🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
922,466 مقال 401 مصدر نشط 228 قناة مباشرة 4,128 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

اتفاق الإطار اللبناني بين إعادة هندسة الامن الإقليمي وإعادة تعريف السيادة: قراءة قانونية واستراتيجية نقدية

العالم
jo24
2026/06/28 - 15:03 501 مشاهدة
تحليل ذكي | AI Editorial Analysis

رلى الحروب  لم يُستقبل اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي بوصفه مجرد تفاهم جديد لوقف إطلاق النار أو معالجة القضايا الأمنية العالقة بين لبنان وإسرائيل، بل قُدم باعتباره بداية لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب...

إلا أن القراءة المتأنية لنصوص الاتفاق، وللظروف الإقليمية التي أحاطت بولادته، تشير إلى أن الاتفاق يتجاوز الإطار اللبناني بكثير، ويشكل إحدى حلقات مشروع إقليمي أوسع لإعادة تشكيل منظومة الأمن في الشرق الأ...

فالوثيقة جاءت في توقيت شديد الحساسية، عقب المواجهة العسكرية الأمريكية–الإيرانية، وبعد التوصل إلى مذكرة تفاهم هدفت إلى احتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، وفي وقت كانت فيه المنطقة تشهد حراكاً متوازياً شم...

هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.

