأزمة لا يعتبرها الشريكان الآخران حربهما. عندها فقط سيتضح إن كان الاتفاق قد أنشأ تحالفاً عسكرياً فعلياً، أم مجرد شبكة واسعة لتبادل الحماية والمصالح.

الخلاصة: هل تتجدد الحرب، وأين ستقف حدودها؟

لا تبدو الفرضية الأدق أن العالم اتفق على موعد واحد لحرب شاملة، ولا أن اتفاق مكة وزع الأدوار سراً بين شرق أوسط وآسيا وأوروبا. الأدلة المتاحة تقول شيئاً أقل بساطة وأكثر خطورة: هناك حروب وأزمات مترابطة، لكل واحدة قيادتها وأسبابها، لكنها تتشارك السلاح والممرات والطاقة والوقت الأميركي.

لذلك يبقى تجدد التصعيد في الخريف احتمالاً قائماً لا قدراً محسوماً. يكفي أن تفشل ترتيبات هرمز، أو يعود القصف المتبادل بين واشنطن وطهران، أو تتوسع الهجمات الحوثية على السعودية والملاحة، أو تتعثر خطط نزع سلاح الفصائل في العراق وحزب الله في لبنان وحماس في غزة، أو يصطدم التوسع الإسرائيلي في سوريا ولبنان بمحاولة مقاومته.

إذا اتسعت الحرب فلن تتمدد بالطريقة نفسها لكل طرف. ستتركز الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران والخليج والجبهات المتصلة بغزة ولبنان وسوريا. وسيبدأ تحالف مكة، وفق منطقه المعلن، بالدفاع الجوي والبحري وحماية الأراضي والمنشآت، وقد ينتقل إلى دعم الحكومات في العراق وسوريا والصومال؛ لكنه لن يصبح تلقائياً تحالفاً لغزو إيران.

روسيا ستستثمر تشتيت الغرب في أوكرانيا وتعمل في الشرق الأوسط من خلف الستار. وستضغط الصين اقتصادياً ودبلوماسياً وقد ترفع مستوى الإكراه حول تايوان من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار بالغزو. وستوزع أوروبا قدراتها بين البحر الأحمر والجناح الشرقي، بينما تزيد كوريا الشمالية كلفة الحرب على أوكرانيا وتختبر خصومها في شرق آسيا.

أما السيناريو الأخطر، أي حرب متزامنة من الخليج إلى تايوان وأوكرانيا وكوريا، فيحتاج إلى قفزات لم تقع بعد: حصار صيني فعلي لتايوان، أو اشتباك روسي–أطلسي مباشر، أو هجوم كوري شمالي واسع، بالتزامن مع انهيار كامل للتفاوض الأميركي–الإيراني. وحتى 9 أغسطس/آب 2026 لا توجد أدلة علنية تثبت أن هذه القرارات اتخذت أو أن توقيتها منسق؛ فالاستعدادات لا تساوي صدور قرار الحرب.

تبقى المشكلة السياسية الأعمق أن بناء تحالفات لنزع سلاح الحوثيين أو الفصائل العراقية أو حزب الله أو حماس، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في غزة وأجزاء من سوريا ولبنان وضم الأرض وتفكيك المجال الفلسطيني في الضفة، لن ينتج «شرق أوسط جديداً» مستقراً. قد ينتج تفوقاً عسكرياً وترتيبات أمنية جديدة، لكنه يترك أسباب الصراع بلا حل.

النتيجة الأكثر ترجيحاً، إذن، ليست سلاماً كاملاً ولا حرباً عالمية وشيكة، بل مرحلة من «السلام الساخن»: هدن قصيرة، ونزع سلاح متنازع عليه، ووجود عسكري أجنبي، وسباق دفاع جوي، ومساومات على الممرات والحدود. يستطيع اتفاق مكة أن يصبح مظلة ردع تقلل الحرب إذا حُصر في الدفاع وربط الأمن بتسويات سياسية عادلة، كما يستطيع أن يصبح حلقة توسع إذا استخدمت عباراته العامة لتغطية عمليات هجومية في ساحات متعددة.

السؤال الحاسم ليس من وقّع مع من، بل كيف ستستخدم التحالفات قوتها: لإغلاق الجبهات أم لإعادة فتحها بشروط جديدة؟ وهل يكون الأمن شاملاً للدول والشعوب، أم مجرد توزيع جديد للقوة فوق احتلالات ونزاعات لم تُحل؟ عند هذا الحد فقط يمكن معرفة ما إذا كان اتفاق مكة بداية نظام إقليمي أكثر توازناً، أم مقدمة لجولة حرب أوسع.

ملاحظة تحريرية: هذا التحقيق تحليل سيناريوهات مبني على المعلومات العلنية المتاحة حتى 9 أغسطس/آب 2026. عُرضت الادعاءات الاستخبارية غير المحسومة بصفتها ادعاءات أو تقديرات، لا حقائق نهائية.

اتفاق مكة وإعادة رسم الأمن الإقليمي

ثلاثون ملفاً تختبر تحالف السعودية وتركيا وباكستان وحدود تدخله

القدس – معا – في السابع من آب/أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة اتفاقاً للدفاع المشترك مع تلميح لانضمام مصر لاحقا في لحظة تداخلت فيها جبهات الخليج والبحر الأحمر وغزة ولبنان وسوريا والعراق مع منافسات القرن الأفريقي وجنوب آسيا والحرب في أوكرانيا. يَعُدّ الاتفاق أي هجوم مسلح على دولة موقعة هجوماً على الدول الثلاث، لكنه يترك أسئلة التنفيذ وحدود الجغرافيا وطبيعة الخصم مفتوحة.

لا ينطلق هذا التحقيق من نتيجة مقررة سلفاً، بل من سؤالين مترابطين: هل يبني اتفاق مكة مظلة ردع إقليمية تقلل اعتماد أعضائه على الخارج، أم يؤسس لتوزيع أدوار أوسع تتولى فيه الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط على «الرأس» الإيراني بينما تهتم القوى الإقليمية بـ«الأذرع» والساحات المحيطة؟ ثم هل يقود هذا الترتيب إلى إغلاق الجبهات أم إلى حرب تتسع تحت عناوين الدفاع وحماية الملاحة ودعم الحكومات؟

ما الذي أُعلن وما الذي بقي غامضاً؟

الاتفاقية التي وقعت في مكة المكرمة نصت، وفق البيان المشترك، على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعد اعتداءً على جميعها، بما يستوجب التشاور والتنسيق واتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الخطر. وهي صيغة تقترب، من حيث المبدأ، من قاعدة الدفاع الجماعي التي تقوم عليها المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو).

لكن البيان الرسمي لم يكشف تفاصيل حاسمة تتعلق بآلية تنفيذ هذا الالتزام، أو طبيعة القوات التي يمكن نشرها، أو المناطق الجغرافية التي يشملها الاتفاق، أو ما إذا كان التحالف سيقيم قيادة عسكرية مشتركة وقوات دائمة وقواعد ومراكز عمليات موحدة.

وبحسب ما أُعلن، سيجري إنشاء لجنة وزارية للإشراف على تنفيذ الاتفاق، إلى جانب أمانة عامة مقرها السعودية. وهذا يعني أن الدول الثلاث لا تنظر إلى الاتفاق بوصفه إعلاناً سياسياً مؤقتاً، بل إطاراً مؤسسياً قابلاً للتوسع وبناء هياكل عسكرية وأمنية دائمة حوله.

وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن الاتفاق يشبه (من الناحية التقنية) المادة الخامسة في حلف الناتو، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه غير موجه ضد إيران أو أي دولة بعينها. كما أشار إلى إمكانية انضمام مصر مستقبلاً، وإلى اهتمام الدول المشاركة بإنشاء ترتيبات لحماية البحر الأحمر والممرات البحرية.

هذا النفي التركي لا يعني بالضرورة غياب العامل الإيراني عن خلفية الاتفاق، لكنه يكشف رغبة الدول الثلاث في عدم تقديم التحالف باعتباره محوراً مذهبياً أو جبهة معلنة لمهاجمة إيران. فالفرق كبير بين تحالف يهدف إلى ردع الهجمات وحماية الدول والممرات البحرية، وبين تحالف هجومي يعلن أن مهمته إسقاط دولة أو تغيير نظامها.

قدرات مختلفة يجمعها هدف واحد

تكمن أهمية الاتفاق في طبيعة الدول الموقعة عليه. فالسعودية تمتلك ثقلاً مالياً واقتصادياً كبيراً وموقعاً جغرافياً يربط الخليج بالبحر الأحمر، إضافة إلى استثمارات واسعة في الطيران والدفاع الجوي والصناعات العسكرية. أما تركيا، فتمتلك جيشاً كبيراً وخبرة عملياتية ممتدة من سوريا والعراق إلى ليبيا والصومال والبحر المتوسط، إلى جانب صناعة دفاعية متطورة في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ والسفن والمدرعات.

أما باكستان، فتمتلك جيشاً كبيراً وقدرات صاروخية وردعاً نووياً، ولها تاريخ طويل في التدريب والتعاون العسكري مع السعودية. كما أفادت تقارير دولية خلال العام الجاري بنشر آلاف العسكريين الباكستانيين وطائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي في السعودية، ضمن ترتيبات قُدمت بداية بوصفها مهام تدريبية واستشارية، لكنها تمتلك في الوقت نفسه قدرة عملياتية فعلية.

اجتماع هذه القدرات يمنح الاتفاق وزناً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي. فالسعودية تستطيع توفير التمويل والموقع والبنية السياسية، بينما توفر تركيا الخبرة العملياتية والصناعة العسكرية، وتضيف باكستان القوة البشرية والخبرة الدفاعية والبعد الاستراتيجي المرتبط بامتلاكها السلاح النووي.

لكن الاتفاقية المنشورة لم تقل إن الردع النووي الباكستاني أصبح مظلة تلقائية للسعودية وتركيا، كما لم تعلن الدول الثلاث إنشاء جيش موحد أو نقل قوات دائمة من دولة إلى أخرى. ولذلك فإن الحديث عن «ناتو إسلامي» مكتمل الأركان ما يزال سابقاً لأوانه.

لماذا الآن؟

جاء الاتفاق في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، بعد توسع المواجهة مع إيران، وتعرض منشآت وقواعد وممرات بحرية في الخليج لهجمات، وعودة التوتر إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر، وازدياد المخاوف من الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات التي تنفذها جماعات مسلحة مرتبطة بإيران.

وفي الوقت نفسه، تشهد المنطقة إعادة تشكيل واسعة لموازين القوة: سقوط النظام السابق في سوريا أضعف الممر الإيراني إلى لبنان، والحكومة العراقية تواجه ضغوطاً متزايدة لنزع سلاح الفصائل، وحزب الله يتعرض لضغط عسكري وسياسي غير مسبوق، بينما يجري البحث عن قوة عربية ودولية تتولى ترتيبات الأمن في غزة بعد نزع سلاح حماس.

ضمن هذا السياق، يمكن فهم اتفاق مكة بوصفه محاولة لبناء مظلة أمنية إقليمية لا تعتمد كلياً على الولايات المتحدة. فالدول الثلاث ترتبط بعلاقات مختلفة مع واشنطن وبكين وموسكو وحلف الناتو، لكنها تشترك في القلق من أن يؤدي ضعف النظام الإقليمي أو تراجع الضمانات الأميركية إلى تركها منفردة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة واضطراب طرق الطاقة والتجارة.

كما أن التحالف لا يبدو موجهاً لموازنة إيران وحدها. فتركيا والسعودية وباكستان لا تريد أن تتحول إسرائيل، بعد إضعاف إيران، إلى القوة الوحيدة القادرة على فرض قواعد الإقليم من دون موازنة. ولهذا يمكن أن يعمل الاتفاق في اتجاهين متوازيين: التعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل في بعض الملفات التي تتعلق بإيران والجماعات المسلحة، وبناء قوة مستقلة تحدّ من احتكار إسرائيل للتفوق الإقليمي في ملفات أخرى.

اتفاق دفاعي أم منصة للتدخل الإقليمي؟

العبارة الأساسية في الاتفاق تتعلق بالاعتداء الذي تتعرض له إحدى الدول الثلاث، لكنها لا تجيب عن السؤال الأكثر تعقيداً: ماذا لو جاء التهديد من جماعة مسلحة خارج حدود دولة عضو؟ وماذا لو طلبت حكومة عربية، مثل الحكومة السورية أو العراقية، مساعدة التحالف في مواجهة تنظيمات مسلحة داخل أراضيها؟ وهل تشمل حماية السعودية مثلاً ملاحقة مصدر الهجمات الحوثية داخل اليمن، أم تقتصر على اعتراض الصواريخ وحماية الحدود والملاحة؟

غياب هذه التفاصيل قد يكون مقصوداً. فالغموض يمنح الدول الثلاث حرية الحركة من دون الالتزام مسبقاً بحرب محددة، كما يتيح للتحالف التدخل تحت عناوين مختلفة، مثل حماية الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب، وتدريب القوات الحكومية، والدفاع الجوي، وحماية منشآت الطاقة، ومراقبة الحدود ووقف تهريب السلاح.

ومن هنا، لا يُقاس الاتفاق فقط بما كُتب في نصه المعلن، بل أيضاً بالتحركات العسكرية والسياسية التي سبقته ورافقته: الانتشار الباكستاني في السعودية، والوجود العسكري التركي في الصومال، والمشروعات التركية لبناء السفن العسكرية في جدة والدمام، والدعوة السعودية لإنشاء تحالف بحري لحماية البحر الأحمر، واحتمال انضمام مصر إلى الإطار الجديد.

لا تثبت هذه التحركات حتى الآن وجود خطة عمليات موحدة تشمل المنطقة بأكملها، لكنها تكشف أن اتفاق مكة لم يولد من فراغ، وأن الدول الثلاث كانت تبني خلال الفترة الماضية شبكة من التعاون الدفاعي والعسكري يمكن أن تتحول، عند الضرورة، إلى قوة إقليمية قادرة على العمل خارج حدودها.

يبقى السؤال: أين يمكن أن تظهر أولى مهام هذا التحالف؟ وهل ستكون البداية من البحر الأحمر في مواجهة الحوثيين، أم من سوريا لضبط الجماعات المسلحة وقطع طرق تهريب السلاح، أم من العراق لدعم الدولة في نزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران؟

مصر... الغائب الحاضر في اتفاق مكة

غياب الرئيس المصري عن مراسم توقيع الاتفاقية لا يعني أن مصر رفضت التحالف أو استُبعدت منه. فقد شاركت القاهرة في مجموعة التشاور الرباعية المعروفة باسم «R4»، التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، واستضافت في 21 حزيران/يونيو الاجتماع الرابع لوزراء خارجية الدول الأربع لمناقشة التطورات الإقليمية والحرب مع إيران وأمن الممرات البحرية.

كما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بعد توقيع اتفاق مكة، إن مصر قد تنضم لاحقاً بعد معالجة «بعض المسائل التقنية». ولم توضح القاهرة أو أنقرة طبيعة هذه المسائل، ولذلك لا يوجد حتى الآن تفسير مصري رسمي لعدم التوقيع.

