فِي حَادِثٍ مَأْسَاوِيٍّ أَنَّهَى حَيَاةَ طَالِبٍ لَمْ يَتَجَاوَزِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، تَحَوَّلَتْ لَحْظَةٌ مِنَ الطَّيْشِ وَالاِسْتِهْتَارِ إِلَى فَاجِعَةٍ تَرَكَتْ أُسَرَةً مَكْلُومَةً وَزُمَلَاءَ وَمُعَلِّمِينَ أَمَامَ صَدْمَةِ فِقْدَانِ شَابٍّ كَانَ يَسْتَعِدُّ لِفَرْحَةٍ طَالَ انْتِظَارُهَا "نتائج التوجيهي"، قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ حَيَاتُهُ فِي حَادِثٍ مُرْتَبِطٍ بِالقِيَادَةِ المَتَهَوِّرَةِ.
وَبِحَسَبِ مَا وَرَدَ فِي مقالة موسى عزيز أبو سعد، أحد أقارب الشاب، الَّتِي تَنَاوَلَتْ تَفَاصِيلَ الحَادِثِ، فَإِنَّ الطَّالِبَ زَيْد أَبُو سَعْدٍ، أَحَدَ طَلَبَةِ الصَّفِّ الثَّانِي الثَّانَوِيِّ الأَكَادِيمِيِّ فِي مَدْرَسَةِ عَبْدِ اللَّطِيفِ عَابِدِينَ الثَّانَوِيَّةِ لِلْبَنِينَ، تُوُفِّيَ إِثْرَ سُقُوطِهِ وَارْتِطَامِ رَأْسِهِ بِالأَرْضِ، خِلَالَ وَاقِعَةٍ تَضَمَّنَتْ قِيَادَةَ سَيَّارَةٍ مِنْ قِبَلِ شَابٍّ فِي مِثْلِ سِنِّهِ وَدُونَ رُخْصَةِ قِيَادَةٍ، وَبِطَرِيقَةٍ اتَّسَمَتْ بِالتَّهَوُّرِ وَالاِسْتِعْرَاضِ.
وَتُشِيرُ رِوَايَةُ المَقَالَةِ إِلَى أَنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ جَلَسَ عَلَى مُقَدِّمَةِ السَّيَّارَةِ، قَبْلَ أَنْ يَقُودَهَا الشَّابُّ بِطَرِيقَةٍ طَائِشَةٍ، لِيَسْقُطَ زَيْدُ وَيَرْتَطِمَ رَأْسُهُ بِالأَرْضِ، فِي لَحْظَةٍ تَحَوَّلَتْ فِيهَا المُخَالَفَةُ وَالاِسْتِهْتَارُ بِقَوَاعِدِ السَّلَامَةِ إِلَى مَأْسَاةٍ حَقِيقِيَّةٍ، انْتَهَتْ بِفِقْدَانِ حَيَاةِ شَابٍّ فِي مُقْتَبَلِ العُمْرِ.
لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ كَانَتْ كَافِيَةً
لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ يَنْتَظِرُ سِوَى يَوْمٍ يَحْمِلُ فَرْحَةَ إِعْلَانِ نَتَائِجِ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ، لَكِنَّ تِلْكَ الفَرْحَةَ لَمْ تَكْتَمِلْ.
وَبَيْنَمَا كَانَتِ الأُسَرُ وَالطَّلَبَةُ يَتَرَقَّبُونَ نَتَائِجَ عَامٍ دِرَاسِيٍّ طَوِيلٍ، كَانَتْ أُسْرَةُ زَيْدٍ تُوَاجِهُ خَبَراً لَا يُشْبِهُ أَيَّ خَبَرٍ آخَرَ؛ فِقْدَانَ ابْنِهَا قَبْلَ أَنْ يَعِيشَ اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ يَنْتَظِرُهَا مَعَ زُمَلَائِهِ.
وَتُعِيدُ هَذِهِ الحَادِثَةُ المُؤْلِمَةُ تَسْلِيطَ الضَّوْءِ عَلَى خَطُورَةِ السَّمَاحِ لِلْيَافِعِينَ بِقِيَادَةِ المَرْكَبَاتِ دُونَ امْتِلَاكِ الرُّخْصَةِ وَالخِبْرَةِ وَالوَعْيِ الكَافِي، خُصُوصاً عِنْدَمَا تَقْتَرِنُ القِيَادَةُ بِالسُّرْعَةِ أَوْ الاِسْتِعْرَاضِ أَوْ السُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي تُعَرِّضُ حَيَاةَ السَّائِقِ وَالآخَرِينَ لِلْخَطَرِ.