كتبت -  د. رلى الحروب
 لم يُستقبل اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي بوصفه مجرد تفاهم جديد لوقف إطلاق النار أو معالجة القضايا الأمنية العالقة بين لبنان وإسرائيل، بل قُدم باعتباره بداية لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب الواقع الأمني في جنوب لبنان. إلا أن القراءة المتأنية لنصوص الاتفاق، وللظروف الإقليمية التي أحاطت بولادته، تشير إلى أن الاتفاق يتجاوز الإطار اللبناني بكثير، ويشكل إحدى حلقات مشروع إقليمي أوسع لإعادة تشكيل منظومة الأمن في الشرق الأوسط.
فالوثيقة جاءت في توقيت شديد الحساسية، عقب المواجهة العسكرية الأمريكية–الإيرانية، وبعد التوصل إلى مذكرة تفاهم هدفت إلى احتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، وفي وقت كانت فيه المنطقة تشهد حراكاً متوازياً شمل البيان الخليجي–الأمريكي، الذي جاء صدى لمطالب الجناح الصقوري في إدارة ترمب، وتصاعد الحراك لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، وإعادة تنشيط التحالفات البحرية الغربية بما فيها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فضلاً عن استمرار الجهود الخليجية الرامية إلى احتواء التوتر مع إيران، وما رافقها من أدوار صينية متزايدة في الوساطة الإقليمية.
ومن هنا، فإن قراءة الاتفاق بمعزل عن هذا السياق الواسع تفضي إلى نتائج ناقصة. فالاتفاق لا يعالج فقط العلاقة بين لبنان وإسرائيل، بل يعكس تصوراً أوسع لإعادة هندسة البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، وإعادة توزيع موازين القوة في المشرق العربي والخليج، بما ينسجم مع أولويات السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المرحلة الراهنة.
وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن اتفاق الإطار اللبناني لا يمثل مجرد تسوية أمنية، وإنما يشكل أداة ضمن مشروع إقليمي أشمل يهدف إلى تفكيك منظومة الردع الإيرانية، وإعادة بناء النظام الأمني في الشرق الأوسط على أسس جديدة، من خلال نزع أدوات القوة غير التقليدية، وإخضاعها لرقابة أمنية ودبلوماسية تقودها الولايات المتحدة، مع توافق واسع مع الأولويات الأمنية الإسرائيلية.
ولإثبات هذه الفرضية، تتناول الورقة الاتفاق من ثلاثة مستويات متكاملة:
•المستوى الأول: تحليل بنود الاتفاق وتحليل آثارها القانونية والسياسية.
•المستوى الثاني: بيان مواطن الاختلال في التوازن بين التزامات لبنان والحقوق التي احتفظت بها إسرائيل.
•المستوى الثالث: ربط الاتفاق بالسياق الإقليمي الأوسع، باعتباره إحدى أدوات إعادة تشكيل الأمن الإقليمي، وليس مجرد اتفاق ثنائي محدود.
وتذهب الورقة إلى أن أخطر ما في الاتفاق لا يكمن في أي بند منفرد، وإنما في البنية العامة التي يقوم عليها؛ إذ ينقل مركز الثقل من إنهاء النزاع إلى إدارة النزاع وفق قواعد جديدة، تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً من حرية الحركة العسكرية، مقابل تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية إنهاء البنية العسكرية لحزب الله، مع تدويل عملية التنفيذ وإخضاعها لإشراف خارجي، وهو ما يثير أسئلة جوهرية تتعلق بالسيادة اللبنانية، وتوازن الالتزامات، ومدى اتساق الاتفاق مع المبادئ المستقرة في القانون الدولي واتفاقيات السلام الدولية.
فرضية الدراسة
نطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن اتفاق الإطار اللبناني لا يمثل مجرد ترتيب أمني مرحلي لتنظيم وقف الأعمال العدائية، وإنما يعكس اتجاهاً أوسع نحو إعادة صياغة البيئة الأمنية في لبنان ضمن ترتيبات إقليمية ودولية جديدة. وتختبر الدراسة هذه الفرضية من خلال تحليل النصوص القانونية للاتفاق، وقياسها على قواعد القانون الدولي، وبيان آثارها المحتملة على سيادة الدولة اللبنانية، وتوازن الحقوق والالتزامات بين أطراف الاتفاق، دون افتراض مسبق بصحة هذه الفرضية أو بطلانها، وإنما بالاستناد إلى النصوص والوقائع محل الدراسة.
حدود الدراسة
تركز هذه الدراسة على التحليل القانوني والاستراتيجي لاتفاق الإطار اللبناني بوصفه وثيقة قانونية ذات آثار سيادية وأمنية، وذلك من خلال تحليل نصوصه في ضوء قواعد القانون الدولي والممارسة الاتفاقية المقارنة، استنادا إلى السياق الإقليمي الذي نشأ فيه لفهم بيئته الاستراتيجية. ولا تهدف الدراسة إلى تقييم المواقف السياسية للأطراف أو الحكم على نواياها أو أهدافها، كما لا تدعي الجزم بتفسير واحد للتحولات الإقليمية، وإنما تقدم قراءة تحليلية تستند إلى النصوص والوقائع المعلنة، وتختبر فرضياتها في ضوء المبادئ القانونية والمعطيات الاستراتيجية المتاحة.
ولا يعني تناول الاتفاق بالنقد القانوني أو الاستراتيجي تبني موقف سياسي مؤيد أو معارض لأي من أطرافه، وإنما يهدف إلى اختبار مدى اتساق أحكامه مع المبادئ العامة للقانون الدولي، وتحليل آثاره المحتملة في ضوء البيئة الإقليمية التي نشأ فيها.
منهج الدراسة
تعتمد هذه الدراسة مقاربة تجمع بين التحليل القانوني والتحليل الاستراتيجي، انطلاقاً من أن اتفاقات الترتيبات الأمنية لا يمكن تقييمها بالاقتصار على قراءة نصوصها المجردة، كما لا يجوز، في المقابل، إخضاعها لتحليل سياسي مجرد يتجاوز بنيتها القانونية. ومن ثم، تنطلق الدراسة من النصوص الواردة في اتفاق الإطار بوصفها موضوعها الرئيس، ثم تفسر آثارها القانونية في ضوء قواعد القانون الدولي العام، وميثاق الأمم المتحدة، والمبادئ المستقرة في قانون المعاهدات والقانون الدولي الإنساني، مع الاستئناس بالاجتهادات القضائية الدولية والممارسة الاتفاقية المقارنة كلما كان ذلك ضرورياً.