لكن سلوك مصر الإقليمي يسمح بتحديد مجموعة من الاعتبارات التي ربما أخرت انضمامها.

أولها أن القاهرة تتحفظ عادة على الالتزامات التي تجعل تدخلها العسكري تلقائياً في نزاعات لا تمس حدودها مباشرة. فالانضمام إلى اتفاق يعتبر الاعتداء على باكستان أو تركيا اعتداءً على مصر قد يضع القاهرة نظرياً أمام أزمات مع الهند في كشمير، أو مع أطراف تواجه تركيا في سوريا أو شرق المتوسط، أو أمام مواجهة مباشرة مع إيران إذا تعرضت السعودية لهجوم جديد.

وثانيها أن مصر تريد الحفاظ على قيادتها المستقلة لملف البحر الأحمر. فقد أكدت القاهرة وإريتريا أن أمن البحر الأحمر ينبغي أن تتولاه الدول المطلة عليه، وهو موقف قد يتعارض جزئياً مع رغبة تركيا وباكستان، وهما دولتان غير مطلتين مباشرة على البحر الأحمر، في أداء دور عسكري دائم داخله.

وثالثها أن المصالحة المصرية–التركية، رغم تقدمها الكبير وعودة السفراء، ما تزال حديثة قياساً بسنوات الخلاف حول جماعة الإخوان المسلمين وليبيا وشرق المتوسط. الانتقال من المصالحة السياسية إلى تعهد دفاعي يشبه المادة الخامسة في حلف الناتو يحتاج إلى بناء ثقة عسكرية وقانونية أكبر.

كما أن مصر مرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل وشراكة عسكرية طويلة مع الولايات المتحدة، ولها حساباتها الخاصة في غزة والسودان وإثيوبيا. وقد تفضل البقاء داخل إطار تشاوري رباعي يمنحها التأثير من دون أن يفرض عليها التزاماً تلقائياً بكل قرارات التحالف.

لذلك يمكن وصف مصر بأنها الدولة الرابعة غير الموقعة: موجودة في المشاورات والملفات والعمليات الموازية، لكنها لم توافق بعد على الانتقال من التنسيق السياسي إلى الدفاع المتبادل الملزم.

من الاتفاق إلى ثلاثين ملفاً

لتمييز الوقائع من السيناريوهات، يرتب التحقيق ثلاثين ملفاً بحسب قربها من مركز القرار وخطرها على بنية الإقليم: يبدأ بمواقف الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ثم ينتقل إلى ساحات الردع والاشتباك المباشر، ففلسطين والتطبيع والتوازنات الإقليمية، وينتهي بالقوى الدولية ومسارات امتداد الحرب. وفي كل ملف يفصل بين ما أُعلن رسمياً، وما تدل عليه التحركات، وما يبقى فرضية تحتاج إلى دليل.

ملفات خاصة وإقليمية ودولية أمام التحالف

لا تتساوى الملفات التالية في احتمال التدخل أو شكله. بعضها يدخل مباشرة في الدفاع عن أراضي الدول الثلاث وممراتها، وبعضها لا يمكن الاقتراب منه إلا بطلب حكومة معترف بها، بينما تقع ملفات أخرى في نطاق الوساطة والتمويل والضغط السياسي. لهذا يعكس الترتيب الأهمية الاستراتيجية، لا افتراض وجود خطة عسكرية واحدة تشمل الجميع.

أولاً: القوى التي تحدد سقف الحرب

الملف الأول: الولايات المتحدة... شريك صامت أم مظلة لتقاسم الأعباء؟

حتى مساء 9 أغسطس/آب 2026، لم يظهر في البيانات العلنية رد أميركي رسمي مفصل على اتفاق مكة. وهذا الغياب مهم تحريرياً: فهو لا يسمح بوصف واشنطن مؤيدة للاتفاق أو رافضة له، لكنه يمنع أيضاً التعامل معه بوصفه خطوة معادية للولايات المتحدة لمجرد أنه يقلل الاعتماد الحصري عليها.

الدول الثلاث ترتبط بدرجات مختلفة بالشراكة الأمنية مع واشنطن: تركيا عضو في حلف الناتو، والسعودية شريك دفاعي رئيسي، وباكستان تحتفظ بقنوات عسكرية وسياسية ممتدة معها. لذلك تميل القراءة الأقرب إلى أن الاتفاق يضيف طبقة إقليمية إلى النظام الأمني الأميركي ولا يستبدله فوراً. وقد وصفت تحليلات منشورة دافع الاتفاق بأنه البحث عن بدائل مكملة في ظل الشكوك في استدامة الضمانات الأميركية، لا القطيعة معها.

هنا تبرز فرضية «اتركوا لنا الرأس واهتموا بالأذرع»: تتولى الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط المباشر على القدرات الإيرانية، بينما تحمي الدول الثلاث أراضيها وممراتها وتساعد الحكومات على احتواء الحوثيين والفصائل العراقية وطرق الإمداد إلى سوريا ولبنان. النتيجة العملياتية قد تشبه تقسيم العمل، لكن لا يوجد حتى الآن دليل علني على خطة أميركية مركزية وزعت هذه الأدوار مسبقاً.

يستفيد النهج الأميركي من تقاسم الأعباء وخفض الحاجة إلى انتشار دائم، لكنه يخلق في المقابل شركاء أقدر على رفض الطلبات الأميركية أو موازنة إسرائيل. لذلك سيقاس موقف واشنطن عملياً بما إذا كانت ستدعم تبادل الإنذار المبكر والتسليح والتدريب، وبكيفية تعاملها مع أي تحرك للتحالف في سوريا أو البحر الأحمر لا يطابق الأولويات الإسرائيلية.

خلاصة الموقف الأميركي: الصمت الرسمي لا يثبت وجود غرفة عمليات مشتركة، لكنه ينسجم مع قبول حذر بتحالف دفاعي يخفف العبء عن واشنطن ما دام لا يتحول إلى محور مستقل يصطدم بقواتها أو بحلفائها.

الملف الثاني: إسرائيل... مستفيد قَلِق لا رفض رسمي مثبت

لم يُعثر، حتى مساء 9 أغسطس/آب، على بيان رسمي إسرائيلي موثق يعلن رفض اتفاق مكة. وما ظهر علناً كان تغطية إعلامية وقراءات أمنية قلقة أكثر منه موقفاً حكومياً ملزماً. لذلك ينبغي التمييز بين «قلق إسرائيلي» يمكن رصده وبين ادعاء «رفض رسمي» لا تسنده حتى الآن وثيقة معلنة.

تستفيد إسرائيل من أي قدرة تضبط الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وتحد من حركة الحوثيين والفصائل العراقية وإمداد حزب الله. لكن الصحافة الإسرائيلية قدمت الاتفاق أيضاً بوصفه تجمعاً لثلاث قوى عسكرية كبيرة، إحداها نووية، في لحظة تنافس حاد بين أنقرة وتل أبيب.

مصدر القلق هو أن إضعاف إيران لا يعني قبول السعودية وتركيا وباكستان باحتكار إسرائيل للقوة الإقليمية. فتركيا تعارض توسع إسرائيل في سوريا، وباكستان لا تعترف بها، والسعودية تربط التطبيع بمسار فلسطيني. كما أن حضوراً تركياً–سعودياً أوسع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي قد يحد من حرية إسرائيل في بناء شبكات قواعد وشراكات من شرق المتوسط إلى أرض الصومال.

سيحاول الجانب الإسرائيلي، على الأرجح، الفصل بين وظيفتين للاتفاق: تشجيع ما يساعد في احتواء إيران وحلفائها، ومقاومة ما يحوله إلى ثقل موازن لإسرائيل أو مظلة سياسية للحكومة السورية والفلسطينيين. ومن هنا قد يكون أثر الاتفاق مزدوجاً: تعاون غير مباشر في ملف إيران، وتنافس مباشر أو غير مباشر في سوريا والبحر الأحمر وغزة.

خلاصة الموقف الإسرائيلي: الاتفاق مفيد حين يعمل ضد التهديد الإيراني، ومقلق حين يمنح ثلاث دول كبيرة استقلالاً دفاعياً وقدرة على تقييد التفوق الإسرائيلي. وهذا التناقض، لا الرفض المطلق، هو مفتاح قراءة علاقته بالتحالف.

الملف الثالث: إيران... ترحيب رسمي وحسابات قلقة

جاء أول رد إيراني بارز بصيغة ترحيب لا مواجهة. فقد رحب وزير الخارجية عباس عراقجي بالاتفاق ودعا إلى تضامن أكبر بين الدول ذات الأغلبية المسلمة والاعتماد على القدرات الذاتية. وفي الداخل الإيراني ظهرت قراءات متباينة: بعضها أراد توجيه الاتفاق ضد إسرائيل، وبعضها حذر من تحوله إلى مظلة لحماية السعودية من إيران وحلفائها .

ساعدت أنقرة طهران سياسياً بتأكيد أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو دولة بعينها، وأن طبيعة المساعدة ستحدد بعد التشاور في كل حالة. لكن هذا الضمان السياسي لا يلغي أن هجوماً إيرانياً مباشراً على السعودية، أو هجوماً كبيراً تنسبه الرياض إلى قوة حليفة لطهران، يمكن أن يختبر بند الدفاع الجماعي.

ستحاول إيران منع تماسك جبهة معادية عبر الحفاظ على علاقاتها مع تركيا وباكستان، وتقديم الاتفاق كفرصة لاستقلال إسلامي عن واشنطن وإسرائيل، وفتح قنوات مع السعودية. وفي الوقت نفسه ستراقب ما إذا كان التحالف سيتوقف عند الدفاع الجوي والبحري أم ينتقل إلى دعم نزع سلاح القوى المرتبطة بها في اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

إذا بقي الاتفاق دفاعياً، تستطيع طهران التعايش معه وربما استخدامه دليلاً على تراجع الاعتماد الإقليمي على الولايات المتحدة. أما إذا تحول إلى شبكة عمليات لإغلاق طرق السلاح وتفكيك الحلفاء المسلحين، فسيصبح تهديداً مباشراً لنموذج النفوذ الإيراني حتى من دون مهاجمة إيران نفسها.

خلاصة الموقف الإيراني: الترحيب محاولة لاحتواء الاتفاق وإعادة تعريفه، لا دليلاً على غياب القلق. والاختبار الحاسم سيكون تعريف «الاعتداء»: هل يقتصر على هجوم دولة، أم يمتد إلى عمليات جماعات مرتبطة بها؟

ثانياً: الردع والجبهات المباشرة

الملف الرابع: حرب إيران... بين ردع المركز واحتواء الأذرع

أصبحت الولايات المتحدة وإسرائيل الطرفين المباشرين في الحرب على إيران، بينما استُخدمت قواعد أميركية في البحرين والكويت والأردن ضمن البنية العسكرية الأميركية في المنطقة. وردت إيران باستهداف مواقع وقواعد أميركية في هذه الدول، إضافة إلى مهاجمة السعودية والإمارات وقطر ومصالح بحرية في الخليج.

لكن وجود القواعد الأميركية لا يكفي وحده لإثبات أن البحرين والكويت والأردن شاركت جميعها في العمليات الهجومية على إيران.

البحرين، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأميركي، اتخذت موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران، وأبدت استعداداً لتحمل استمرار المواجهة. أما الكويت فاستضافت قوات أميركية واعترضت صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية، لكنها دفعت دبلوماسياً باتجاه وقف الحرب، ونفت رسمياً أن تكون طائراتها شاركت في ضرب إيران. والأردن استضاف قوات أميركية ودافع عن مجاله الجوي واعترض مقذوفات، لكنه لم يعلن الانضمام إلى حرب هجومية.

ووفق مصادر خليجية تحدثت إلى رويترز، انقسمت دول الخليج إلى اتجاهين: السعودية والإمارات والبحرين طالبت بألا تنتهي الحرب مع بقاء قدرة إيران على تهديد الخليج وإغلاق هرمز، بينما ضغطت قطر وعُمان والكويت من أجل وقف سريع للقتال خوفاً من تداعياته الاقتصادية. تفاصيل الانقسام الخليجي.

أما أطراف اتفاق مكة، فلا تبدو راغبة في مهاجمة إيران مباشرة. السعودية تريد تحييد الصواريخ الإيرانية والأذرع المرتبطة بطهران، لكنها تشارك أيضاً في محاولات التهدئة. وتركيا وباكستان استضافتا محادثات ووساطات ورفضتا تقديم الاتفاق باعتباره موجهاً ضد إيران.

قد تكون قسمة العمل الفعلية على النحو الآتي: تركز الولايات المتحدة وإسرائيل على القدرات النووية والصاروخية والعسكرية داخل إيران، بينما يركز تحالف مكة على الدفاع عن السعودية، وتأمين البحر الأحمر، واحتواء الحوثيين والفصائل العراقية، ومنع انتقال السلاح الإيراني إلى سوريا ولبنان. لكنها قسمة مصالح مستنتجة من الوقائع، وليست خطة مشتركة معلنة.

الملف الخامس: الدفاع الجوي والردع النووي... المظلة غير المرئية

قد لا تكون الوظيفة الأهم لاتفاق مكة التدخل في دولة محددة، بل بناء منظومة دفاعية مشتركة ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات البحرية والسيبرانية.

أظهرت المواجهات الأخيرة أن دولاً تنفق مبالغ هائلة على السلاح يمكن أن تبقى معرضة لهجمات منخفضة الكلفة تنفذها طائرات مسيّرة أو صواريخ تطلق من مسافات بعيدة. ولذلك تحتاج الدول الثلاث إلى ما هو أكثر من شراء أنظمة منفصلة؛ تحتاج إلى ربط الرادارات ومراكز القيادة والدفاعات الجوية والبحرية داخل شبكة واحدة.

تستطيع السعودية توفير القواعد والتمويل والاستثمار في الصناعات العسكرية، بينما تمتلك تركيا خبرة عملياتية وصناعة متقدمة في المسيّرات والصواريخ والسفن والرادارات. وتضيف باكستان الطائرات المقاتلة والقوة البشرية والخبرة الصاروخية والقدرة النووية.

وقد نشرت باكستان بالفعل طائرات مقاتلة وقوات ومنظومات دفاع جوي في السعودية خلال 2026. كما يجري تعاون سعودي–تركي في مجالات الطائرات المسيّرة وبناء السفن العسكرية والاستثمار في شركات الدفاع.

ويمكن أن تشمل الخطوات العملية المقبلة:

إنشاء مركز موحد للإنذار المبكر وتبادل المعلومات.

ربط الرادارات ومنظومات اعتراض الصواريخ والمسيّرات.

تشكيل قوة بحرية مشتركة لحماية البحر الأحمر وبحر العرب.

إجراء تدريبات عسكرية دورية على الدفاع عن المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة.

تصنيع مشترك للمسيّرات والصواريخ والسفن والذخائر.