فَالَسَّيَّارَةُ، مَهْمَا بَدَتْ وَسِيلَةً عَادِيَّةً فِي أَيْدِي الأَبْنَاءِ، يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ فِي غِيَابِ الرَّقَابَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ إِلَى مَصْدَرِ خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ، وَقَدْ لَا تَحْتَاجُ المَأْسَاةُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ حَتَّى تَقَعَ.
المَسْؤُولِيَّةُ تَبْدَأُ مِنَ الأُسْرَةِ
وَتَطْرَحُ وَفَاةُ زَيْدٍ سُؤَالاً يَتَجَاوَزُ تَفَاصِيلَ الحَادِثِ نَفْسِهِ: إِلَى أَيِّ مَدَى تَقَعُ مَسْؤُولِيَّةُ حِمَايَةِ الأَبْنَاءِ مِنَ القِيَادَةِ غَيْرِ القَانُونِيَّةِ وَالمَتَهَوِّرَةِ عَلَى عَاتِقِ الأُسْرَةِ؟
وأوضح موسى أبو سعد، أنَّ مُتَابَعَةَ الأَبْنَاءِ وَمَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ اسْتِخْدَامِهِمْ لِلْمَرْكَبَاتِ لَيْسَتْ تَقْيِيداً لِحُرِّيَّتِهِمْ، بِقَدْرِ مَا هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ لِحِمَايَتِهِمْ وَحِمَايَةِ الآخَرِينَ، وَتَسْلِيمُ المَرْكَبَةِ لِشَخْصٍ لَا يَحْمِلُ رُخْصَةَ قِيَادَةٍ وَلَا يَمْتَلِكُ الخِبْرَةَ الكَافِيَةَ قَدْ يَفْتَحُ البَابَ أَمَامَ نَتَائِجَ لَا يُمْكِنُ التَّرَاجُعُ عَنْهَا.
وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الوَقَائِعِ، لَا يَكُونُ الثَّمَنُ مُخَالَفَةً مُرُورِيَّةً أَوْ إِجْرَاءً قَانُونِيّاً فَحَسْبُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ حَيَاةَ إِنْسَانٍ، وَأُسْرَةً كَامِلَةً تَدْخُلُ فِي دَائِرَةٍ مِنَ الحُزْنِ لَا تَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الحَادِثِ.
رِسَالَةٌ إِلَى الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ
وبين "أبو سعد"، أن رَحِيلُ زَيْدٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ خَبَرٍ عَابِرٍ، بَلْ جَرَسَ إِنْذَارٍ أَمَامَ خَطُورَةِ الاِسْتِهْتَارِ عَلَى الطُُّرُقِ، خُصُوصاً بَيْنَ فِئَةِ اليَافِعِينَ، فَالقِيَادَةُ لَيْسَتْ اسْتِعْرَاضاً، وَالسَّيَّارَةُ لَيْسَتْ وَسِيلَةً لِلتَّبَاهِي، وَالطَّرِيقُ لَيْسَ مَكَاناً لِتَجْرِبَةِ المَهَارَاتِ أَوْ المَغَامَرَاتِ. كَمَا أَنَّ السَّمَاحَ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ رُخْصَةً أَوْ الخِبْرَةَ بِقِيَادَةِ المَرْكَبَةِ قَدْ يُحَوِّلُ قَرَاراً بَسِيطاً إِلَى مَأْسَاةٍ تَدْفَعُ أُسْرَةٌ بِأَكْمَلِهَا ثَمَنَهَا.
وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ الوَعْيَ بِخَطُورَةِ هَذِهِ السُّلُوكِيَّاتِ، وَرَفْضَ المُشَارَكَةِ فِيهَا، وَعَدَمَ السَّمَاحِ بِرُكُوبِ المَرْكَبَاتِ فِي أَوْضَاعٍ غَيْرِ آمِنَةٍ، قَدْ يَكُونُ الفَاصِلَ بَيْنَ العَوْدَةِ إِلَى المَنْزِلِ سَالِماً وَبَيْنَ خَبَرٍ يَفْجَعُ عَائِلَةً كَامِلَةً.
شَابٌّ فِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ رَحَلَ، تَارِكاً خَلْفَهُ أُمّاً ثَكْلَى، وَأَباً مَكْلُوماً، وَأُسْرَةً لَنْ تَنْسَى تِلْكَ اللَّحْظَةَ مَا بَقِيَ مِنَ العُمْرِ.
اقرأ أيضاً: مدرسة عبد اللطيف عابدين تنعى الطالب "زيد أبو سعد" الذي توفي قبيل إعلان نتائج التوجيهي