كما تستعين الدراسة بالتحليل المقارن من خلال مراجعة عدد من الاتفاقات الدولية والترتيبات الأمنية المشابهة، بهدف بيان أوجه التشابه والاختلاف فيما يتعلق بتوازن الحقوق والالتزامات، وحدود استخدام القوة، وآليات التنفيذ، واحترام سيادة الدول، دون افتراض تطابق الظروف السياسية أو الأمنية التي أحاطت بكل حالة.
وفي الوقت ذاته، لا تفصل الدراسة النصوص القانونية عن البيئة السياسية والاستراتيجية التي نشأت فيها. فالاتفاقات الأمنية لا تُبرم في فراغ، وإنما تعكس تفاعلات إقليمية ودولية تؤثر في بنيتها وأهدافها وآليات تنفيذها. ولذلك، تستعين الدراسة بالسياق الإقليمي لفهم الظروف التي جاء فيها اتفاق الإطار، على أن يبقى هذا السياق أداة تفسير مساعدة، لا بديلاً عن التحليل القانوني، ولا أساساً لاستخلاص نتائج تتجاوز ما تسمح به النصوص والوقائع الموثقة.
الإطار التحليلي للدراسة: من منطق وقف إطلاق النار إلى منطق إعادة تشكيل البيئة الأمنية
تقوم هذه الدراسة على التمييز بين نمطين مختلفين من الاتفاقات الدولية.
فالنمط الأول يتمثل في الاتفاقات التي يكون هدفها الأساسي إنهاء النزاع أو الحد من آثاره، من خلال تحقيق قدر من التوازن بين الالتزامات المتبادلة، بما يؤدي إلى تخفيض احتمالات العودة إلى استخدام القوة، وإرساء قواعد أكثر استقراراً لإدارة العلاقات بين الأطراف المتنازعة.
أما النمط الثاني، فيتمثل في الاتفاقات التي تُستخدم كوسيلة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بأحد أطراف النزاع، بحيث لا يقتصر دورها على تنظيم العلاقة بين الخصوم، وإنما يمتد إلى إعادة توزيع عناصر القوة، وتغيير موازين الردع، وخلق واقع استراتيجي جديد يحد من قدرة أحد الأطراف على استعادة موقعه السابق.
وانطلاقاً من هذا التمييز، تفترض هذه الدراسة أن اتفاق الإطار اللبناني يقترب، في بنيته العامة، من النموذج الثاني أكثر من اقترابه من النموذج الأول.
فالنصوص الأساسية للاتفاق لا تقتصر على تنظيم إجراءات وقف الأعمال العدائية أو معالجة النقاط الحدودية، وإنما تتناول بصورة مباشرة إعادة هيكلة البيئة الأمنية اللبنانية، من خلال ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بإعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية في المجال الأمني، وإلزامها باتخاذ إجراءات عملية لإنهاء وجود أي تشكيلات مسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية، مع إخضاع هذه العملية لآليات متابعة وتنسيق دولية.
وفي المقابل، لا يظهر أن الاتفاق يفرض التزامات مماثلة على إسرائيل فيما يتعلق بإنهاء استخدام القوة أو وقف العمليات العسكرية بصورة نهائية، بل يحتفظ لها بهامش واسع للتحرك العسكري استناداً إلى مفهوم الدفاع عن النفس، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى التوازن بين الالتزامات المتبادلة، وحول طبيعة البيئة الأمنية الجديدة التي يسعى الاتفاق إلى إنتاجها.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة إذا وضع الاتفاق في سياقه الإقليمي الأشمل، حيث جاء في مرحلة شهدت إعادة ترتيب متسارعة لعدد من الملفات المتصلة بإيران والخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية وعسكرية أمريكية هدفت إلى إعادة بناء منظومة الردع الإقليمي.
ومن ثم، فإن القراءة التي تعتمدها هذه الدراسة لا تنطلق من افتراض أن الاتفاق يمثل وثيقة لبنانية مستقلة، وإنما من فرضية مفادها أن الاتفاق يشكل إحدى الأدوات التنفيذية ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل الهندسية الأمنية في الشرق الأوسط، وأن تقييمه ينبغي أن يتم في ضوء هذه البيئة الاستراتيجية المتكاملة، لا في ضوء الساحة اللبنانية وحدها.
ولا تدعي هذه الدراسة أن هذه الفرضية تمثل حقيقة نهائية، وإنما تتعامل معها بوصفها فرضية تفسيرية قابلة للاختبار من خلال تحليل نصوص الاتفاق، ومقارنتها بالسياق السياسي والعسكري الذي سبق توقيعه وأعقبه، ومدى اتساقها مع التحولات الأوسع في الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية تجاه الإقليم.
المبحث الأول
الخلفية الاستراتيجية لاتفاق الإطار اللبناني: من مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المشرق
لم يولد اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي في فراغ سياسي أو أمني، وإنما جاء في لحظة إقليمية بالغة التعقيد أعقبت واحدة من أخطر جولات المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي انتهت بالتوصل إلى مذكرة تفاهم هدفت، في ظاهرها، إلى احتواء التصعيد وفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد بين الطرفين.
وقد بدت مذكرة التفاهم، عند إعلانها، وكأنها تمثل تحولاً في المقاربة الأمريكية تجاه إيران؛ إذ أوحت بأن واشنطن باتت تميل إلى إدارة الصراع مع النظام الإيراني من خلال مزيج من الردع والتفاوض، بدلاً من السعي إلى إسقاطه أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة معه. كما رأت دوائر سياسية وإعلامية غربية أن الاتفاق أتاح لإيران الخروج من المواجهة دون خسائر استراتيجية حاسمة، بل وذهب بعض المحللين إلى القول إن طهران استطاعت المحافظة على جزء كبير من قدراتها العسكرية والإقليمية، الأمر الذي خلق انطباعاً بأنها خرجت من الأزمة أكثر تماسكاً مما كان متوقعاً.
إلا أن الأيام التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم شهدت سلسلة متسارعة من التحركات السياسية والعسكرية يصعب النظر إليها باعتبارها أحداثاً منفصلة. فقد تحركت الدبلوماسية الأمريكية بصورة مكثفة في أكثر من اتجاه، بالتوازي مع تصعيد عسكري ملحوظ في الخليج، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت مذكرة التفاهم تمثل بالفعل بداية مرحلة جديدة من التهدئة، أم أنها كانت مجرد محطة انتقالية أعقبها تعديل جذري في آليات تنفيذ السياسة الأمريكية تجاه إيران.