توزيع احتياطيات السلاح والوقود بحيث لا يؤدي استهداف قاعدة واحدة إلى تعطيل القدرة الدفاعية.

توحيد إجراءات القيادة والاتصال في أثناء الأزمات.

لكن أصعب المسائل ستكون تقنية وسياسية. فتركيا عضو في حلف الناتو وتعتمد جزئياً على أنظمة غربية، بينما تستخدم باكستان مزيجاً من التكنولوجيا الصينية والغربية والمحلية، وتعتمد السعودية على منظومات أميركية وأوروبية. وربط هذه الأنظمة قد يصطدم بقيود تتعلق بالأسرار العسكرية والتصدير والبرمجيات والسيطرة على البيانات.

أما السؤال الأكبر فهو: هل يشمل الردع النووي الباكستاني السعودية وتركيا؟

لا تتضمن الاتفاقية المنشورة أي نص يثبت ذلك، ولم تعلن باكستان نقل أسلحة نووية أو منح ضمان نووي تلقائي لشريكيها. لكن الغموض نفسه قد يخدم الردع، لأنه يترك الخصوم أمام احتمال أن يؤدي أي تهديد وجودي لإحدى الدول الثلاث إلى رد أوسع مما هو معلن.

لذلك ينبغي التعامل مع المظلة النووية بوصفها احتمالاً استراتيجياً ورسالة ردع، لا حقيقة قانونية أو عسكرية محسومة.

الملف السادس: البحر الأحمر والحوثيون... الاختبار الأقرب

يبدو البحر الأحمر الساحة الأكثر استعداداً لاستقبال أول نشاط عملي مرتبط بالتحالف. فقد بدأت جولة التصعيد الحالية عندما استهدفت قوات التحالف الذي تقوده السعودية مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية قالت إنها تحمل أسلحة وخبراء إلى الحوثيين. ورد الحوثيون بإطلاق صواريخ باتجاه جنوب السعودية، منهين عملياً حالة هدوء استمرت نحو أربع سنوات.

وبعد ذلك، نقلت رويترز عن مصادر إيرانية وإقليمية أن الطائرة كانت تقل عناصر من الحرس الثوري ومكونات متعلقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وأموالاً مخصصة لدعم الحوثيين، بينما نفت طهران ذلك وقالت إن الرحلة كانت إنسانية وتعيد وفداً حوثياً من إيران.

انتقل الحوثيون بعدها من الرد على الأراضي السعودية إلى إعلان حصار بحري على السفن والموانئ السعودية، وهاجموا ناقلات نفط في البحر الأحمر وخليج عدن، بينها ناقلة قرب ميناء ينبع. ولم تؤكد الرياض كل الادعاءات الحوثية، لكن التهديد أصبح مباشراً لمسار تصدير النفط السعودي، خصوصاً في ظل تعثر الملاحة عبر مضيق هرمز.

لهذا دعت السعودية إلى تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وشاركت عشرات الدول في الاجتماع، بينما أعلنت 14 دولة، بينها تركيا وباكستان ومصر، دعمها الرسمي للمبادرة.

في هذا الملف، تتوزع أدوار أطراف اتفاق مكة بصورة واضحة:

السعودية هي الدولة المستهدفة وصاحبة المصلحة المباشرة في حماية موانئها ومنشآت الطاقة وسفنها. وتركيا تمتلك قوة بحرية متقدمة وسفناً عاملة في خليج عدن، إضافة إلى وجود عسكري في الصومال ومشروعات لبناء وصيانة السفن العسكرية في جدة والدمام. أما باكستان فلديها خبرة بحرية في بحر العرب وقدرات على المرافقة والمراقبة، فضلاً عن وجود طائرات وقوات باكستانية داخل السعودية.

الأرجح أن يبدأ دور التحالف في صورة دفاع جوي وبحري، وتبادل للمعلومات، ومرافقة للسفن، ومراقبة الشحنات القادمة إلى اليمن. أما شن حرب برية واسعة ضد الحوثيين فيبقى قراراً أكثر تعقيداً بسبب تجربة الحرب السابقة وكلفتها السياسية والإنسانية.

الملف السابع: العراق والفصائل المسلحة... دعم الدولة أم ساحة مواجهة؟

يمثل العراق الجبهة البرية الشمالية التي تقلق السعودية. وقد تحدثت معلومات استخبارية سعودية وأميركية عن احتمال تنسيق هجمات على المملكة من الحوثيين جنوباً وفصائل عراقية موالية لإيران شمالاً.

وفي نهاية تموز/يوليو نفذت الولايات المتحدة والسعودية ضربات على مواقع فصائل عراقية مرتبطة بإيران، بعد اتهامها باستهداف قوات أميركية ومنشآت سعودية بحسب بيان القيادة المركزية الأميركية.

كما حددت السلطات العراقية 30 أيلول/سبتمبر موعداً لنزع سلاح الفصائل أو دمجها في المؤسسات الأمنية، وهددت بمعاملة الرافضين وفق قوانين مكافحة الإرهاب.

السعودية معنية مباشرة بهذا الملف، بينما تستطيع تركيا تقديم معلومات وخبرات عملياتية بحكم وجودها العسكري الطويل في شمال العراق وعملياتها ضد حزب العمال الكردستاني. ويمكن لباكستان أن تقدم التدريب والدفاع الجوي والحماية الفنية، لكنها لا تملك نفوذاً سياسياً عراقياً يوازي نفوذ السعودية وتركيا.

والشكل الأكثر واقعية لتدخل التحالف هو دعم الحكومة العراقية استخبارياً وسياسياً وعسكرياً، وليس دخول قوات ثلاثية لاحتلال مواقع الفصائل. فأي تدخل بري من دون موافقة بغداد قد يوحد خصوم الفصائل حول شعار مقاومة الوجود الأجنبي.

الملف الثامن: سوريا... حماية الدولة الجديدة وقطع الطريق الإيراني

سوريا هي الساحة التي تمتلك فيها تركيا الدور الأكبر بين أطراف الاتفاق. فلأنقرة قوات ونفوذ أمني وعلاقات مباشرة مع الحكومة السورية الجديدة، بينما لعبت السعودية دوراً أساسياً في منح هذه الحكومة الشرعية العربية والدولية ودعم رفع العقوبات عنها.

الهدف المباشر هنا لا يبدو «القضاء على القاعدة»، كما يُطرح أحياناً. فالقيادة السورية الحالية أعلنت انفصالها عن تنظيم القاعدة منذ سنوات، ولم يجد مراقبو الأمم المتحدة روابط نشطة بين قيادة الدولة الجديدة والتنظيم. الخطر المعلن حالياً هو تنظيم داعش، والمقاتلون الأجانب غير المنضبطين، وشبكات تهريب السلاح الإيرانية، وأي تشكيلات مسلحة تعمل خارج مؤسسات الدولة.

كما أن السيطرة السورية على الحدود مع العراق ولبنان تقطع الطريق الذي كانت إيران تستخدمه لإمداد حزب الله. وقد ضبطت السلطات السورية شحنة أسلحة متقدمة قادمة من العراق قيل إنها كانت متجهة إلى الحزب.

يمكن أن تقوم تركيا بالتدريب والدعم العسكري والاستخباري، بينما توفر السعودية التمويل والغطاء السياسي وإعادة الإعمار، وتشارك باكستان في التدريب ومكافحة الإرهاب. لكن لا يوجد حتى الآن ما يثبت اتخاذ قرار بنشر قوة تابعة لاتفاق مكة داخل سوريا.

الملف التاسع: الأراضي السورية... من احتلال الجولان إلى التوسع في المنطقة العازلة

يختلف ملف الوجود الإسرائيلي في سوريا عن غزة والضفة، لأنه يجمع بين احتلال قديم بدأ عام 1967 وتوسع عسكري جديد بدأ بعد سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024.

تحتل إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية منذ حرب 1967، وفرضت عليها قوانينها في 1981، في خطوة لم يعترف بها مجلس الأمن ومعظم المجتمع الدولي. وبعد اتفاق فصل القوات عام 1974، أُنشئت منطقة عازلة منزوعة السلاح تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف».

لكن بعد سقوط النظام السابق، دخلت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة وسيطرت على الجانب السوري من جبل الشيخ ونقاط أخرى، كما نفذت تحركات خارج منطقة الفصل. وقالت إسرائيل في البداية إن الانتشار مؤقت، ثم أعلن مسؤولون إسرائيليون أن القوات ستبقى على قمة جبل الشيخ إلى أجل غير محدد.

وتعتبر الأمم المتحدة أن دخول القوات الإسرائيلية إلى منطقة الفصل يخالف اتفاق 1974، وتؤكد أن قوات «أندوف» هي الجهة الوحيدة التي يفترض أن تنتشر داخلها.

تقول إسرائيل إن هدفها منع وجود قوات معادية قرب حدودها وحماية التجمعات الدرزية ومنع انتقال أسلحة إلى حزب الله. لكن الحكومة السورية ترى أن إسرائيل تستغل ضعف الدولة لفرض وقائع جديدة وتوسيع المنطقة الخاضعة لسيطرتها.

وجرت محادثات سورية–إسرائيلية بوساطة أميركية حول اتفاق أمني. وتطالب دمشق بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط النظام، والعودة إلى اتفاق 1974 ووقف الغارات. أما إسرائيل فتطالب بمنطقة واسعة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، وتحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن منطقة تمتد من دمشق باتجاه جبل الشيخ والمناطق المحيطة به.

يمس هذا الملف تركيا مباشرة، لأن أنقرة تريد بناء جيش سوري قوي يخضع للحكومة المركزية، بينما تريد إسرائيل إبقاء الجنوب السوري ضعيفاً ومنزوع السلاح. كما أن الغارات الإسرائيلية على المنشآت العسكرية السورية تقلل قدرة دمشق على مواجهة داعش وضبط الحدود.

السعودية تدعم وحدة سوريا وسيادتها، وقد استثمرت سياسياً واقتصادياً في استقرار الحكومة الجديدة. أما باكستان فسيكون دورها أقرب إلى الدعم السياسي والتدريب وإعادة بناء المؤسسات، وليس الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل.

ولا يرجح أن يرسل تحالف مكة قوات إلى جنوب سوريا لمواجهة الجيش الإسرائيلي، لأن ذلك قد يفتح حرباً واسعة. لكنه يستطيع دعم دمشق دبلوماسياً، وربط أي اتفاق إقليمي بعودة إسرائيل إلى خطوط فصل القوات، وتقديم أنظمة دفاع ومراقبة للحكومة السورية ضمن ترتيبات تمنع تحويل سوريا إلى ساحة تهديد لإسرائيل أو إلى دولة منزوعة القدرة على الدفاع عن نفسها.

وسيكون هذا الملف اختباراً حقيقياً للعلاقة بين تركيا وإسرائيل: هل تقبل أنقرة بوجود إسرائيلي طويل المدى في جنوب سوريا مقابل إنهاء الوجود الإيراني، أم تعتبر أن إسرائيل حلت محل إيران كقوة عسكرية خارجية تفرض إرادتها على الدولة السورية؟

الملف العاشر: حزب الله... الحلقة الأخيرة في طريق إيران إلى المتوسط

يستحق حزب الله ملفاً مستقلاً، لأنه يمثل النتيجة النهائية لسلسلة تمتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. فإذا فُككت الفصائل العراقية المرتبطة بطهران، وضبطت سوريا حدودها، وتوقفت شحنات السلاح، يصبح حزب الله معزولاً عن عمقه العسكري الخارجي.

وأقر الحزب بعد سقوط النظام السوري السابق بخسارة طريق الإمداد العسكري عبر سوريا. كما أعلنت السلطات السورية في تموز/يوليو 2026 ضبط شحنة أسلحة متقدمة قادمة من العراق قالت إنها كانت متجهة إلى الحزب.

في الوقت نفسه، تتولى إسرائيل الضغط العسكري المباشر، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى ربط انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان بتسليم حزب الله سلاحه. وتوصل لبنان وإسرائيل إلى قائمة أولية بالدول التي يمكن أن تشارك بقوات للتحقق من نزع السلاح، لكن الحزب ليس طرفاً في الاتفاق وما يزال يرفض التخلي الكامل عن قدرته العسكرية.

يرتبط دور السعودية في هذا الملف بدعم الدولة اللبنانية والجيش وإعادة بناء الاقتصاد، بما يسمح للحكومة باستعادة قرار الحرب والسلم. فالرياض لا تريد فقط نزع سلاح حزب الله، بل منع ظهور تنظيم مسلح جديد يحل مكانه نتيجة ضعف الدولة.

أما تركيا فيمكن أن تؤدي دوراً سياسياً وعسكرياً غير مباشر، عبر دعم الجيش اللبناني أو المشاركة في ترتيبات دولية للمراقبة. وقد تكون باكستان مقبولة نظرياً ضمن قوة دولية أو إسلامية للتحقق من وقف تهريب السلاح، لكنها لم تعلن حتى الآن استعدادها لإرسال قوات إلى لبنان.

ولا تعني خسارة السلاح بالضرورة اختفاء حزب الله. فقد يتحول إلى حزب سياسي واجتماعي، أو يحتفظ بشبكة أمنية سرية، أو ينقسم بين جناح يقبل العمل السياسي وآخر يرفض التسوية. كما أن محاولة نزع سلاحه بالقوة من دون تفاهم داخلي قد تدفع لبنان إلى صدام أهلي.

لذلك سيكون الهدف الأكثر واقعية هو إنهاء حزب الله كجيش مستقل مرتبط بإيران، وليس إلغاء وجوده السياسي والاجتماعي.

الملف الحادي عشر: جنوب لبنان... الانسحاب مقابل نزع سلاح حزب الله

بعد المواجهات المتكررة مع حزب الله، لم تعد إسرائيل تكتفي بالسيطرة على خمس نقاط حدودية كما كان الوضع بعد وقف إطلاق النار السابق. فقد توسعت خلال 2026 داخل جنوب لبنان، وأقامت ما تصفه بمنطقة عازلة تمتد في بعض المناطق عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

ووفق تقارير رويترز، تحدث مسؤولون إسرائيليون عن منطقة أمنية يصل عمقها إلى نحو عشرة كيلومترات على امتداد أجزاء من الحدود، بحجة منع حزب الله من الاقتراب من شمال إسرائيل.

وتربط إسرائيل انسحابها التدريجي بنزع سلاح حزب الله والتحقق من سيطرة الجيش اللبناني على المناطق التي تنسحب منها. أما لبنان فيطالب بخريطة زمنية للانسحاب الكامل، ويرفض أن يصبح الاحتلال أداة دائمة للضغط على الحكومة.

بدأ تطبيق الخطة عبر «مناطق تجريبية» ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، ثم ينتشر فيها الجيش اللبناني ويجري تفتيشها للتأكد من غياب سلاح حزب الله. لكن التجربة الأولى أظهرت صعوبة التنفيذ، لأن القوات الإسرائيلية بقيت قريبة، ولم يتمكن السكان من العودة بصورة طبيعية، بينما رفض حزب الله اعتبار الاتفاق ملزماً له.

