استباقًا للتغيير، واشنطن تتحرك لتأمين مستقبل الدعم العسكري لـ«إسرائيل»
المصدر: حبر | Source: حبرلعقود، ظل الدعم العسكري والمالي لـ«إسرائيل» أحد مُسلّمات السياسة الخارجية الأمريكية. ورغم أنه سيبقى كذلك في المدى المنظور، إلا أن الإبادة الجماعية في غزة والحروب الإسرائيلية-الأمريكية اللاحقة في المنطقة عقّدت المشهد، في ظل تراجع شعبية «إسرائيل» لدى الرأي العام الأمريكي لمستويات غير مسبوقة.
هذا ما جعل النخب السياسية في البلدين تتحرك لتأمين الدعم الذي يتلقاه جيش الاحتلال الإسرائيلي، وإجهاض أي محاولة مستقبلية من قبل الكونغرس لعرقلة المساعدات الأمريكية البالغة قيمتها 3.8 مليار دولار سنويًا، عبر تقديم نص قانوني يقول منتقدوه إنه يدفع عمليًا نحو «دمج» الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، وجعل المساعدات المالية التي يتلقاها الأخير جزءًا من الإنفاق العسكري الأمريكي نفسه.
جاء ذلك أواخر أيار الماضي، حين طُرحت في الكونغرس مسودة قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027، وهو القانون السنوي الذي يحدد صلاحيات وزارة الحرب الأمريكية ويقر ميزانيتها، وبالأخص المادة 224 منه، التي تفتح الباب لتشابك الجيشين خاصة في مجالات البحث والتطوير والتصنيع العسكري.
تقونن المادة ما سُمي بـ«مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل»، التي تضع الأساس للعمل الإسرائيلي الأمريكي المشترك في جميع مجالات التكنولوجيا العسكرية تقريبًا، بما يشمل الذكاء الاصطناعي، وحوسبة الكم، والأنظمة ذاتية التشغيل، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحيوية، إضافة إلى «تكامل الشبكات» و«دمج البيانات»، وذلك بإشراف «وكيل تنفيذي» يعينه البنتاغون.
عمليًا، يعني ذلك أن شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية ستعمل معًا في جميع مراحل الإنتاج تقريبًا، بما يشمل تمكين الشركات الإسرائيلية من العمل والإنتاج على الأراضي الأمريكية، بتمويل أمريكي أو مشترك وعبر سلاسل توريد مشتركة، إضافة لإطلاع هذه الشركات على البيانات المتعلقة بالبحوث والاختبارات والنتائج المتعلقة بالأسلحة والأنظمة العسكرية الأمريكية.
ورغم أن المادة 224 لا تخلق هياكل قيادة مشتركة بين الجيشين ولا تعني إشراك «إسرائيل» مباشرة في عمليات اتخاذ القرار العسكري الأمريكي، إلا أنها تحول شركات الأسلحة الإسرائيلية لمورّد مباشر للجيش الأمريكي لا تختلف علاقة البنتاغون به عن علاقته بالشركات الأمريكية المحلية، من خلال ما سيُقدم لـ«إسرائيل» وشركاتها من بنية تحتية وبيانات وحوافز مالية.
هذا ما جعل المادة تثير جدلًا داخل الولايات المتحدة وتحت قبة الكونغرس، عبّر عنه نواب ديمقراطيون وجمهوريون، إلى حد تقديم مقترح تعديل للقانون بشطب المادة منه، قبل أن تصوت لجنة الخدمات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي في الرابع من حزيران برفض التعديل.
من المساعدة إلى الإدماج
في الأسابيع الماضية، سعى مؤيديو المادة 224 من داعمي «إسرائيل» في الولايات المتحدة، وعلى رأسهم منظمة «آيباك» وزمرتها من أعضاء الكونغرس، للترويج لها باعتبارها مجرد وسيلة لتبسيط وتعزيز جهود قائمة بالفعل. فالتعاون البحثي والتصنيعي العسكري بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» ليس جديدًا بطبيعة الحال، إذ شمل برامج عديدة على رأسها أنظمة الدفاع الصاروخي، مثل القبة الحديدية، فضلًا عن التعاون الأمني والاستخباري. لكن الآليات التي سيدشنها القانون الجديد ستوسع التعاون القائم كمًا ونوعًا، وتجعل من الصعب الفصل بين ما يعد مساعدة لـ«إسرائيل» وما هو مجهود بحثي وتصنيعي حربي أمريكي.
ويعتمد مؤيدو المادة 224 في الترويج لها على أحد أكثر الأوراق الانتخابية إغراءً في الولايات المتحدة، وهي خلق الوظائف المحلية. إذ يُفترض أن تؤدي المبادرة المقترحة إلى توسيع أو إنشاء مرافق صناعية جديدة، كما حدث العام الماضي في ولايتي ميسيسيبي وأركنساس، وهو ما سيمكن «إسرائيل» وحلفاءها في الكونغرس من التباهي بتوفير فرص عمل على الأراضي الأمريكية.
من جهة أخرى، تُقدم التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية على أنها من الأكثر تطورًا في العالم، خاصة وأنها «مختبرة في الميدان» عبر حروب الكيان على امتداد المنطقة. لذا، فإن استحواذ الجيش الأمريكي على هذه التقنيات وإدماجها في الصناعة العسكرية الأمريكية يُصور على أنه أفضلية للولايات المتحدة لا يجب التخلي عنها لمجرد «التظاهر بالأخلاق» أو الخضوع لـ«ضغط الناشطين».