فعلى المستوى الدبلوماسي، تكثفت الاتصالات الأمريكية مع دول الخليج، وصدر البيان الخليجي–الأمريكي الذي أعاد التأكيد على أمن الخليج وحرية الملاحة والشراكة الأمنية، في وقت استمرت فيه الجهود الأمريكية لإطلاق اتفاق الإطار اللبناني، باعتباره جزءاً من إعادة ترتيب البيئة الأمنية على الحدود الشمالية لإسرائيل.
وفي الوقت نفسه، شهد الملف اللبناني تحولاً نوعياً، إذ انتقل من إطار إدارة وقف إطلاق النار إلى طرح تصور يقوم على إعادة هيكلة البيئة الأمنية اللبنانية من خلال ربط أي انسحاب إسرائيلي تدريجي بعملية نزع سلاح حزب الله، وإقامة آليات إشراف وتنسيق أمنية ذات طابع دولي بقيادة الولايات المتحدة، الأمر الذي نقل مركز الثقل من معالجة النزاع الحدودي إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية في المجال الأمني.
أما على المستوى العسكري، فقد تزامنت هذه التحركات مع استئناف الضربات الأمريكية ضد أهداف داخل إيران، وما أعقبها من ردود إيرانية استهدفت مواقع وقواعد عسكرية أمريكية في الخليج، الأمر الذي أعاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الاستراتيجي، وأعاد طرح فكرة تدويل أمن الملاحة، وتوسيع دور الحلفاء الغربيين، بما في ذلك الحديث عن مساهمة حلف شمال الأطلسي في حماية خطوط التجارة والطاقة إذا اقتضت الضرورة.
وفي المقابل، كانت المنطقة تشهد مساراً موازياً لا يقل أهمية، تمثل في استمرار محاولات بعض الدول الخليجية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وقطر، تطوير مسار التهدئة مع إيران، والبناء على المصالحة التي رعتها الصين، بما يحد من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، ويؤسس لنظام أمني إقليمي أكثر اعتماداً على التفاهمات السياسية وأقل اعتماداً على الاستقطاب العسكري.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة إذا ما وضعت في سياق أوسع يتمثل في محاولات إعادة تشكيل منظومة العلاقات الإقليمية، بما في ذلك تنامي التنسيق بين عدد من القوى الإسلامية والإقليمية الكبرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان، وهو ما أثار نقاشاً متزايداً حول إمكانية نشوء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالاً عن المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى اتفاق الإطار اللبناني باعتباره جزءاً من عملية إعادة هندسة شاملة للأمن الإقليمي، تتجاوز حدود الساحة اللبنانية، وتهدف إلى إعادة توزيع عناصر القوة في الإقليم. ففي الوقت الذي تتجه فيه الضغوط العسكرية والدبلوماسية نحو تقليص نفوذ إيران وأدواتها الإقليمية، يجري العمل بالتوازي على إعادة دمج دول الخليج في منظومة أمنية تقودها الولايات المتحدة، وعلى إعادة تنظيم الملف اللبناني بصورة تجعل مستقبل السلاح خارج إطار الدولة جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع، لا من معادلات داخلية لبنانية فحسب.
وانطلاقاً من هذا الترابط الزمني والسياسي، تطرح هذه الدراسة فرضية مفادها أن اتفاق الإطار اللبناني لا يمكن فهمه باعتباره استجابة منفصلة للواقع اللبناني، وإنما يمثل إحدى الأدوات التنفيذية في مشروع أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط. وتفترض هذه القراءة أن الاتفاق جاء في سياق انتقال السياسة الأمريكية من مرحلة احتواء نتائج المواجهة مع إيران إلى مرحلة إعادة صياغة موازين القوة الإقليمية، بما يهدف إلى الحد من قدرة طهران على توظيف أوراقها العسكرية والسياسية في لبنان والخليج، وإعادة بناء منظومة ردع جديدة تتكامل فيها الأدوات الدبلوماسية والعسكرية ضمن إطار استراتيجي واحد.
المبحث الثاني
القراءة النقدية لبنود اتفاق الإطار اللبناني
أولاً: إضفاء الشرعية على الاستخدام المستمر للقوة: قراءة نقدية في بند "حق الدفاع عن النفس"
يمثل النص الذي يؤكد احتفاظ إسرائيل بحقها في "الدفاع عن النفس" أحد أكثر بنود اتفاق الإطار اللبناني إثارة للجدل، ليس بسبب ورود هذا المبدأ في حد ذاته، إذ إن حق الدفاع عن النفس معترف به في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، وإنما بسبب الطريقة التي جرى إدراجه بها ضمن بنية الاتفاق، والآثار القانونية والسياسية التي يمكن أن تترتب عليه في السياق اللبناني.
فمن الناحية القانونية، يقوم حق الدفاع الشرعي عن النفس في القانون الدولي على مجموعة من الضوابط المستقرة، أهمها وقوع هجوم مسلح، وضرورة الرد، والتناسب بين الهجوم والدفاع، والطابع المؤقت لهذا الحق إلى حين اضطلاع مجلس الأمن بمسؤولياته. كما أن الفقه والقضاء الدوليين أكدا مراراً أن هذا الحق لا يجوز أن يتحول إلى مبرر دائم لاستخدام القوة خارج إطار الضوابط التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة.
غير أن الصياغة الواردة في اتفاق الإطار اللبناني تثير إشكالية مختلفة؛ إذ لا تقتصر على إعادة التذكير بمبدأ قانوني عام، وإنما تؤدي، من الناحية العملية، إلى منح إسرائيل هامشاً واسعاً للاستمرار في استخدام القوة داخل الأراضي اللبنانية، حتى بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ، متى قدرت بصورة منفردة أن نشاطاً معيناً يشكل تهديداً لأمنها.
وبذلك، ينتقل الاتفاق من كونه أداة لإنهاء الأعمال العسكرية إلى إطار قانوني وسياسي يسمح باستمرارها وفق تقدير أحد أطراف النزاع، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى اتساق هذا التنظيم مع الغاية الأصلية التي يفترض أن تحققها اتفاقات وقف إطلاق النار أو الاتفاقات الأمنية الانتقالية.