وتختلف المناطق التي دخلتها إسرائيل بعد 2024 و2026 عن قضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، التي تحتلها إسرائيل منذ 1967 ويطالب بها لبنان، بينما تعتبرها الأمم المتحدة ضمن الأراضي السورية المحتلة إلى حين ترسيم الحدود السورية–اللبنانية. ويستخدم حزب الله استمرار احتلال شبعا ضمن مبررات الاحتفاظ بسلاحه.

وتحاول الخطة الأميركية معالجة المشكلة من خلال ترتيب متبادل: يسلم حزب الله سلاحه الثقيل، وينتشر الجيش اللبناني، ثم تنسحب إسرائيل تدريجياً. لكن كل طرف يخشى تنفيذ التزامه أولاً؛ فحزب الله يقول إن نزع السلاح قبل الانسحاب يترك لبنان مكشوفاً، بينما تقول إسرائيل إن الانسحاب قبل نزع السلاح يسمح للحزب بالعودة إلى الحدود.

السعودية هي الطرف الأكثر قدرة على دعم البديل اللبناني، من خلال تمويل الجيش والدولة وإعادة الإعمار بعد الانسحاب. ويمكن لتركيا وباكستان تقديم التدريب أو المشاركة في آلية دولية للتحقق إذا وافق لبنان، لكن لا توجد حتى الآن معلومات عن اختيارهما ضمن قائمة الدول المقترحة.

وقد تصبح سوريا عنصراً حاسماً في الحل، لأن ضبط حدودها مع لبنان يمنع إعادة تسليح حزب الله. وهنا تلتقي ملفات العراق وسوريا ولبنان في مسار واحد: نزع سلاح الفصائل العراقية، ووقف التهريب عبر سوريا، ثم تحويل حزب الله من قوة عسكرية إقليمية إلى حزب لبناني يعمل داخل الدولة.

لكن استمرار الاحتلال الإسرائيلي قد يعرقل هذا المسار بدلاً من تسريعه. فكلما طال وجود القوات الإسرائيلية، ازدادت قدرة حزب الله على تقديم سلاحه باعتباره ضرورياً للمقاومة. ولذلك لا يمكن بناء احتكار الدولة اللبنانية للسلاح من دون إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي ووضع آلية دولية تمنع عودته.

وبذلك لا تصبح الضفة وغزة وسوريا ولبنان ملفات منفصلة، بل أجزاء من سياسة إسرائيلية واحدة تقوم على إنشاء مناطق عازلة، وإبقاء القوات في مواقع استراتيجية، وربط الانسحاب بشروط أمنية تُفرض على الطرف الآخر.

وهنا يظهر التحدي الأكبر أمام تحالف مكة: فهو يستطيع التعاون بصورة غير مباشرة مع إسرائيل في مواجهة إيران وحماس وحزب الله، لكنه لا يستطيع اكتساب شرعية عربية وإسلامية إذا قبل استمرار الاحتلال الإسرائيلي بعد إضعاف هذه القوى. فالاختبار ليس فقط من ينزع سلاح الفصائل، بل أيضاً ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب عندما تنتفي الذريعة التي استخدمتها للبقاء.

الملف الثاني عشر: غزة وحماس... مصر على الحدود والمغرب داخل القوة

تختلف غزة عن بقية الملفات لأنها تمس الموقف الشعبي والسياسي لأطراف التحالف، ولا يمكن التعامل معها كتهديد عسكري تقليدي.

مصر هي الطرف العربي الأكثر التصاقاً بالقطاع. فهي تدير الجانب المصري من معبر رفح، وتشارك في الوساطة، وترفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، كما وافقت مع الأردن على تدريب قوة شرطة فلسطينية يفترض أن تتولى الأمن الداخلي في غزة.

أما المغرب، فقد وقع اتفاقاً للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية، يشمل إرسال ضباط وعناصر من الدرك والشرطة ومستشفى ميدانياً. كما يجري إعداد مقر يتسع لنحو 150 جندياً مغربياً داخل منطقة تسيطر عليها إسرائيل في غزة.

وأعلنت دول أخرى، بينها إندونيسيا وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا وأوغندا، استعدادها للمساهمة في القوة، التي يمكن أن يصل حجمها على المدى الطويل إلى نحو 20 ألف عنصر، بالتوازي مع إعداد شرطة فلسطينية جديدة.

بالنسبة إلى السعودية، يرتبط دورها بالتمويل وإعادة الإعمار والغطاء السياسي، لكنها لا تريد الظهور كطرف ينزع سلاح الفلسطينيين لمصلحة استمرار الاحتلال. كما تربط الرياض التطبيع مع إسرائيل بمسار لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية.

تركيا تحتفظ بعلاقات سياسية مع حماس وتعارض السياسات الإسرائيلية، ولذلك يصعب قبول إسرائيل بمشاركة قوات تركية مباشرة في نزع سلاح الحركة. وقد يكون دور أنقرة أقرب إلى الوساطة وإقناع أطراف من حماس بقبول التحول السياسي، والمشاركة في الإعمار والإغاثة.

أما باكستان، التي لا تعترف بإسرائيل ورفضت دعوات الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، فمن المستبعد أن ترسل قوات تعمل بتنسيق أمني مباشر مع الجيش الإسرائيلي. لكن يمكن أن تدعم ترتيبات دولية تقوم على قرار من مجلس الأمن وموافقة فلسطينية وعربية.

لهذا سيبقى ملف غزة على الأرجح خارج المادة الدفاعية المباشرة لاتفاق مكة، مع حضور سياسي ومالي ودبلوماسي لأطرافه.

الملف الثالث عشر: غزة... انسحاب مشروط أم احتلال طويل المدى؟

يتجاوز ملف غزة مستقبل حماس أو تشكيل القوة الدولية؛ فالسؤال الأساسي هو: هل ستنسحب إسرائيل فعلاً، أم ستتحول السيطرة العسكرية الحالية إلى احتلال طويل المدى تحت اسم «المنطقة الأمنية»؟

بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة، بقيت إسرائيل في البداية مسيطرة على نحو 53% من مساحة القطاع. لكن الحكومة الإسرائيلية وسعت لاحقاً المنطقة الواقعة تحت سيطرة جيشها، وقال مسؤولون إسرائيليون إنها وصلت إلى ما بين 60% و70% من غزة.

وتربط إسرائيل الانسحاب الكامل بثلاثة شروط أساسية: تسليم سلاح حماس، وتدمير الأنفاق والبنية العسكرية، ووجود قوة أمنية بديلة تمنع إعادة بناء الحركة. أما حماس فتقول إن تسليم السلاح لا يمكن أن يسبق التزاماً إسرائيلياً واضحاً بوقف العمليات والانسحاب.

وهكذا نشأت دائرة مغلقة:

إسرائيل ترفض الانسحاب قبل نزع السلاح، بينما ترفض حماس تنفيذ نزع السلاح من دون ضمان الانسحاب.

وفي ظل غياب اتفاق على ترتيب الخطوات، تستمر إسرائيل في السيطرة على معظم الأرض، بينما يُدفع السكان إلى مساحات أصغر، وتتأخر إعادة الإعمار وعودة المؤسسات الفلسطينية.

ووافقت إسرائيل على دخول قوة دولية أولية تضم نحو 200 عنصر من المغرب وأوغندا إلى مناطق لا يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. كما يجري بناء مقر لقوات مغربية داخل المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.

لكن هذا الترتيب يطرح سؤالاً حساساً: هل ستكون القوة الدولية بديلاً مؤقتاً يساعد على انسحاب إسرائيل وعودة إدارة فلسطينية، أم ستتحول إلى قوة تدير الجيوب الفلسطينية بينما تحتفظ إسرائيل بالحدود والممرات والمنطقة العازلة؟

إذا انتشرت القوة الدولية فقط في المناطق التي تخليها إسرائيل تدريجياً، وخضعت لقرار دولي وجدول زمني للانسحاب الكامل، يمكن أن تكون جسراً نحو إنهاء الحرب. أما إذا عملت داخل مناطق محدودة، وبقيت إسرائيل تسيطر على 60% أو 70% من القطاع، فقد تصبح جزءاً من تقسيم غزة وليس تحريرها.

وتعد مصر الطرف الأكثر تأثراً بهذا الاحتمال. فهي ترفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وتخشى من بقاء كتلة سكانية كبيرة محصورة قرب حدودها، كما تريد أن تتولى شرطة فلسطينية مدربة إدارة الأمن بدلاً من الجيش الإسرائيلي أو حماس.

السعودية يمكن أن تقود التمويل وإعادة الإعمار، لكنها ستواجه صعوبة في دفع مليارات الدولارات داخل مناطق تبقى معرضة للعمليات الإسرائيلية. أما تركيا وباكستان فلن تقبلا بسهولة المشاركة في ترتيبات أمنية تُدار تحت السيطرة الإسرائيلية ولا تضمن دولة فلسطينية.

لذلك يجب أن يكون موقف تحالف مكة، إذا أراد دوراً في غزة، مرتبطاً بثلاثة شروط: جدول معلن للانسحاب الإسرائيلي، ووحدة غزة والضفة تحت إدارة فلسطينية واحدة، ومنع التهجير أو تحويل المناطق العازلة إلى حدود دائمة.

من دون ذلك، قد تنتقل غزة من حكم حماس إلى إدارة دولية محدودة، بينما يبقى الاحتلال الإسرائيلي صاحب السيطرة الفعلية على الأرض والجو والبحر.

ثالثاً: فلسطين والتطبيع وإعادة موازنة الإقليم

الملف الرابع عشر: الضفة الغربية... ضم بلا إعلان ودولة بلا أرض

تمثل الضفة الغربية الاختبار السياسي الأهم لأي نظام إقليمي جديد. فبينما تتحدث الولايات المتحدة والدول العربية عن دولة فلسطينية مستقبلية، تتحرك الحكومة الإسرائيلية على الأرض بطريقة تجعل قيام هذه الدولة أكثر صعوبة.

منذ اتفاق أوسلو، قسمت الضفة إلى ثلاث مناطق: المنطقة «أ» الخاضعة إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية، والمنطقة «ب» الخاضعة للإدارة الفلسطينية والسيطرة الأمنية المشتركة، والمنطقة «ج» التي تشكل نحو 60% من الضفة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

لكن هذا التقسيم المؤقت، الذي كان يفترض أن ينتهي بتسوية نهائية، تحول إلى واقع دائم. والأسوأ أن الحكومة الإسرائيلية بدأت خلال 2026 توسيع صلاحياتها الإدارية والأمنية إلى المنطقتين «أ» و«ب»، تحت عناوين مراقبة البناء والمياه والآثار والبيئة، بما يسمح بتوسيع عمليات الهدم ومنع التطوير الفلسطيني خارج المنطقة «ج» أيضاً.

كما أقرت الحكومة الإسرائيلية استئناف تسجيل الأراضي في الضفة للمرة الأولى منذ 1967، وتسهيل شراء المستوطنين للأراضي. ووصف الفلسطينيون ومنظمات إسرائيلية معارضة للاستيطان هذه الإجراءات بأنها «ضم فعلي» يجري من دون إعلان رسمي.

وفي حزيران/يونيو 2026 أعلنت إسرائيل توسيع أكثر من ألفي وحدة استيطانية في ثلاث مستوطنات، ضمن مسار متواصل لزيادة عدد المستوطنين وربط المستوطنات بالطرق والبنية التحتية الإسرائيلية.

هذا الواقع يعيد طرح الفرضية التي تقول إن التسوية المقبلة قد تمنح الفلسطينيين إدارة محدودة داخل أجزاء من المنطقة «أ»، بينما تبقى المنطقة «ج» والقدس والحدود والمستوطنات تحت السيطرة الإسرائيلية. لكن لا توجد حتى الآن وثيقة أميركية أو عربية معلنة تقر رسمياً إنشاء دولة فلسطينية في غزة مع حكم ذاتي محدود في الضفة.

الموجود هو خطر أن تفرض إسرائيل هذا النموذج على الأرض ثم تطلب من العالم التعامل معه بوصفه الحل الوحيد الممكن: تجمعات فلسطينية منفصلة تدير شؤون السكان، من دون سيادة على الحدود أو المجال الجوي أو الموارد الطبيعية أو التواصل الجغرافي.

وتتناقض هذه الإجراءات مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الذي خلص إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية، غير قانوني ويجب إنهاؤه في أسرع وقت ممكن.

بالنسبة إلى أطراف اتفاق مكة، تحمل الضفة أهمية تتجاوز التضامن السياسي. فالسعودية لا تستطيع التطبيع مع إسرائيل بينما يجري ضم الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية. وتركيا تعتبر منع الضم جزءاً من صراعها السياسي مع إسرائيل، بينما تربط باكستان أي اعتراف مستقبلي بإسرائيل بقيام دولة فلسطينية.

لكن التحالف لا يملك طريقاً عسكرياً واقعياً للتدخل في الضفة. أدواته ستكون سياسية واقتصادية وقانونية: دعم السلطة الفلسطينية، ومنع انهيار الاقتصاد، ورفض التعامل مع المستوطنات، والضغط على واشنطن، وربط التطبيع والاستثمارات والاتفاقيات الإقليمية بوقف الضم.

ولهذا قد تكون الضفة الملف الذي يحدد إن كان تحالف مكة سيصبح شريكاً في نظام إقليمي يتجاوز الفلسطينيين، أم قوة تستخدم وزنها لمنع تحويل الحكم الذاتي المؤقت إلى بديل دائم عن الدولة.

الملف الخامس عشر: شروط واشنطن للتطبيع... الأمن والتكنولوجيا مقابل الاعتراف بإسرائيل

لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع التطبيع العربي والإسلامي مع إسرائيل كمسار منفصل عن بقية ملفات المنطقة. فقد ربطت إدارة الرئيس دونالد ترامب بين الاعتراف بإسرائيل وبين التعاون النووي والأمني، وإنهاء الحرب مع إيران، وإعادة ترتيب غزة والنظام الإقليمي.

وفي أيار/مايو 2026 قال ترامب إنه طلب من السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن الانضمام بصورة جماعية إلى اتفاقيات أبراهام.

تبدو الدعوة غريبة بالنسبة إلى مصر والأردن، لأنهما تقيمان علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ عقود، لكنها تعني عملياً إدخالهما في بنية أوسع تقودها واشنطن وتربط العلاقات الاقتصادية والأمنية والعسكرية بين إسرائيل والدول العربية.

أما الضغط الأكبر فموجه إلى السعودية. ففي تموز/يوليو ربط ترامب تنفيذ اتفاق التعاون النووي المدني الأميركي–السعودي بانضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام، وقال البيت الأبيض إن الاتفاق «سيتوقف» إذا لم تطبع الرياض مع إسرائيل.

تريد السعودية برنامجاً نووياً مدنياً واسعاً، وإمكانية تخصيب اليورانيوم، وتكنولوجيا أميركية لبناء المفاعلات، إضافة إلى ضمانات أمنية وأسلحة متقدمة. في المقابل، تريد واشنطن اعترافاً سعودياً بإسرائيل، ودمج المملكة في منظومة إقليمية للدفاع الجوي والتجارة والطاقة.