وتزداد خطورة هذه الصياغة إذا أخذ في الاعتبار الواقع العملي الذي شهدته السنوات الأخيرة، حيث تبنت إسرائيل مفهوماً بالغ الاتساع لفكرة "الدفاع الوقائي"، وشمل ذلك تنفيذ عمليات اغتيال، وقصف منشآت مدنية، واستهداف طرق ومركبات ومخازن ومراكز اتصالات ومبانٍ سكنية، استناداً إلى تقديرات استخباراتية تتعلق بوجود عناصر أو بنى تحتية مرتبطة بحزب الله. وفي ظل غياب تعريف دقيق لمفهوم "التهديد" داخل الاتفاق، يصبح من المتصور أن يمتد هذا التفسير ليشمل طيفاً واسعاً من الأنشطة والأشخاص والمواقع، بما يجعل استخدام القوة قابلاً للاستمرار بصورة شبه دائمة.
ومن زاوية أخرى، يلاحظ أن الاتفاق يرتب على الدولة اللبنانية التزامات إيجابية واسعة النطاق، تتمثل في نزع سلاح الجماعات المسلحة، ومنع إعادة تشكيل بنيتها العسكرية، وضمان عدم استخدامها للأراضي اللبنانية، في حين لا يقابل ذلك التزام مماثل على الجانب الإسرائيلي بوقف نهائي وغير مشروط لاستخدام القوة. وبهذا المعنى، فإن الاتفاق لا ينشئ علاقة متوازنة بين الحقوق والالتزامات، وإنما يوزع الأعباء بصورة غير متماثلة، بحيث تتحمل الدولة اللبنانية مسؤولية منع أي تهديد محتمل، بينما تحتفظ إسرائيل بحق تقدير استمرار التهديد واتخاذ الإجراءات العسكرية التي تراها مناسبة.
ويؤدي هذا الاختلال إلى نتيجة ذات دلالة استراتيجية، تتمثل في أن الاتفاق لا ينقل العلاقة بين الطرفين من حالة الحرب إلى حالة السلم، وإنما ينقلها إلى نمط جديد يمكن وصفه بـ"الحرب المقيدة" أو "الحرب المنظمة"، حيث تستمر العمليات العسكرية ولكن ضمن إطار سياسي جديد يضفي عليها قدراً أكبر من المشروعية السياسية والدبلوماسية.
ولا تقتصر آثار هذا التنظيم على العلاقة الثنائية بين لبنان وإسرائيل، بل تمتد إلى البيئة الإقليمية الأوسع. فإذا كان أحد الأهداف المعلنة للاتفاق هو إنهاء قدرة حزب الله على العمل العسكري المستقل، فإن احتفاظ إسرائيل بحق التدخل العسكري المنفرد يجعل أي محاولة لإعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، أو حتى الاشتباه في وجودها، سبباً محتملاً لاستئناف الضربات الجوية والعمليات الخاصة، بما يكرس تفوقاً عسكرياً دائماً لطرف واحد، ويحول الاتفاق إلى أداة لإعادة تشكيل ميزان الردع في شمال فلسطين المحتلة وجنوب لبنان، وليس مجرد آلية لوقف إطلاق النار.
ومن ثم، ترى هذه الدراسة أن بند "حق الدفاع عن النفس" لا يمثل مجرد إعادة تأكيد لمبدأ قانوني مقرر في ميثاق الأمم المتحدة، وإنما يؤدي، في ضوء الصياغة التي ورد بها والسياق الذي أبرم فيه الاتفاق، إلى إضفاء شرعية سياسية على استمرار استخدام القوة داخل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى توافقه مع مبدأ سيادة الدول، ومع الغاية الأساسية التي أنشئت من أجلها اتفاقات السلام والترتيبات الأمنية الانتقالية.
ثانياً: تجريد لبنان من أدواته القانونية والدبلوماسية وتقييد حقه في اللجوء إلى المنظمات والمحاكم الدولية
إذا صح تفسير بعض أحكام اتفاق الإطار اللبناني على أنها تُقيد حق الدولة اللبنانية في اللجوء إلى المنظمات والمحاكم الدولية أو تحد من استخدامها للأدوات القانونية والدبلوماسية المتاحة لها في مواجهة الانتهاكات التي قد تتعرض لها، فإن الأمر لا يقتصر على تنظيم جانب من العلاقات الثنائية مع إسرائيل، وإنما يثير إشكالية قانونية تتصل مباشرة بمفهوم السيادة القانونية للدولة وبمكانتها داخل النظام القانوني الدولي.
فمن المبادئ المستقرة في القانون الدولي أن الدولة، بمجرد انضمامها إلى الأمم المتحدة، لا تكتسب صفة العضوية فحسب، وإنما تصبح جزءاً من نظام قانوني جماعي يمنحها مجموعة من الحقوق التي لا تستمدها من إرادة دولة أخرى، وإنما من ميثاق الأمم المتحدة ذاته. ومن أهم هذه الحقوق حق اللجوء إلى أجهزة المنظمة الدولية كلما رأت أن هناك تهديداً للسلم والأمن الدوليين، أو انتهاكاً لحقوقها، أو خرقاً لالتزامات يفرضها القانون الدولي. ولهذا أنشأ الميثاق مجلس الأمن والجمعية العامة وغيرهما من أجهزة الأمم المتحدة بوصفها أطرًا مؤسسية لتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، ولم يجعل اللجوء إليها امتيازاً سياسياً يجوز لدولة أن تمنحه أو تحجبه عن دولة أخرى.
ولا يقتصر الأمر على أجهزة الأمم المتحدة، بل يمتد إلى حق الدولة في استعمال الوسائل القضائية الدولية التي يجيزها القانون الدولي، وفي مقدمتها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية متى توافرت شروط الاختصاص، أو استخدام وسائل التحكيم والتسوية القضائية وغيرها من الوسائل التي أقرها النظام القانوني الدولي لتسوية المنازعات بين الدول على أساس القانون لا على أساس موازين القوة.
كما أن تطور القانون الجنائي الدولي خلال العقود الأخيرة أرسى مبدأ بالغ الأهمية، مؤداه أن بعض الجرائم، وفي مقدمتها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، لا تقتصر آثارها على العلاقة بين الدول، وإنما ترتب مسؤولية جنائية فردية يمكن ملاحقة مرتكبيها وفق الآليات التي يجيزها القانون الدولي، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية في حدود اختصاصها، أو المحاكم الوطنية التي تأخذ بمبدأ الولاية القضائية العالمية. ومن ثم، فإن أي قيد يُفهم منه الحد من قدرة الدولة على دعم هذه المسارات القانونية أو التعاون معها أو تيسير الوصول إليها، لا يمس حق الدولة وحدها، وإنما قد يؤثر أيضاً في حقوق الضحايا وأسرهم في السعي إلى المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
ويضاف إلى ذلك أن من أهم مظاهر الحماية القانونية التي يتيحها النظام الدولي للدول حقها في توثيق الانتهاكات، وإحالتها إلى الآليات الدولية المختصة، والتعاون مع لجان تقصي الحقائق، والمقررين الخاصين، وهيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، وغيرها من الآليات التي تشكل الأساس القانوني لبناء الملفات الدولية المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني. وهذه الوسائل لا تعد إجراءات سياسية فحسب، وإنما تمثل جزءاً من منظومة الحماية القانونية التي أنشأها المجتمع الدولي لضمان المساءلة وحماية السلم والأمن الدوليين.
ومن هذا المنطلق، فإن أي التزام تعاقدي قد يُفهم منه الحد من قدرة الدولة اللبنانية على استخدام هذه الوسائل القانونية والدبلوماسية، أو الامتناع عن إثارة الانتهاكات أمام المؤسسات الدولية المختصة، أو تقييد التعاون مع الآليات الدولية ذات الصلة، يثير إشكالية قانونية تتجاوز حدود الاتفاق ذاته، وتمس طبيعة النظام القانوني الدولي الذي يقوم على إتاحة وسائل قانونية متساوية لجميع الدول الأعضاء للدفاع عن حقوقها بعيداً عن منطق القوة.
وتزداد خطورة هذا الأثر إذا قورن ببقية أحكام الاتفاق. ففي الوقت الذي تُفرض فيه على الدولة اللبنانية التزامات إيجابية واسعة تتعلق بمنع إعادة تشكيل البنية العسكرية للجهات غير الحكومية، ويُترك لإسرائيل، وفق القراءة التي تناولتها الدراسة لبند "الدفاع عن النفس"، هامش واسع لتقدير اللجوء إلى القوة العسكرية، فإن تقييد أو إضعاف الوسائل القانونية والدبلوماسية المتاحة للبنان يؤدي إلى اختلال واضح في توازن أدوات الحماية بين الطرفين. فبينما يحتفظ أحدهما بأدوات القوة العسكرية، يُقيد الطرف الآخر في استخدام أهم أدوات القوة القانونية التي وفرها القانون الدولي للدول ذات السيادة.
ولا تقف آثار هذا الاختلال عند حدود العلاقة اللبنانية–الإسرائيلية، بل تمتد إلى فلسفة النظام القانوني الدولي ذاته. فالميثاق لم ينشئ أجهزة الأمم المتحدة والمحاكم الدولية لتكون امتيازاً سياسياً يخضع لإرادة الدول الأقوى، وإنما لتكون بديلاً حضارياً عن الاحتكام إلى القوة، ووسيلة لضمان المساواة القانونية بين الدول، بصرف النظر عن تفاوت قدراتها العسكرية أو السياسية. ومن ثم، فإن أي اتفاق يُفضي عملياً إلى تعطيل هذه الوسائل بالنسبة إلى أحد أطرافه يثير تساؤلات جوهرية حول مدى اتساقه مع المبادئ الأساسية التي يقوم عليها ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي المعاصر.
ولهذا، ترى هذه الدراسة أن تجريد الدولة اللبنانية من أدواتها القانونية والدبلوماسية، إذا ثبتت هذه الدلالة في التفسير النهائي لنصوص الاتفاق، يمثل أحد أخطر آثاره القانونية؛ لأنه لا يعيد تنظيم التزامات أمنية فحسب، وإنما يعيد توزيع وسائل حماية الحقوق بين طرفي الاتفاق، بحيث ينتقل جانب من عناصر القوة من المجال القانوني إلى المجال العسكري، وهو ما ينعكس مباشرة على مفهوم السيادة، وعلى قدرة الدولة على الدفاع عن حقوقها عبر الوسائل التي أتاحها لها القانون الدولي.
ثالثاً: إعادة تعريف السيادة اللبنانية: من احتكار الدولة للقوة إلى تدويل إدارة الأمن
تقوم الدولة الحديثة، في الفقه الدستوري والقانون الدولي، على جملة من المقومات الأساسية، وفي مقدمتها احتكار الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليمها، وممارسة سلطاتها الأمنية والعسكرية بصورة مستقلة، مع احتفاظها بالقرار السيادي في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية. ويعد هذا المفهوم أحد أبرز تجليات السيادة، كما استقر في ميثاق الأمم المتحدة وفي الممارسة الدولية.
ومن حيث المبدأ، لا يثير التأكيد على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها أو احتكارها للسلاح المشروع إشكالاً قانونياً، بل إن هذا الهدف يجد سنده في الدستور اللبناني، وفي قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي عدد من الوثائق الوطنية اللبنانية، وفي مقدمتها اتفاق الطائف الذي أكد ضرورة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
غير أن الإشكالية التي يثيرها اتفاق الإطار اللبناني لا تتعلق بالغاية المعلنة، وإنما بالوسائل التي يعتمدها لتحقيقها، وبالبيئة القانونية والسياسية التي ينشئها لتنفيذ هذا الهدف.
فالقراءة المتأنية لبنية الاتفاق تشير إلى أنه لا يكتفي بإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية والتنظيمات المسلحة، وإنما يؤسس أيضاً لآليات متابعة وإشراف وتنسيق ذات طابع دولي، تضطلع فيها الولايات المتحدة بدور محوري، مع مشاركة أطراف أخرى في متابعة تنفيذ الالتزامات الأمنية، والتحقق من مدى الالتزام بها، وتقييم التطورات الميدانية.
ومن ثم، فإن القرار الأمني لا يعود شأناً لبنانياً خالصاً، بل يصبح جزءاً من منظومة متابعة خارجية تتداخل فيها الاعتبارات اللبنانية مع التقديرات الأمنية والسياسية للدول الراعية للاتفاق. ولا يعني ذلك، من الناحية القانونية، انتقال السيادة إلى تلك الأطراف، إلا أنه يثير تساؤلات جوهرية حول مدى استقلال القرار الأمني الوطني في ظل وجود آليات إشراف ومتابعة ذات طبيعة دائمة.
وتتضاعف أهمية هذه المسألة إذا ما أضيف إليها احتفاظ إسرائيل بحق استخدام القوة استناداً إلى مفهوم الدفاع عن النفس، إذ يصبح تقييم نجاح الدولة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها مرتبطاً، عملياً، بمدى اقتناع إسرائيل والدول الراعية بأن التهديد قد زال أو انخفض إلى المستوى المقبول. وبهذا تنتقل بعض عناصر تقدير الوضع الأمني من المؤسسات اللبنانية إلى أطراف خارجية تمتلك، في الوقت ذاته، القدرة على التأثير المباشر في مسار تنفيذ الاتفاق.
ومن زاوية أخرى، فإن النصوص التي تتحدث عن إمكان الاستعانة بشركاء دوليين أو إقليميين لدعم تنفيذ الالتزامات الأمنية تستوجب قراءة دقيقة في ضوء مبدأ السيادة. فمن حيث الأصل، لا يثير طلب المساعدة الدولية إشكالاً قانونياً إذا تم بناءً على إرادة الدولة الحرة وضمن حدود القانون الدولي. إلا أن الأمر يختلف إذا أصبح هذا التعاون جزءاً من التزامات تعاقدية دائمة ترتبط بتقييم خارجي لمستوى الامتثال، أو إذا ترتب عليه انتقال بعض وظائف اتخاذ القرار الأمني أو مراقبة تنفيذه إلى جهات غير وطنية.