لكن السعودية وضعت شرطاً مقابلاً: مساراً واضحاً لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية، وسبق أن حدد موقفها الرسمي هذه الدولة على أساس حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

هنا تظهر مفاوضات غير مباشرة بين شرطين:

واشنطن تقول: التكنولوجيا النووية والضمانات الأمنية مقابل التطبيع.

السعودية تقول: التطبيع مقابل دولة فلسطينية ومسار سياسي ملزم لإسرائيل.

ولا تبدو إسرائيل مستعدة حتى الآن لقبول الشرط السعودي، وخصوصاً مع وجود قوى داخل حكومتها ترفض الدولة الفلسطينية وتعمل على توسيع الاستيطان وضم الضفة.

أما باكستان فرفضت الدعوة الأميركية للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، لأنها لا تعترف بإسرائيل ولأن القضية الفلسطينية تمثل جزءاً من موقفها السياسي الداخلي والخارجي. وتركيا لديها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكنها أوقفت التجارة معها، ولذلك فإن المطلوب أميركياً منها ليس مجرد الاعتراف، بل إعادة العلاقات الاقتصادية والأمنية والتراجع عن دعم حماس والمواقف التصعيدية تجاه الحكومة الإسرائيلية.

وتواجه مصر والأردن معادلة مختلفة. فالسلام قائم، لكن واشنطن تريد منهما دوراً أكبر في أمن غزة وتدريب القوات الفلسطينية وحماية الحدود والمشاركة في نظام إقليمي تقوده إسرائيل والولايات المتحدة. في المقابل، تخشيان أن تتحولا إلى شريكين في إدارة الصراع من دون إنهاء الاحتلال.

يمكن أن يمنح اتفاق مكة السعودية قدرة أكبر على مقاومة الضغط الأميركي. فوجود باكستان وتركيا كشريكين عسكريين يقلل اعتماد الرياض الكامل على الضمانات الأميركية، ويمنحها بدائل في مجالات السلاح والتدريب والتكنولوجيا. لكنه لا يلغي حاجة السعودية إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في التكنولوجيا النووية المتقدمة وأنظمة الدفاع والعلاقات المالية.

لذلك قد يكون اتفاق مكة أيضاً ورقة تفاوض: السعودية تقول لواشنطن إنها تريد الشراكة، لكنها لم تعد مضطرة إلى قبول أي صيغة للتطبيع من دون ثمن فلسطيني حقيقي.

الملف السادس عشر: إسرائيل كقوة إقليمية... شريك في مواجهة إيران وخصم في صراع القيادة

لا يمكن فهم اتفاق مكة من دون تخصيص ملف مستقل لإسرائيل. فهي من جهة تقود، مع الولايات المتحدة، المواجهة العسكرية المباشرة ضد إيران، ما يخدم بصورة غير مباشرة مصالح السعودية في إضعاف القدرات الإيرانية وأذرع طهران. لكنها من جهة أخرى تعمل على توسيع نفوذها من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يثير مخاوف تركيا والسعودية وباكستان من تحولها إلى القوة الوحيدة القادرة على فرض قواعد الإقليم.

يمكن تقسيم الشبكة الإسرائيلية إلى ثلاث دوائر.

الدائرة الأولى هي التحالف العسكري المباشر مع الولايات المتحدة، الذي يوفر لإسرائيل السلاح والمعلومات والقدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة داخل إيران والمنطقة.

والدائرة الثانية تضم الدول التي تقيم علاقات علنية مع إسرائيل، وفي مقدمتها الإمارات والبحرين والمغرب، إضافة إلى معاهدتي السلام مع مصر والأردن. لكن مستوى التعاون ليس واحداً؛ فمصر والأردن تحافظان على السلام وترفضان في الوقت نفسه التهجير والسيطرة الإسرائيلية الدائمة على الأراضي الفلسطينية، بينما طورت الإمارات علاقات اقتصادية وأمنية أكثر اتساعاً.

أما الدائرة الثالثة، فهي شبكة العلاقات الممتدة نحو الهند وإثيوبيا وأرض الصومال والموانئ الواقعة على البحر الأحمر وخليج عدن. ولا تمثل هذه الدول حلفاً عسكرياً رسمياً، لكنها تتقاطع في مجالات السلاح والموانئ والتكنولوجيا والممرات التجارية ومواجهة النفوذ الإيراني والتركي.

في أرض الصومال، أصبح الوجود الإسرائيلي أكثر وضوحاً بعد اعتراف إسرائيل باستقلال الإقليم في كانون الأول/ديسمبر 2025. لكن يجب ضبط مسألة القاعدة الإسرائيلية بدقة. فقد قال وزير دفاع أرض الصومال في حزيران/يونيو 2026 إن إسرائيل لا تملك قاعدة عسكرية في الإقليم ولا توجد مفاوضات رسمية لإنشائها، لكنه أكد أن إسرائيل تدرب الشرطة والقوات العسكرية.

في المقابل، نشرت صحيفة «لوموند» تحقيقاً يقول إن الإمارات تعمل على توسيع منشأة عسكرية في مطار بربرة، يمكن أن تستخدمها أبوظبي وربما الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا يعزز فرضية بناء تسهيلات مشتركة، لكنه لا يثبت حتى الآن قيام قاعدة إسرائيلية مستقلة مكتملة.

أما في إثيوبيا، فتوجد علاقات أمنية وعسكرية قديمة مع إسرائيل، إضافة إلى تقاطع في المصالح حول أرض الصومال والوصول إلى البحر. لكن لا تتوافر أدلة موثوقة على إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية داخل إثيوبيا. لذلك الأدق الحديث عن نفوذ أمني وتعاون وتسهيلات محتملة، لا عن قواعد مؤكدة.

بالنسبة إلى أطراف اتفاق مكة، تتخذ العلاقة مع إسرائيل صوراً مختلفة. فباكستان لا تعترف بها وترفض التطبيع قبل حل القضية الفلسطينية. وتركيا تحتفظ بعلاقات دبلوماسية لكنها أوقفت التجارة وأصبحت في منافسة استراتيجية معها في سوريا وغزة والبحر الأحمر. أما السعودية فتتعاون مع الولايات المتحدة في مواجهة الأخطار الإيرانية، لكنها تربط الاعتراف بإسرائيل بمسار نحو دولة فلسطينية.

لهذا لا يمكن وصف اتفاق مكة بأنه جزء من تحالف تقوده إسرائيل، كما لا يمكن وصفه بأنه تحالف ضدها. الأرجح أنه يتعاون موضوعياً معها في تقليص نفوذ إيران، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى منعها من احتكار القوة والقرار الإقليميين.

وقد يصبح التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا والبحر الأحمر الاختبار الأخطر. فإذا حاولت إسرائيل إضعاف الحكومة السورية أو تحويل أرض الصومال إلى منصة عسكرية مقابلة لليمن، فقد تجد نفسها أمام مصالح تركية وسعودية مباشرة، حتى لو تجنب الطرفان الدخول في مواجهة عسكرية معلنة.

الملف السابع عشر: الخلاف السعودي–الإماراتي... هل يوازن التحالف نفوذ أبوظبي؟

لا تشير اتفاقية مكة رسمياً إلى الإمارات، لكن توقيتها وتركيبة أطرافها يجعلانها جزءاً من معادلة التنافس بين الرياض وأبو ظبي.

ظهر الخلاف إلى العلن في اليمن عندما دعم الطرفان قوى مختلفة داخل المعسكر المناهض للحوثيين. السعودية دعمت الحكومة المعترف بها دولياً وتمسكت، على الأقل رسمياً، بوحدة اليمن، بينما دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى إلى انفصال الجنوب ويسيطر على قوات وموانئ وجزر استراتيجية.

وبلغ التوتر ذروته في كانون الأول/ديسمبر 2025، عندما استهدفت السعودية ميناء المكلا وقالت إن شحنة عسكرية وصلت لدعم الانفصاليين المدعومين إماراتياً. أعقب ذلك طلب بخروج القوات الإماراتية وإعلان أبو ظبي سحب ما تبقى منها. وكشفت الحادثة، وفق رويترز، عمق عدم الثقة بين الدولتين.

ولا يقتصر الخلاف على اليمن. فالسعودية تنظر بقلق إلى شبكة النفوذ الإماراتية الممتدة عبر الموانئ والجماعات المحلية في السودان والصومال وأرض الصومال وليبيا. وترى الرياض أن دعم القوى الانفصالية أو شبه العسكرية يهدد نموذج الدولة المركزية ويخلق كيانات صغيرة مرتبطة بموانئ وشبكات تجارية وأمنية خارجية.

تركيا تلتقي مع السعودية في رفض تقسيم الصومال واليمن، وفي دعم الحكومة السودانية والجيش السوداني، لكنها تختلف معها أحياناً في وسائل إدارة هذه الملفات. أما باكستان فستكون أكثر حذراً، لأنها ترتبط بعلاقات اقتصادية وعسكرية قوية مع الإمارات ولا ترغب في تحويل اتفاق مكة إلى مواجهة خليجية.

لذلك لا يبدو التحالف موجهاً لضرب الإمارات، لكنه يمنح السعودية ثقلاً عسكرياً وسياسياً إضافياً لموازنة النفوذ الإماراتي ووقف توسع القوى المحلية المدعومة من أبو ظبي عندما يتعارض ذلك مع الأمن السعودي.

الملف الثامن عشر: الصومال... لماذا تركيا ولماذا مصر؟

الصومال ليس ملفاً منفصلاً عن البحر الأحمر، بل يمثل الضفة المقابلة لليمن عند مدخل باب المندب. ومن يملك حضوراً عسكرياً في الصومال يستطيع مراقبة خليج عدن وخطوط الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.

تركيا هي الدولة الأكثر حضوراً هناك. فهي تدير قاعدة تدريب عسكرية كبيرة في مقديشو، وتدرب وحدات من الجيش الصومالي، ووقعت اتفاقيات للدفاع البحري والتنقيب عن النفط والغاز. وفي مطلع 2026 نشرت ثلاث طائرات «إف-16» في مقديشو، وأرسلت قطعاً بحرية إلى خليج عدن لحماية عملياتها ومصالحها البحرية. والمهمة المعلنة لهذا الانتشار هي دعم الحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب وحماية السيادة الصومالية، لكنه يمنح أنقرة أيضاً موقعاً متقدماً قرب باب المندب.

أما مصر، فلم يعد دقيقاً القول إنها بقيت خارج الصومال تماماً. فقد أرسلت منذ 2024 شحنات أسلحة وذخائر، بينها مدافع ومعدات دفاع جوي، بعد توقيع اتفاق أمني مع مقديشو. كما وافق الاتحاد الأفريقي على مساهمة مصر بـ1,091 عسكرياً في بعثة دعم واستقرار الصومال «أوصوم». وفي شباط/فبراير 2026 شهد الرئيس الصومالي عرض القوات والمعدات المصرية المخصصة للبعثة، بما شمل طائرات ومروحيات.

لكن المعلومات المتاحة لا تثبت أن كامل القوة المصرية المقترحة أصبحت منتشرة وتعمل في جميع القطاعات؛ فالانتقال تأخر بسبب الترتيبات بين الدول المشاركة والتمويل وتوزيع مناطق المسؤولية. لذلك الأدق أن نقول إن الانتشار المصري بدأ، لكنه لم يكتمل بالحجم الذي جرى الحديث عنه سابقاً.

الدافع المعلن لمصر هو محاربة حركة الشباب ودعم الدولة الصومالية، لكن وراءه أيضاً الصراع مع إثيوبيا. فقد وقعت أديس أبابا اتفاقاً مع إقليم أرض الصومال للحصول على منفذ بحري وإقامة منشأة بحرية، بينما ترى مصر أن وجوداً إثيوبياً عسكرياً على البحر الأحمر سيضيف ضغطاً استراتيجياً جديداً إلى أزمة سد النهضة.

السعودية معنية من جانبها بمنع تحول الضفة الأفريقية للبحر الأحمر إلى شبكة قواعد وموانئ تسيطر عليها قوى منافسة. أما دور باكستان في الصومال، إذا توسع، فسيكون على الأرجح في التدريب والمعدات والمراقبة البحرية، وليس عبر انتشار بري كبير.

الملف التاسع عشر: السودان وسد النهضة وأرض الصومال... صراع واحد على ضفتي البحر

تلتقي في السودان والقرن الأفريقي معظم تناقضات الإقليم: الخلاف السعودي–الإماراتي، والصراع المصري–الإثيوبي، والوجود التركي في الصومال، والتحرك الإسرائيلي في أرض الصومال، والتنافس على الموانئ والذهب وطرق التجارة.

في السودان، تقف مصر بوضوح إلى جانب الجيش السوداني والدولة المركزية، ونشرت طائرات مسيّرة تركية الصنع قرب حدودها مع السودان. وذكرت رويترز أن الجيش السوداني يستخدم مسيّرات تركية وإيرانية، وأنه حصل على دعم سياسي ومساعدات من السعودية وقطر، بينما اتهم خبراء أمميون ومسؤولون سودانيون الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي بصورة متكررة.

تحاول السعودية الجمع بين دعم وحدة السودان واستمرار وساطة جدة، لأنها لا تريد انهيار دولة مطلة على البحر الأحمر أو قيام سلطة مسلحة غير مستقرة قرب موانئه. أما تركيا فترتبط بالجيش السوداني وبمشروعات ومصالح على الساحل، ما يضعها موضوعياً أقرب إلى الموقفين المصري والسعودي.

يمتد الصراع إلى إثيوبيا وأرض الصومال. فقد وقعت إثيوبيا اتفاقاً للحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة وإمكانية إقامة وجود بحري، بينما أصبحت إسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2025 أول دولة تعترف رسمياً باستقلال أرض الصومال.

رفضت الصومال ومصر وتركيا وباكستان هذا الاعتراف، ورأت فيه تهديداً لوحدة الصومال واستقرار البحر الأحمر. وتتهم مقديشو الإمارات، التي تملك استثمارات ونفوذاً في ميناء بربرة، بتشجيع الاعتراف الإسرائيلي، وهو اتهام تنفيه أبوظبي.

بالنسبة إلى مصر، لا يمكن فصل هذه التطورات عن سد النهضة. فالقاهرة ترى أن حصول إثيوبيا على قاعدة أو منفذ عسكري مستقل على البحر الأحمر، بالتزامن مع تحكمها في سد ضخم على النيل الأزرق، سيمنحها ورقتي ضغط في المياه والبحر معاً.

أما تركيا فتوجد في موقع أكثر تعقيداً: فهي حليف عسكري للصومال ورافضة لتقسيمه، لكنها تحتفظ بعلاقات اقتصادية وسياسية قوية مع إثيوبيا، وسبق أن توسطت بين مقديشو وأديس أبابا. لذلك يمكن أن تتحول إلى جسر للتسوية أو إلى طرف منحاز للصومال إذا انهارت الوساطة.

الملف العشرون: الأكراد... بين دمج «قسد» وإنهاء حزب العمال

يمثل الملف الكردي إحدى أهم القضايا التي ترتبط مباشرة بالأمن القومي التركي، لكنه لا يقتصر على حدود تركيا، بل يمتد عبر سوريا والعراق ويؤثر في العلاقة بين أنقرة وواشنطن ودمشق وإقليم كردستان العراق.

وتتعامل تركيا مع هذا الملف عبر مسارين متوازيين: الأول داخلي، يهدف إلى إنهاء الصراع مع حزب العمال الكردستاني؛ والثاني إقليمي، يسعى إلى منع قيام تشكيل عسكري كردي مستقل على حدودها الجنوبية.

قدمت الحكومة التركية في آب/أغسطس 2026 مشروع قانون يفتح الباب أمام عودة وإعادة دمج آلاف المنتمين إلى حزب العمال الذين لم يتورطوا في جرائم جسيمة، مع إخضاع عملية نزع السلاح للتحقق من مجلس الأمن القومي التركي. ويأتي ذلك ضمن مسار بدأ منذ 2024 لإنهاء تمرد استمر أكثر من أربعة عقود.

أما في سوريا، فقد توصلت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والدمج التدريجي للقوات والمؤسسات الكردية داخل الدولة. لكن أسئلة مهمة ما تزال عالقة، بينها مصير السلاح الثقيل، وطريقة دمج المقاتلين، وحدود الإدارة المحلية، والسيطرة على الموارد النفطية والمعابر والسجون التي تضم عناصر من تنظيم داعش.

ترى تركيا أن نجاح الاتفاق السوري يجب أن ينهي وجود جيش كردي مستقل، وأن يخضع جميع المقاتلين لوزارتي الدفاع والداخلية السوريتين. وهي تعتبر أن وحدات حماية الشعب، التي تشكل العمود الفقري لقسد، امتداد لحزب العمال الكردستاني.

أما السعودية فتدعم استعادة الحكومة السورية السيطرة على كامل أراضي الدولة ومواردها، لكنها تحتاج إلى تسوية لا تقوم على إقصاء الأكراد أو حرمانهم من حقوقهم السياسية والثقافية. فالحل بالقوة وحدها قد يفتح تمرداً جديداً ويمنح تنظيم داعش فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.

وتقف باكستان أقرب إلى الموقف التركي في رفض الحركات الانفصالية المسلحة، بسبب تجربتها مع التمرد في بلوشستان وحركة طالبان باكستان. ويمكن أن تقدم تدريباً وخبرات في مراقبة الحدود ومكافحة التنظيمات المسلحة، لكن الدور الأساسي في الملف سيبقى تركياً–سورياً.

وقد يكون دور تحالف مكة في هذا الملف دعم عملية مزدوجة: دمج قسد في الدولة السورية، بالتوازي مع إنجاح نزع سلاح حزب العمال في تركيا والعراق. لكن نجاح ذلك يتطلب التمييز بين مواجهة التنظيمات المسلحة وبين التعامل مع ملايين الأكراد بوصفهم مكوناً أصيلاً له حقوقه في تركيا وسوريا والعراق.

الملف الحادي والعشرون: باكستان والهند... ظل إسرائيل خلف حدود كشمير

بالنسبة إلى باكستان، لا تقتصر قيمة اتفاق مكة على إيران أو الشرق الأوسط. فالهند تبقى خصمها العسكري الأساسي، وقد شهد البلدان في 2025 أخطر مواجهة صاروخية وجوية بينهما منذ عقود.

وتتمتع الهند بعلاقة دفاعية واستراتيجية متقدمة مع إسرائيل، تشمل الطائرات المسيّرة والرادارات والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي. كما تشارك الهند مع الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات في مجموعة «I2U2»، وهي ليست حلفاً عسكرياً رسمياً، لكنها تعكس تقارباً اقتصادياً وتقنياً واستراتيجياً بين الدول الأربع.

في المقابل، تقف تركيا سياسياً إلى جانب باكستان في قضية كشمير وتربطهما مشروعات دفاعية وعسكرية. أما السعودية فتملك علاقات تاريخية وثيقة مع باكستان، لكنها تحتفظ أيضاً بعلاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع الهند.

وهنا تظهر واحدة من أكبر مناطق الغموض في الاتفاق: إذا اندلعت حرب جديدة وبدأت الهند الهجوم، فهل تعتبر السعودية وتركيا ذلك اعتداءً عليهما وفق الاتفاق؟ النص العام يوحي بذلك، لكن الحسابات السياسية قد تدفع الرياض إلى الوساطة وتقديم الدعم الدفاعي لباكستان بدلاً من الدخول في حرب مع الهند.

كذلك لا تعترف باكستان بإسرائيل، وقد رفضت رسمياً دعوة أميركية للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام. وهذا يعني أن اتفاق مكة لا يمكن وضعه بالكامل داخل نظام أمني تقوده إسرائيل؛ فأحد أعضائه ينظر إلى العلاقة الهندية–الإسرائيلية باعتبارها جزءاً من التهديد الذي يحتاج إلى موازنته.

الملف الثاني والعشرون: أفغانستان وبلوشستان... الجبهة الغربية لباكستان

لا تقتصر التهديدات الأمنية الباكستانية على الهند وكشمير. فمنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، تصاعد الخلاف بين إسلام آباد وكابول بسبب نشاط حركة طالبان باكستان، التي تتهمها الحكومة الباكستانية باستخدام الأراضي الأفغانية للتخطيط لهجمات داخل باكستان.

وتحول التوتر في 2026 إلى مواجهة عسكرية خطرة، بعد تنفيذ باكستان ضربات داخل أفغانستان واندلاع اشتباكات حدودية متكررة. وتقول إسلام آباد إن عملياتها تستهدف معسكرات طالبان باكستان وتنظيم داعش–خراسان، بينما تتهمها السلطات الأفغانية بانتهاك السيادة.

وإلى جانب أفغانستان، تواجه باكستان تمرداً انفصالياً في إقليم بلوشستان الممتد بمحاذاة الحدود مع إيران وأفغانستان. وتعد جماعة «جيش تحرير بلوشستان» أقوى هذه التنظيمات، وقد نفذت عمليات منسقة استهدفت قوات الأمن والبنية التحتية ومشروعات صينية.

تنبع أهمية بلوشستان من موقعها ومواردها، ومن وجود ميناء جوادر، الذي يمثل حجر الأساس في الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني. ولهذا فإن عدم الاستقرار في الإقليم لا يهدد باكستان وحدها، بل يهدد أيضاً المصالح الصينية والوصول الصيني إلى بحر العرب.

وتتهم باكستان الهند بدعم بعض الجماعات الانفصالية، وهو اتهام ترفضه نيودلهي. كما تواجه إسلام آباد مشكلة أكثر تعقيداً تتمثل في وجود المسلحين وتحركاتهم عبر الحدود الإيرانية والأفغانية، ما يجعل أي عملية عسكرية معرضة للتحول إلى أزمة مع دولتين مجاورتين.

هنا يمكن أن يوفر اتفاق مكة لباكستان دعماً سياسياً واستخبارياً وتقنياً. فتركيا تملك خبرة في مراقبة الحدود والطائرات المسيّرة ومواجهة التنظيمات العابرة للحدود، بينما تستطيع السعودية استخدام علاقاتها مع باكستان والحكومة الأفغانية والجهات الإقليمية للوساطة ومنع اتساع الحرب.

لكن الاتفاق يواجه سؤالاً قانونياً وسياسياً: إذا تعرضت باكستان لهجمات قادمة من داخل أفغانستان، فهل يعد ذلك اعتداءً يستدعي التدخل الجماعي؟ وهل تستطيع السعودية وتركيا مساندة باكستان من دون الدخول في حرب مع الحكومة الأفغانية؟

الأرجح أن يكون الدعم في صورة معلومات وتدريب ومعدات وضغط دبلوماسي، لا في صورة قوات سعودية أو تركية تقاتل داخل أفغانستان. ومع ذلك، يكشف هذا الملف أن الاتفاق لا يخص الشرق الأوسط وحده، بل يمتد أمنياً حتى جنوب آسيا وحدود الصين.

الملف الثالث والعشرون: ليبيا وشرق المتوسط... اختبار المصالحة المصرية–التركية

لا يمثل شرق المتوسط ساحة عاجلة لاتفاق مكة، لكنه قد يصبح واحداً من أصعب اختباراته إذا انضمت مصر لاحقاً.

تدعم تركيا حكومة طرابلس وتحافظ على وجود عسكري واتفاقات أمنية وبحرية معها. ووقعت أنقرة وطرابلس في 2019 اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية يمنح تركيا وليبيا مناطق اقتصادية متصلة في المتوسط، وهو اتفاق رفضته مصر واليونان وقبرص وعدّته متعارضاً مع حقوقها البحرية.

وفي المقابل، دعمت مصر والإمارات خلال مراحل سابقة القوى الموجودة في شرق ليبيا، بينما دعمت تركيا حكومة طرابلس. لكن خريطة العلاقات بدأت تتغير؛ إذ حسنت تركيا علاقاتها مع القاهرة وأعادت فتح قنواتها مع شرق ليبيا أيضاً، في محاولة للتعامل مع جميع الأطراف وحماية اتفاقها البحري ومصالحها الاقتصادية.

ترتبط إسرائيل بهذا الملف من خلال علاقاتها مع اليونان وقبرص ومشروعات الغاز والطاقة في شرق المتوسط، وتنظر بحذر إلى التوسع البحري التركي. كما أن أي صدام حول حقول الغاز أو الحدود البحرية قد يضع تركيا في مواجهة شبكة من الشركاء الأوروبيين والإقليميين.

أما السعودية فليست طرفاً مباشراً في النزاع البحري، لكنها تستطيع استخدام علاقاتها مع مصر وتركيا والإمارات لدفع تسوية تمنع عودة المواجهة بالوكالة داخل ليبيا. ويبقى الدور الباكستاني محدوداً، باستثناء التعاون العسكري مع تركيا أو المشاركة في التدريب إذا طلبت حكومة ليبية معترف بها ذلك.

هذا الملف يفسر جزئياً تأخر مصر في الانضمام إلى اتفاق مكة. فالقاهرة لا يمكنها توقيع تعهد دفاعي كامل مع تركيا قبل توضيح ما إذا كانت خلافات شرق المتوسط وليبيا يمكن أن تتحول إلى التزام جماعي.

والأرجح أن يُستخدم الاتفاق هنا كإطار للوساطة وضبط الخلافات، لا كأداة عسكرية لدعم طرف ليبي على حساب آخر.

الملف الرابع والعشرون: أذربيجان وأرمينيا... تقاطع تركي–باكستاني مع إسرائيل

تمثل أذربيجان منطقة تقاطع نادرة بين تركيا وباكستان وإسرائيل. فتركيا تعد أذربيجان حليفاً استراتيجياً وشعباً شقيقاً، وساندتها سياسياً وعسكرياً خلال صراعاتها مع أرمينيا. كما ترتبط باكستان بعلاقات دفاعية وثيقة مع باكو وساندتها في قضية إقليم ناغورنو كاراباخ.

وفي الوقت نفسه، طورت أذربيجان شراكة عسكرية وأمنية واسعة مع إسرائيل، حصلت من خلالها على طائرات مسيّرة وأنظمة مراقبة وتسليح. وتنبع أهمية باكو لإسرائيل أيضاً من حدودها الطويلة مع إيران وموقعها القريب من شمال إيران.

هذا يعني أن أذربيجان تجمع في علاقاتها بين ثلاثة أطراف تتباعد مواقفها بشدة من إسرائيل: تركيا، وباكستان، وإسرائيل نفسها.

شهد عام 2025 توقيع إعلان سلام أميركي الرعاية بين أذربيجان وأرمينيا، وبدأت الدولتان خلال 2026 إعادة فتح طرق التجارة، لكن الاتفاق النهائي ما يزال مرتبطاً بقضايا قانونية ودستورية وحدودية.

كما بدأت تركيا وأرمينيا خطوات لتخفيف القيود وفتح التجارة المباشرة، في محاولة لتحويل جنوب القوقاز من ساحة حروب إلى ممر اقتصادي يربط آسيا بتركيا وأوروبا.

تستفيد السعودية من استقرار القوقاز وفتح ممرات التجارة والطاقة، لكنها لا تملك الدور العسكري نفسه الذي تملكه تركيا. ويمكن لتحالف مكة أن يمنح باكو دعماً سياسياً إضافياً، لكنه لا يبدو محتاجاً إلى تدخل عسكري ما دامت عملية السلام مستمرة.

الأهمية الحقيقية لهذا الملف أنه يكشف أن خريطة المحاور ليست ثابتة. فأذربيجان حليف وثيق لتركيا وباكستان، وفي الوقت ذاته شريك لإسرائيل، وقد تتحول إلى قناة خلفية لتخفيف التوتر التركي–الإسرائيلي أو إلى نقطة خلاف إذا حاولت إسرائيل استخدام أراضيها أو معلوماتها ضد إيران.

الملف الخامس والعشرون: قطر وعُمان... الجناح الذي يمنع التحالف من التحول إلى حرب مذهبية

لا تدخل قطر وعُمان ضمن اتفاق مكة، لكنهما تؤديان دوراً ضرورياً في البيئة المحيطة به. فكل تحالف دفاعي يحتاج إلى قناة تفاوض تمنع سوء التقدير وتوصل الرسائل إلى الخصوم، وخصوصاً إيران.

تتمتع عُمان بتاريخ طويل في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي تقود حالياً المحادثات المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز. لكن المفاوضات ما تزال معقدة، إذ تصر طهران على ربط فتح المضيق بشروط تتعلق بوقف الهجمات والعقوبات والوجود الأميركي.

أما قطر فتستخدم علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران وحركات المنطقة للوساطة في حرب إيران وغزة. وقد أعلنت الدوحة إحراز تقدم في جهود وقف الحرب وإعادة فتح هرمز، رغم استمرار الخلافات حول شروط طهران وآلية المرور البحري.

تتقاطع هذه الوساطة مع دور تركيا وباكستان، اللتين حافظتا على قنوات مع طهران وشاركتا في محاولات وقف الحرب. وأصبحت تركيا وباكستان ومصر أكثر نشاطاً في الوساطة إلى جانب قطر وعُمان، ما يمنح اتفاق مكة وجهاً سياسياً موازياً لوجهه العسكري.

أما السعودية فتحتاج إلى هذا الجناح الدبلوماسي، لأنها تريد ردع إيران ومنعها من تهديد منشآتها وممراتها البحرية، لكنها لا تريد حرباً مفتوحة تدمر الاقتصاد الخليجي وتعرقل مشروعاتها التنموية.

وقد تعمل قطر وعُمان كصمام أمان بين تحالف مكة وإيران: تنقلان الرسائل، وتختبران فرص التهدئة، وتمنعان تفسير كل انتشار عسكري تركي أو باكستاني بوصفه استعداداً لغزو إيران.