وفي هذا السياق، يلاحظ أن الاتفاق ينقل مركز الثقل من معالجة نزاع حدودي بين دولتين إلى إعادة هندسة البيئة الأمنية الداخلية في لبنان، بحيث يصبح تنظيم القوة المسلحة، وآليات الرقابة عليها، ومراحل تنفيذها، جزءاً من منظومة ترتيبات إقليمية أوسع. وهذا التحول يثير سؤالاً قانونياً وسياسياً مهماً: هل يقتصر الاتفاق على دعم الدولة اللبنانية في بسط سلطتها، أم أنه يعيد تعريف حدود السيادة الأمنية للدولة نفسها، من خلال إدماجها في نظام رقابة ومتابعة متعدد الأطراف؟
ولا تدعي هذه الدراسة أن الإجابة عن هذا السؤال محسومة سلفاً، إلا أنها ترى أن قراءة الاتفاق في ضوء مجمل بنوده، وفي سياق التطورات الإقليمية التي رافقت توقيعه، توحي بأن دوره يتجاوز مجرد معالجة الوضع الأمني في جنوب لبنان، ليصبح جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المشرق العربي. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى نزع سلاح الجهات غير الحكومية باعتباره هدفاً داخلياً فحسب، وإنما باعتباره خطوة ضمن عملية أوسع لإعادة رسم موازين القوة الإقليمية، وإعادة بناء منظومة الردع بما ينسجم مع التحولات الجارية في الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية تجاه المنطقة.
ومن ثم، فإن تقييم هذا الجانب من الاتفاق لا ينبغي أن ينحصر في السؤال التقليدي المتعلق بمشروعية احتكار الدولة للسلاح، وإنما يجب أن يمتد إلى تحليل الكيفية التي تُمارس بها هذه العملية، والجهات التي تتولى الإشراف عليها، والآثار التي قد تترتب على استقلال القرار الأمني اللبناني، وعلى مفهوم السيادة كما استقر في القانون الدولي المعاصر.
المبحث الثالث
اتفاق الإطار اللبناني في سياق التحولات الإقليمية وإعادة هندسة الأمن في الشرق الأوسط
لا يمكن فهم اتفاق الإطار اللبناني فهماً كاملاً إذا اقتصر النظر إليه بوصفه ترتيبات أمنية ثنائية بين لبنان وإسرائيل، أو باعتباره استجابة مباشرة للتطورات الميدانية على الحدود الجنوبية. فالتحولات التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، كشفت عن تداخل غير مسبوق بين الساحات الفلسطينية واللبنانية والسورية والعراقية واليمنية والخليجية والإيرانية، بحيث أصبح كل تطور في إحدى هذه الساحات يؤثر في معادلات الأمن والاستقرار في الساحات الأخرى.
وفي هذا الإطار، جاء اتفاق الإطار اللبناني في مرحلة تشهد فيها المنطقة إعادة صياغة متسارعة لبيئتها الأمنية، اتسمت بتوسع نطاق المواجهات العسكرية، وإعادة ترتيب التحالفات، وتصاعد الاهتمام بأمن الممرات البحرية، وعودة النقاش حول بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر تكاملاً، بالتزامن مع اتجاه الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع أعباء الأمن في الشرق الأوسط بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية العالمية.
ومن ثم، فإن القضايا التي يعالجها الاتفاق، وفي مقدمتها تنظيم استخدام القوة، ومستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة، وآليات الإشراف والمتابعة الدولية، لا تبدو معزولة عن هذا السياق، وإنما تتصل باتجاه إقليمي أوسع، لا يرمي فقط إلى سحب أوراق القوة من إيران، وإنهاء قوى المقاومة في الإقليم، بل يعيد النظر في طبيعة البيئة الأمنية التي تشكلت في المشرق العربي خلال العقود الماضية.
وتتضح أهمية هذا البعد عند ملاحظة أن الاتفاق لا يقتصر على تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، بل يتناول بصورة مباشرة إحدى أكثر القضايا تأثيراً في توازنات القوة الإقليمية، وهي مستقبل القوة العسكرية غير الحكومية في لبنان، وآليات التعامل معها، وحدود دور الدولة في إعادة تنظيم المجال الأمني الداخلي. وبهذا المعنى، فإن الاتفاق يتجاوز أثره الحدود اللبنانية ليصبح مؤثراً في معادلات الردع الإقليمي التي تشكلت عبر سنوات طويلة.
كما يلاحظ أن الاتفاق تزامن مع تحولات أمنية وسياسية أخرى في الإقليم، شملت تصاعد الضغوط على الجماعات المسلحة في أكثر من ساحة، وعودة الاهتمام الدولي بأمن الممرات البحرية، وتنامي الحديث عن شبكات أمنية إقليمية أكثر ترابطاً، بما يعكس اتجاهاً عاماً نحو إعادة تعريف العلاقة بين الأمن الوطني للدول والأمن الإقليمي الجماعي.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه التطورات صدرت عن قرار واحد أو خطة تنفيذية موحدة، كما لا يعني إغفال خصوصية كل ساحة من الساحات الإقليمية، إلا أن تزامنها، وتشابه الاتجاه العام الذي تتحرك فيه، يسمح بالنظر إليها بوصفها أجزاءً من عملية أوسع لإعادة ترتيب البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، وإعادة توزيع مصادر القوة والنفوذ داخله.
ومن هذا المنطلق، تكتسب القراءة القانونية لاتفاق الإطار بعداً إضافياً؛ إذ لا يقتصر أثر بعض نصوصه على تنظيم التزامات متبادلة بين طرفين، وإنما قد يمتد إلى تكريس نموذج جديد للترتيبات الأمنية الإقليمية، يقوم على إعادة تعريف دور الدولة، وآليات استخدام القوة، وطبيعة العلاقة بين السيادة الوطنية ومتطلبات الأمن الجماعي، وهي قضايا مرشحة لأن تتجاوز الحالة اللبنانية إذا ما اتجهت المنطقة إلى اعتماد ترتيبات مشابهة في ساحات أخرى.
ولهذا، ترى هذه الدراسة أن اتفاق الإطار اللبناني يمثل أكثر من مجرد تسوية مرحلية لوقف الأعمال العسكرية، بل يشكل إحدى الأدوات التنفيذية التي تعكس اتجاهاً أوسع نحو إعادة هندسة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. ولا يُقصد بذلك أنه العامل الوحيد أو الحاسم في هذا التحول، وإنما أنه يندرج ضمن منظومة أوسع من المبادرات والترتيبات والتحولات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، وتسعى إلى إعادة رسم البيئة الأمنية، وإعادة توزيع أدوار الفاعلين فيها، وصياغة معادلات جديدة للاستقرار والردع.