وهذا الدور يوضح أن النظام الإقليمي الجديد لا يتكون من جيوش ومحاور متقابلة فقط. فإلى جانب محور المواجهة الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، ومظلة الردع التي تبنيها السعودية وتركيا وباكستان، توجد شبكة وساطة تقودها عُمان وقطر وتشارك فيها مصر، وتحاول منع انتقال الردع إلى حرب إقليمية شاملة.

تكشف هذه المجموعة أن الملفات لا تقع على الدرجة نفسها من الالتزام الدفاعي. فالبحر الأحمر والهجمات على السعودية وأمن باكستان أقرب إلى الدفاع المباشر، بينما تقع سوريا والعراق والصومال ولبنان ضمن دعم الحكومات ومؤسسات الدولة. أما إسرائيل وليبيا والقوقاز وقطر وعُمان، فهي ملفات موازنة ووساطة تحدد الاتجاه السياسي للتحالف.

رابعاً: القوى الدولية ومسارات امتداد الحرب

الملف السادس والعشرون: الصين... حليف اقتصادي لإيران لا يريد القتال من أجلها

الصين هي القوة الأكثر تضرراً اقتصادياً من اضطراب الخليج، والأكثر حرصاً في الوقت نفسه على ألا تتحول إلى ضامن عسكري له. فهي تحتاج إلى نفط الخليج وإلى سلامة هرمز والبحر الأحمر، وتحافظ على علاقات متوازية مع إيران والسعودية والإمارات، ولا تريد أن تخسر هذه الشبكة بالدخول في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة.

عندما تعرضت إيران للهجوم، اكتفت بكين وموسكو بالإدانة والتحرك الدبلوماسي، وبقي دعمهما العسكري دون مستوى التدخل المباشر. وخلص تحليل لرويترز إلى أن إيران بقيت إلى حد كبير وحدها؛ لأن كلفة الصدام مع واشنطن أكبر من المكاسب المحتملة، ولأن الصين تضع تايوان وبحر الصين الجنوبي ومنافستها مع الولايات المتحدة في مرتبة أعلى من الدفاع عن شريك في الشرق الأوسط.

هذا لا يعني أن بكين محايدة بالمعنى الكامل. فقد مارست اتصالات دبلوماسية مع طهران ودول الخليج، وحاولت باكستان فتح مسار تفاوضي بدعم صيني، فيما أظهرت تقارير أن دول الخليج اختبرت قدرة الصين على كبح إيران وحماية الممرات. لكن الاستجابة الصينية بقيت قائمة على الوساطة والتجارة، لا على إرسال قوة لفتح هرمز.

وتظهر مصلحة الصين بوضوح في الطاقة. فقد زادت «سينوبك» مشترياتها من النفط الروسي لتعويض تراجع إمدادات الشرق الأوسط، وخفضت مشترياتها السعودية بصورة حادة خلال الاضطراب. هذه ليست حركة تحالف مع إيران أو ضد السعودية، بل محاولة لتقليل الخسارة وتأمين بديل سريع؛ وهي في الوقت نفسه تمنح روسيا منفعة اقتصادية من استمرار الأزمة.

ما علاقة اتفاق مكة بالصين؟

باكستان هي قناة الصين الأقرب إلى الاتفاق الجديد، بينما تمثل السعودية مورداً مهماً للطاقة، وتركيا عقدة عبور وتجارة بين آسيا وأوروبا. لذلك لا تبدو بكين خصماً للاتفاق، بل مستفيداً محتملاً من نجاحه في حماية الملاحة وخفض الهجمات على منشآت الخليج.

وفي المقابل، لن ترحب الصين بتحوله إلى جبهة هجومية مفتوحة على إيران؛ لأن ذلك يهدد تجارتها ونفوذها مع جميع الأطراف.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الصيني؟

الخطر الأقرب ليس إرسال جيش صيني إلى الخليج، بل استغلال انشغال واشنطن لزيادة الضغط حول تايوان: دوريات بحرية وجوية، وحصار تدريبي أو جزئي، وهجمات سيبرانية وحرب معلومات، وفرض وقائع في المضيق أو بحر الصين الجنوبي.

وقد بدأت تايوان في أغسطس/آب مناورات «هان كوانغ» السنوية التي تضمنت نقل الرئيس إلى مركز قيادة، وإبطاء الإنترنت المحمول عمداً، واختبار استمرار عمل القيادة والإنتاج العسكري تحت الهجوم.

لكن هذه الوقائع لا تكفي للقول إن غزواً صينياً أصبح وشيكاً. فالمناورات سنوية، وإن كانت أكثر واقعية، كما أن تقدير الاستخبارات الأمريكية المنشور في مارس/آذار قال إن الصين لا تخطط حالياً لغزو في عام 2027 ولا تملك جدولاً زمنياً ثابتاً، مع استمرارها في بناء القدرة وممارسة الإكراه.

لذلك يبقى التصعيد الرمادي والحصار المحدود أكثر احتمالاً من الغزو الشامل، ما لم تقع أزمة أو سوء تقدير يغير الحسابات.

خلاصة الملف الصيني: تريد الصين شرق أوسط مستقراً بما يكفي لاستمرار النفط والتجارة، ومضطرباً بما يكفي لإضعاف الهيمنة الأمريكية، لكنها لا تريد دفع ثمن حرب لإنقاذ إيران. امتدادها الأرجح اقتصادي ودبلوماسي وسيبراني، مع ضغط أكبر على تايوان، لا جبهة صينية مباشرة في الخليج.

الملف السابع والعشرون: روسيا... المستفيد من تشتيت واشنطن والفاعل من خلف الستار

روسيا أقرب عسكرياً إلى إيران من الصين، لكنها لم تدخل الحرب دفاعاً عنها. والسبب القانوني مهم: اتفاق الشراكة الاستراتيجية الروسي ـ الإيراني المنشور لا يتضمن التزاماً بالدفاع المشترك.

والسبب السياسي أهم: موسكو لا تريد صداماً مباشراً مع الولايات المتحدة، ولا خسارة علاقاتها مع السعودية ودول الخليج وإسرائيل، بينما تبقى حرب أوكرانيا أولويتها الأولى.

غير أن عدم التدخل العلني لا يساوي الغياب. فقد تحدث تقييم استخباري أوكراني عن صور أقمار صناعية ودعم سيبراني روسي لإيران، ونفت موسكو ذلك. ثم نقلت رويترز عن مصادر غربية أن محللين أمريكيين يحققون في احتمال مساعدة روسية لبعض الضربات الإيرانية، من دون وصولهم إلى نتيجة نهائية، مع إشارات إلى دعم تقني ومعلومات استهداف.

هذه نقطة يجب عرضها بوصفها تحقيقاً واتهاماً مدعوماً بمؤشرات، لا حقيقة قضائية مكتملة.

تستفيد موسكو من ثلاث نتائج للحرب الإقليمية:

انتقال جزء من الاهتمام الأمريكي من أوكرانيا إلى إيران.

استنزاف الصواريخ الاعتراضية والبعيدة المدى التي تحتاج إليها كييف.

ارتفاع قيمة النفط الروسي وتحول مشترين صينيين إليه عند تعطل الإمدادات الخليجية، وإن كانت الهجمات الأوكرانية والعقوبات تمنع تحويل ارتفاع الأسعار إلى مكسب روسي كامل.

ما علاقة اتفاق مكة بروسيا؟

تركيا عضو في الناتو وشريك لروسيا وخصم لها في ملفات أخرى؛ والسعودية لاعب أساسي في سوق النفط وقناة سياسية لا ترغب موسكو في خسارتها؛ وباكستان توسع علاقاتها مع روسيا مع بقائها شريكاً وثيقاً للصين.

لذلك يمنح اتفاق مكة روسيا مسارين متعارضين: إذا بقي دفاعياً، فقد يضبط الفوضى التي تهدد مصالحها؛ وإذا أصبح منصة لضرب إيران أو إقصاء موسكو من سوريا والخليج، فقد يدفعها إلى زيادة الدعم غير المعلن لطهران وحلفائها.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الروسي؟

المسرح الأرجح هو أوكرانيا، لا الخليج. تستطيع موسكو استغلال انشغال الولايات المتحدة لتكثيف الضغط الصاروخي، وتوسيع الهجمات على الموانئ والطاقة واللوجستيات، ومحاولة فرض وقائع ميدانية قبل الشتاء.

وقد قالت كييف إن تسليمات صواريخ الدفاع الجوي في 2026 هبطت إلى ثلث مستوى 2025، في وقت زادت فيه روسيا هجماتها وتوقعت أوكرانيا حملة جديدة على قطاع الطاقة.

أما خارج أوكرانيا، فالامتداد الروسي الأكثر ترجيحاً هو الدعم الاستخباري والسيبراني والتقني لإيران، والضغط الهجين على أوروبا، واستثمار وجودها وعلاقاتها في سوريا، وليس فتح جبهة روسية مباشرة ضد الولايات المتحدة.

الحد الذي يغير هذا التقدير هو إصابة قوات أو أصول روسية مباشرة، أو انتقال الصدام في البحر الأسود أو شرق المتوسط إلى مواجهة مع دولة أطلسية.

خلاصة الملف الروسي: موسكو لا تحتاج إلى إشعال حرب عالمية كي تربح؛ يكفيها أن تنشغل واشنطن، وأن تنقص صواريخ أوكرانيا، وأن يرتفع ثمن الطاقة. لذلك ستفضل حرب الظل في الشرق الأوسط والتصعيد الظاهر في أوكرانيا.

الملف الثامن والعشرون: أوكرانيا... من جبهة بعيدة إلى طرف تقني في أمن الخليج

لم تعد أوكرانيا متلقياً لتأثير حرب الشرق الأوسط فقط. فخبرتها في مواجهة المسيّرات الإيرانية الصنع جعلتها مورداً للخبرة العملياتية.

وفي أبريل/نيسان، قالت بريطانيا إن أوكرانيا يمكن أن تؤدي دوراً مفيداً في تأمين هرمز، وأفادت رويترز بأن كييف نشرت أكثر من مئتي خبير في الشرق الأوسط للمساعدة في التصدي لمسيّرات بعيدة المدى، وشاركت في مشاورات حماية الملاحة.

هذا الدور لا يجعل أوكرانيا عضواً في تحالف مكة، لكنه يفتح باب التعاون معها في التدريب على الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، ورصد المسيّرات وحماية المنشآت.

وتستطيع تركيا، بحكم علاقتها بكييف وعضويتها في الناتو، أن تكون صلة الوصل العملية، بينما تستطيع السعودية تمويل مشاريع أو شراء تقنيات، ويستفيد الطرفان من خبرة حرب حقيقية تراكمت خلال سنوات.

لكن المفارقة أن كل توسع في الدور الأوكراني شرق أوسطياً يحدث بينما تتضرر جبهتها الأصلية. فالصواريخ الاعتراضية نفسها مطلوبة في أوكرانيا والخليج وإسرائيل، والذخائر الأمريكية البعيدة المدى تعرضت لاستنزاف شديد في حرب إيران.

وهذا يحول الشرق الأوسط وأوكرانيا من جبهتين منفصلتين إلى سوق عسكري واحد يتنافسان فيه على المخزون والإنتاج والقرار السياسي.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الأوكراني؟

إذا طال القتال مع إيران، فمن المرجح أن توسع كييف ضرباتها بعيدة المدى داخل روسيا وعلى منشآت الطاقة واللوجستيات، لتعويض ضعف الاعتراض الجوي ورفع كلفة الحرب على موسكو. وسيزداد ثقل البحر الأسود وموانئ الجنوب وخطوط تصدير الطاقة.

أما مشاركة أوكرانية قتالية واسعة داخل إيران فتبقى أقل احتمالاً؛ دورها الأقرب هو الخبراء والاستخبارات والتكنولوجيا والدفاع ضد المسيّرات.

خلاصة الملف الأوكراني: أوكرانيا ليست الطرف الذي سيشعل حرب الشرق الأوسط، لكنها إحدى أكثر الدول تأثراً بطولها، وقد أصبحت جزءاً تقنياً محدوداً من مواجهتها. امتداد الحرب عليها سيكون عبر نقص السلاح الغربي وتصعيد روسي مقابل، لا عبر انتقال الجيش الأوكراني بكامل ثقله إلى الخليج.

الملف التاسع والعشرون: أوروبا... قوة دفاع بحري ودعم لأوكرانيا لا جبهة موحدة ضد إيران

الحديث عن «أوروبا» بوصفها جيشاً واحداً مضلل. فهناك الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، ودول ذات مواقف مختلفة.

وقد ظهر الانقسام عندما امتنعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، بحسب مصادر نقلت عنها رويترز، عن منح دعم عسكري أو مجال جوي لبعض العمليات الأمريكية ضد إيران. وهذا يعني أن اتساع الحرب لا يضمن تلقائياً انضمام العواصم الأوروبية إلى حملة هجومية.

لكن أوروبا حاضرة دفاعياً في البحر الأحمر. فقد مدد مجلس الاتحاد الأوروبي عملية «أسبيدس» حتى 28 فبراير/شباط 2027 لحماية السفن وحرية الملاحة، مع نطاق يشمل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وبحر العرب وخليج عُمان ومراقبة الوضع في هرمز.

التفويض دفاعي، وهذه الصفة مهمة: اعتراض تهديد لسفينة يختلف قانونياً وسياسياً عن قصف اليمن أو إيران.

وفي الجبهة الشرقية، تعهد حلفاء الناتو في قمة أنقرة بتقديم 70 مليار يورو من المعدات والمساعدة والتدريب لأوكرانيا في 2026، مع نية الحفاظ على مستوى مماثل في 2027.

لكن الالتزام السياسي يصطدم بعنق زجاجة صناعي: إنتاج صواريخ الدفاع الجوي أبطأ من الاستهلاك المتزامن في أوكرانيا والشرق الأوسط.

ما علاقة اتفاق مكة بأوروبا؟

العلاقة تمر أولاً عبر تركيا، العضو في الناتو. فإذا تعرضت تركيا لهجوم، يمكن أن تنشأ مسألة تداخل بين التزامها في اتفاق مكة والتزاماتها الأطلسية.

وقد أعلن الناتو تضامنه مع أنقرة بعد استهداف إيراني لتركيا في مارس/آذار، من دون أن يعني ذلك أن كل عملية تركية أو كل ملف في اتفاق مكة يصبح تلقائياً حرباً أطلسية.

أما مع السعودية وباكستان، فالدور الأوروبي أقرب إلى بيع السلاح والتدريب وحماية الملاحة والوساطة، وإلى المشاركة المحتملة في ترتيبات رقابة أو حفظ سلام في لبنان وغزة إذا توافرت موافقات سياسية وقانونية.

ولا توجد حتى الآن قرينة على قرار أوروبي جماعي بالمشاركة في حرب برية أو جوية شاملة ضد إيران.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الأوروبي؟

ستتأثر أوروبا في أربعة مسارح:

الجبهة الشرقية والبحر الأسود عبر روسيا.

المتوسط ولبنان وغزة عبر القواعد والبعثات الإنسانية وحفظ السلام.