ومن هنا، فإن تقييم الاتفاق لا ينبغي أن يقتصر على نتائجه المباشرة داخل لبنان، وإنما يجب أن يمتد إلى دراسة أثره المحتمل في مستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية، ومدى اتساق النموذج الذي يقدمه مع قواعد القانون الدولي، ومبادئ السيادة، والتوازن بين الحقوق والالتزامات، وهي المعايير التي ستحدد، في نهاية المطاف، مدى قدرة أي نظام أمني جديد على تحقيق استقرار مستدام يحظى بالقبول والشرعية، لا مجرد فرض وقائع مؤقتة بقوة موازين القوة.
الخاتمة
تكشف القراءة القانونية والاستراتيجية لاتفاق الإطار اللبناني أن أهميته لا تنبع فقط من الأحكام الأمنية التي يتضمنها، وإنما من كونه يعكس تحولات أعمق في الطريقة التي يجري بها التعامل مع الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.
فالاتفاق، في بنيته العامة، لا يقتصر على تنظيم وقف الأعمال العسكرية أو معالجة الوضع الأمني في جنوب لبنان، بل يقدم نموذجاً لترتيبات أمنية تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الأبعاد القانونية والدبلوماسية والسيادية، بحيث يصبح الأمن جزءاً من منظومة إقليمية أوسع، تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين لبنان وإسرائيل.
وقد بينت هذه الدراسة أن عدداً من أحكام الاتفاق يثير أسئلة قانونية جدية تتعلق بمفهوم السيادة، وحدود استخدام القوة، والتوازن بين الحقوق والالتزامات، ومدى تأثير بعض الترتيبات على قدرة الدولة اللبنانية في ممارسة حقوقها القانونية والدبلوماسية في إطار النظام الدولي. كما أظهرت أن تحليل هذه الأحكام لا يكتمل إذا عزل الاتفاق عن البيئة الاستراتيجية التي نشأ فيها.
وفي هذا السياق، تبدو أهمية الاتفاق أبعد من الساحة اللبنانية نفسها. فهو يعكس اتجاهاً متنامياً نحو إعادة بناء الترتيبات الأمنية في الإقليم، عبر آليات جديدة تقوم على إعادة توزيع الأدوار، وإعادة تعريف مسؤوليات الدول، وتعزيز نماذج أمنية ترتبط بشبكات إقليمية ودولية أكثر تعقيداً من النماذج التقليدية التي سادت خلال العقود الماضية.
ومع ذلك، فإن خبرتنا التاريخية بهذه المنطقة من العالم تدل على أن أي مشروع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية، مهما بلغت إمكاناته، لا يتحرك في فراغ. فقد شهدت المنطقة، عبر العقود الماضية، عدداً من المبادرات والمشروعات الكبرى التي نجح بعضها جزئياً، بينما تعثر بعضها الآخر أو أعيدت صياغته تحت تأثير التحولات الدولية، والتوازنات الإقليمية، وقدرة الدول والشعوب والفاعلين المحليين على التكيف والمقاومة وإعادة إنتاج موازين القوة، وبقاء قوى مقاومة كحركة حماس وحزب الله وأنصار الله ونظام سياسي متحد للنفوذ الأمريكي كالنظام الإيراني صامدين حتى اللحظة في بيئة تسعى إلى إنهاء وجودهم، هو دليل على حدود القوة الأمريكية وقدرة الشعوب على مقاومة المشروعات الكبرى التي تضر بمصالحها.
ومن ثم، فإن اتفاق الإطار اللبناني لا ينبغي النظر إليه بوصفه نهاية لمسار، ولا باعتباره قدراً سياسياً أو قانونياً محتوماً، وإنما بوصفه محطة ضمن عملية تاريخية أوسع ما تزال نتائجها تتفاعل، وما تزال مآلاتها النهائية مفتوحة على أكثر من احتمال.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق لن تقاس فقط بمدى نجاحه في تثبيت الهدوء على الحدود الجنوبية للبنان - وهو ما نشك بأنه سيحدث فعليا في ضوء فهمنا لبنود الاتفاق والمطامح الإسرائيلية والمشاريع الامريكية والبنية السياسية والأمنية في الإقليم والأضرار التي سيتسبب بها في الداخل اللبناني لمكون أساسي من مكونات المجتمع- وإنما أيضاً بقدرته على تحقيق توازن مستدام بين مقتضيات الأمن واحترام سيادة الدولة، وبين متطلبات الاستقرار الإقليمي وأحكام القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها ومكافحة الاستعمار والاحتلال والهيمنة، وحق الدول في بسط سيادتها على إقليمها. فالاتفاقات التي تنجح في فرض وقائع أمنية مؤقتة دون معالجة الاختلالات القانونية والسياسية التي تقوم عليها، قد تؤجل الصراع، لكنها لا تنهي أسبابه.
ولعل الدرس الأهم الذي تبرزه هذه الدراسة هو أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يستقر بصورة دائمة إذا قام على اختلال التوازن بين الحقوق والواجبات، أو تقييد أدوات القانون الدولي، أو على إضعاف سيادة الدول وحقها في التحكم في مصيرها ومواردها، أو حق الشعوب في مقاومة المحتل، دون بناء منظومة إقليمية عادلة تقوم على قواعد متكافئة تحظى بالقبول والشرعية. فالتاريخ الحديث للمنطقة يبين أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، كما لا يتحقق بالقانون وحده، وإنما بتوازن دقيق بين الأمن والعدالة والسيادة، وهو التوازن الذي سيظل المعيار النهائي للحكم على نجاح أو إخفاق أي ترتيب إقليمي جديد.

المصدر: jo24 | Source: jo24

ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.

This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

مشاركة:

المزيد عن العالم | More on World

هذا الخبر ضمن تغطية خبر لقسم العالم. نقدّم لك تحليلات ذكية وملخصات يومية لأهم الأخبار من مصادر موثوقة متعددة. المصدر: jo24. يوجد 6 مقالات مرتبطة بهذا الموضوع.

This article is part of Khabr's coverage of World. We provide AI-powered analysis, summaries, and multi-source aggregation to keep you informed. Source: jo24.

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
🔍
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free