البحر الأحمر عبر حماية السفن.

الداخل الأوروبي عبر الطاقة والتضخم واللجوء والهجمات السيبرانية على البنية التحتية.

أما التحول إلى حرب مباشرة فيرتبط غالباً بضرب دولة عضو في الناتو أو قوات أوروبية، لا بمجرد استمرار الحرب الإقليمية.

خلاصة الملف الأوروبي: ستدافع أوروبا عن الممرات وعن جناحها الشرقي، وتمول أوكرانيا وتضغط بالعقوبات والدبلوماسية، لكنها ستبقى منقسمة حيال الانضمام إلى حملة هجومية ضد إيران. أخطر ما يواجهها هو تزامن الاستنزاف في الشرق الأوسط مع تصعيد روسي في أوكرانيا.

الملف الثلاثون: كوريا الشمالية... الامتداد الآسيوي الذي وصل فعلاً إلى أوكرانيا

كوريا الشمالية ليست مجرد مراقب يستغل الأخبار لإطلاق تهديدات. لقد أصبحت شريكاً عسكرياً مباشراً لروسيا بموجب معاهدة تتضمن بند مساعدة متبادلة، وأرسلت منذ 2024 آلاف الجنود وكميات كبيرة من الذخائر والصواريخ.

وفي أغسطس/آب 2026، قالت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية إن وحدة صاروخية كورية شمالية بدأت الانتشار في منطقة فورونيج الروسية، مع احتمال تزويدها بعشرات الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق.

بعض الأرقام مصدره كييف ولم تؤكده موسكو وبيونغ يانغ، لكن أصل التدخل الكوري الشمالي في الحرب أصبح معلناً ومثبتاً، بما في ذلك مشاركة قوات في كورسك.

المكسب الكوري الشمالي مزدوج: موارد وعلاقات استراتيجية من روسيا، وخبرة ميدانية في الصواريخ والمسيّرات والحرب الحديثة. وهذا يجعل تأثير جبهة أوكرانيا قابلاً للعودة إلى شرق آسيا في صورة تحسينات تقنية وعقائدية.

كما أن الهجمات على إيران قد تعزز قناعة بيونغ يانغ بأن السلاح النووي هو ضمانة بقاء لا ورقة تفاوض يمكن التخلي عنها، وهو ما يزيد صعوبة أي تسوية مستقبلية.

وفي الوقت نفسه، واصلت كوريا الشمالية الاختبارات الصاروخية؛ فأطلقت صاروخاً قصير المدى في 6 أغسطس/آب، بعد سلسلة اختبارات خلال العام، وكانت قيادتها قد أعلنت خططاً لتطوير صواريخ عابرة للقارات وأنظمة هجومية جديدة مع إبقاء باب الحوار مشروطاً بتغيير السياسة الأمريكية. (

ما علاقتها باتفاق مكة؟

لا توجد علاقة مؤسسية مباشرة، لكن الصلة تمر عبر روسيا وأزمة المخزون العالمي. فكل صاروخ كوري شمالي يضاف إلى القدرة الروسية يرفع طلب أوكرانيا على صواريخ الاعتراض الغربية، وكل اعتراض يستخدمه الغرب في الشرق الأوسط يقلل هامش الدعم المتاح لكييف وشرق آسيا.

كما أن باكستان، بوصفها دولة نووية في الاتفاق، ستراقب أثر الشراكات العسكرية الجديدة في موازين الردع الآسيوية، من دون أن يعني ذلك وجود محور باكستاني ـ كوري شمالي.

أين يمكن أن تمتد الحرب في المسار الكوري؟

الأرجح هو استمرار الدعم لروسيا بالتدريب والذخائر والوحدات، بالتوازي مع مزيد من الاختبارات الصاروخية والضغط على كوريا الجنوبية واليابان والوجود الأمريكي.

وقد تستغل بيونغ يانغ انشغال واشنطن لرفع مستوى الاستفزازات البحرية أو الحدودية أو السيبرانية.

أما غزو شامل للجنوب فليس السيناريو الأرجح، لأن كلفته تهدد بقاء النظام وتستدعي رداً أمريكياً واسعاً وتضع الصين أمام فوضى لا تريدها.

خلاصة الملف الكوري الشمالي: هذا هو أوضح مثال على ترابط الجبهات من دون اتحادها؛ كوريا الشمالية تقاتل عملياً عبر روسيا في أوروبا، لكنها تستطيع نقل فوائد الخبرة والابتزاز السياسي إلى شرق آسيا. امتدادها الأرجح هو أوكرانيا وشبه الجزيرة الكورية والفضاء السيبراني، لا الشرق الأوسط مباشرة.

التحليل الختامي: الفرضيات ومسارات امتداد الحرب

بعد ترتيب الملفات من مركز القرار إلى ساحات الامتداد، تظهر أربع فرضيات تفسر الاتفاق من دون تحويل الاستنتاج إلى حقيقة مكتملة قبل توفر الدليل.

الفرضية الأولى: مظلة ردع واستقلال نسبي

القراءة الأقرب إلى النص المعلن هي أن الدول الثلاث تريد سد فجوة دفاعية ظهرت مع اتساع الصواريخ والمسيّرات واضطراب الممرات والشك في استدامة الضمانات الأميركية. في هذا السيناريو يبدأ التحالف بالإنذار المبكر والدفاع الجوي والبحري والتصنيع والتدريب، ولا ينتقل إلى العمليات خارج الحدود إلا بطلب حكومة أو عند تعرض عضو لهجوم واضح.

الفرضية الثانية: «اتركوا لنا الرأس واهتموا بالأذرع»

يمكن للوقائع أن تنتج قسمة عمل غير معلنة: تركز الولايات المتحدة وإسرائيل على القدرات الإيرانية داخل إيران، فيما تركز السعودية وتركيا وباكستان على حماية الممرات والدول ودعم تفكيك الشبكات المسلحة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. هذه فرضية تفسيرية قوية من حيث تلاقي المصالح، لكنها لا ترقى حتى الآن إلى إثبات خطة أميركية مركزية أو غرفة قيادة وزعت المهام على الجميع.

الفرضية الثالثة: موازنة إسرائيل بقدر احتواء إيران

لا تريد الدول الثلاث أن تخرج من تراجع النفوذ الإيراني إلى تفوق إسرائيلي بلا قيود. لذلك قد يتعاون التحالف بصورة غير مباشرة مع إسرائيل في مواجهة إيران وحلفائها، ثم يصطدم بها سياسياً أو أمنياً في سوريا وغزة والضفة والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. هذا التناقض يفسر لماذا يمكن للاتفاق أن يخدم إسرائيل في ملف ويقلقها في ملف آخر.

الفرضية الرابعة: ترابط الجبهات لا وحدة قيادتها

الصين وروسيا وأوكرانيا وأوروبا وكوريا الشمالية تتأثر بالتصعيد وتستفيد منه أو تدفع كلفته بطرق مختلفة، لكن ذلك لا يثبت وجود موعد واحد لحرب عالمية. الرابط الحقيقي هو المخزون العسكري والطاقة والممرات والوقت الأميركي: اشتعال جبهة يضعف الردع في جبهة أخرى ويمنح خصومها فرصة للحركة.

تحالف واحد... لكن التدخل ليس واحداً

تكشف هذه الملفات أن اتفاق مكة لا يحتاج إلى إرسال جيش ثلاثي إلى كل ساحة حتى يصبح مؤثراً. ففي بعض الجبهات، مثل البحر الأحمر والهجمات على السعودية، قد يظهر التحالف بصورة عسكرية مباشرة من خلال الدفاع الجوي والقوات البحرية والطائرات الباكستانية والتركية.

وفي العراق وسوريا والصومال، يرجح أن يعمل عبر حكومات هذه الدول، من خلال التدريب والاستخبارات والمعدات وتأمين الحدود. وفي غزة سيكون دوره سياسياً ومالياً أكثر منه عسكرياً. أما في المواجهة بين الهند وباكستان، فستكون قيمة الاتفاق في الردع والوساطة والدعم الدفاعي، لا في دخول السعودية وتركيا حرباً شاملة مع نيودلهي.

أما السودان واليمن والقرن الأفريقي، فهي الساحات التي يمكن أن يظهر فيها وجه آخر للتحالف: موازنة النفوذ الإماراتي–الإسرائيلي وشبكة الموانئ والجماعات المحلية، من دون إعلان الإمارات أو إسرائيل عدواً رسمياً.

وهكذا لا تتشكل أمامنا جبهة واحدة ضد إيران فقط، بل نظام موازنة جديد يمتد من كشمير إلى البحر الأحمر. إيران وأذرعها تمثل خطراً رئيسياً على السعودية، والهند تمثل الخطر الأول على باكستان، بينما ترى تركيا أن تمدد إسرائيل وتقسيم الدول وصعود القوى الكردية المسلحة يهدد مصالحها.

اتفاق مكة يجمع هذه التهديدات المختلفة تحت مظلة واحدة، لكن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما تتعرض إحدى الدول لأزمة لا يعتبرها الشريكان الآخران حربهما. عندها فقط سيتضح إن كان الاتفاق قد أنشأ تحالفاً عسكرياً فعلياً، أم مجرد شبكة واسعة لتبادل الحماية والمصالح.

الخلاصة: هل تتجدد الحرب، وأين ستقف حدودها؟

لا تبدو الفرضية الأدق أن العالم اتفق على موعد واحد لحرب شاملة، ولا أن اتفاق مكة وزع الأدوار سراً بين شرق أوسط وآسيا وأوروبا. الأدلة المتاحة تقول شيئاً أقل بساطة وأكثر خطورة: هناك حروب وأزمات مترابطة، لكل واحدة قيادتها وأسبابها، لكنها تتشارك السلاح والممرات والطاقة والوقت الأميركي.

لذلك يبقى تجدد التصعيد في الخريف احتمالاً قائماً لا قدراً محسوماً. يكفي أن تفشل ترتيبات هرمز، أو يعود القصف المتبادل بين واشنطن وطهران، أو تتوسع الهجمات الحوثية على السعودية والملاحة، أو تتعثر خطط نزع سلاح الفصائل في العراق وحزب الله في لبنان وحماس في غزة، أو يصطدم التوسع الإسرائيلي في سوريا ولبنان بمحاولة مقاومته.

إذا اتسعت الحرب فلن تتمدد بالطريقة نفسها لكل طرف. ستتركز الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران والخليج والجبهات المتصلة بغزة ولبنان وسوريا. وسيبدأ تحالف مكة، وفق منطقه المعلن، بالدفاع الجوي والبحري وحماية الأراضي والمنشآت، وقد ينتقل إلى دعم الحكومات في العراق وسوريا والصومال؛ لكنه لن يصبح تلقائياً تحالفاً لغزو إيران.

روسيا ستستثمر تشتيت الغرب في أوكرانيا وتعمل في الشرق الأوسط من خلف الستار. وستضغط الصين اقتصادياً ودبلوماسياً وقد ترفع مستوى الإكراه حول تايوان من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار بالغزو. وستوزع أوروبا قدراتها بين البحر الأحمر والجناح الشرقي، بينما تزيد كوريا الشمالية كلفة الحرب على أوكرانيا وتختبر خصومها في شرق آسيا.

أما السيناريو الأخطر، أي حرب متزامنة من الخليج إلى تايوان وأوكرانيا وكوريا، فيحتاج إلى قفزات لم تقع بعد: حصار صيني فعلي لتايوان، أو اشتباك روسي–أطلسي مباشر، أو هجوم كوري شمالي واسع، بالتزامن مع انهيار كامل للتفاوض الأميركي–الإيراني. وحتى 9 أغسطس/آب 2026 لا توجد أدلة علنية تثبت أن هذه القرارات اتخذت أو أن توقيتها منسق؛ فالاستعدادات لا تساوي صدور قرار الحرب.

تبقى المشكلة السياسية الأعمق أن بناء تحالفات لنزع سلاح الحوثيين أو الفصائل العراقية أو حزب الله أو حماس، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في غزة وأجزاء من سوريا ولبنان وضم الأرض وتفكيك المجال الفلسطيني في الضفة، لن ينتج «شرق أوسط جديداً» مستقراً. قد ينتج تفوقاً عسكرياً وترتيبات أمنية جديدة، لكنه يترك أسباب الصراع بلا حل.

النتيجة الأكثر ترجيحاً، إذن، ليست سلاماً كاملاً ولا حرباً عالمية وشيكة، بل مرحلة من «السلام الساخن»: هدن قصيرة، ونزع سلاح متنازع عليه، ووجود عسكري أجنبي، وسباق دفاع جوي، ومساومات على الممرات والحدود. يستطيع اتفاق مكة أن يصبح مظلة ردع تقلل الحرب إذا حُصر في الدفاع وربط الأمن بتسويات سياسية عادلة، كما يستطيع أن يصبح حلقة توسع إذا استخدمت عباراته العامة لتغطية عمليات هجومية في ساحات متعددة.

السؤال الحاسم ليس من وقّع مع من، بل كيف ستستخدم التحالفات قوتها: لإغلاق الجبهات أم لإعادة فتحها بشروط جديدة؟ وهل يكون الأمن شاملاً للدول والشعوب، أم مجرد توزيع جديد للقوة فوق احتلالات ونزاعات لم تُحل؟ عند هذا الحد فقط يمكن معرفة ما إذا كان اتفاق مكة بداية نظام إقليمي أكثر توازناً، أم مقدمة لجولة حرب أوسع.

ملاحظة تحريرية: هذا التحقيق تحليل سيناريوهات مبني على المعلومات العلنية المتاحة حتى 9 أغسطس/آب 2026. عُرضت الادعاءات الاستخبارية غير المحسومة بصفتها ادعاءات أو تقديرات، لا حقائق نهائية.معا

المصدر: jo24 | Source: jo24
💡 لماذا يهمك هذا | Why This Matters

وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقاً للدفاع المشترك في مكة، يشمل أي هجوم على واحدة منها اعتداءً على الجميع.

الاتفاق يترك تفاصيل مهمة مثل آلية التنفيذ ونوع القوات مفتوحة، ويُعتبر إطاراً مؤسسياً لبناء هياكل عسكرية دائمة.

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن سياسة | More on Politics

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم سياسة. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: jo24. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of Politics. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: jo24. Tags: security, regional, Saudi Arabia, Turkey, Pakistan.

مقالات ذات صلة

خبر — منصة إخبارية ذكية | Khabr — AI-Powered News Platform

خبر هو أول مجمّع أخبار عربي يعمل بالذكاء الاصطناعي. نقدم تحليلات ذكية وملخصات تلقائية ورواية صوتية لكل خبر من أكثر من 700 مصدر موثوق. نضيف قيمة تحريرية فريدة من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي التي تساعدك على فهم الأخبار بعمق أكبر.

Khabr is the first AI-powered Arabic news aggregator. We provide AI-generated editorial analysis, automated summaries, audio narration, and fact-checking for every article from 700+ trusted sources. Our platform adds unique editorial value through AI tools that help you understand the news more deeply.

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
🔍
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free