كما تُصور المادة على أنها طريقة لتحويل دعم «إسرائيل» من المساعدات الممولة عبر الضرائب إلى نموذج قائم على التجارة والتنمية المشتركة، وهو ما سبق أن عبر عنه السفير الأمريكي في «إسرائيل» مايك هاكابي، في تناغم مع ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مطلع العام من أنه يأمل أن يفطم الكيان عن المساعدات الأمريكية خلال عشر سنوات، معتبرًا أن «إسرائيل» قد «بلغت سن الرشد»، وطورت «قدرات هائلة»، وأن قيمة اقتصادها في طريقها لتبلغ تريليون دولار خلال العقد المقبل.
سباق مع الوقت
في المقابل، يرى منتقدو المادة 224 في الولايات المتحدة أنها محاولة لخلق قناة خلفية لتمويل «إسرائيل» يمكن أن تصبح الرقابة عليها أصعب، في وقت يبدو المناخ السياسي الأمريكي أقل حماسة لدعم «إسرائيل» من أي وقت مضى.
تأتي هذه المبادرة مع قرب انتهاء صلاحية مذكرة التفاهم التي وُقعت عام 2016 والتي خصصت ما قيمته 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية لـ«إسرائيل» على مدى 10 أعوام ما بين 2019 و2028، يذهب معظمها لشراء الأسلحة من الولايات المتحدة. وفي حال خسارة الجمهوريين لانتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني المقبل، كما ترجح الاستطلاعات حتى الآن، قد يصبح من الصعب إقرار مساعدات جديدة بنفس الآليات السابقة.
لذلك، يحاول داعمو «إسرائيل» في الكونغرس استغلال الأشهر القليلة المتبقية من دورته الحالية لضمان مستقبل تمويل الكيان، عبر حمايته من التقلبات الانتخابية، وإدماج المساعدات بشكل هيكلي في البنى التحتية للتصنيع العسكري الأمريكي، بشكل يرى البعض أنه سيصبح من شبه المستحيل التراجع عنه أو الرقابة عليه.
تتضح هذه الصورة أكثر بالنظر إلى أن جذور المادة 224 تعود إلى مشروع قانون سابق عُرف اختصارًا باسم «قانون فيوتشرز». يتقاطع هذا المشروع إلى حد كبير مع المبادرة التي تنص عليها المادة، لكنه قُدم للكونغرس كمشروع قانون مستقل، مما صعّب تسويقه سياسيًا دون أن يظهر كدعم مباشر إضافي لـ«إسرائيل»، وأدى في النهاية لفشل إقراره في الكونغرس رغم دعمه من قبل الحزبين. لذلك، يرى البعض أن المادة 224 جاءت لتمرير المضمون ذاته بشكل أقل ضجة ضمن إطار قانون أوسع.
يعكس ذلك إدراك «إسرائيل» لهشاشة الاعتماد على حزم مساعدات تتطلب موافقة الكونغرس، في ظل وصول شعبية الكيان في الولايات المتحدة لأدنى مستوياتها. فعلى مدى عمر حرب الإبادة، ظلت استطلاعات الرأي تظهر تراجعًا مستمرًا لهذه الشعبية، حتى وصلت نسبة الأمريكيين الذين يحملون رأيًا سلبيًا أو سلبيًا جدًا تجاه «إسرائيل» إلى 60% العام الجاري، فيما تعارض النسبة ذاتها استمرار الولايات المتحدة في تقديم المساعدات العسكرية للكيان.
هذا ما عبر عنه نواب وشيوخ من أمثال الديمقراطي رو خانا والجمهوري توماس ماسي اللذين دعما مقترح تعديل قُدم للجنة الخدمات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي بشطب المادة 224 من قانون تفويض الدفاع الوطني. «الكل في أميركا، سواء كانوا جمهوريين، أم مستقلين، أم ديموقراطيين.. يريدون تقليل التعاون وصرف الشيكات على بياض [لإسرائيل] وليس زيادتها»، قال خانا، النائب عن ولاية كاليفورنيا في معرض دفاعه عن المقترح. ورغم أن اللجنة أسقطت مقترحه في تصويت شفهي، إلا أن القانون لم يقر بعد، فيما يُتوقع التصويت النهائي عليه قبل الرابع من تموز.
مخاوف أمنية أمريكية
إلى جانب استفزازها للأمريكيين ممن باتوا يحملون مواقف نقدية بدرجات مختلفة تجاه «إسرائيل»، أثارت المادة 224 حفيظة كثيرين بسبب ما اعتبروه «تحديًا للأمن القومي الأمريكي»، تحديدًا عبر ما تنص عليه المادة من تبادل المعلومات ودمج البيانات، إضافة للنفوذ الإضافي الذي تمنحه لـ«إسرائيل» في الولايات المتحدة.
ففي حال إقرارها، ستفتح المادة أبواب الصناعات العسكرية الأمريكية أمام المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، خاصة في مجالات ناشئة وحساسة مثل حوسبة الكم وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، بحيث تُمنح «إسرائيل» مدخلًا للاطلاع على البحوث والاختبارات الأمريكية العسكرية في هذه المجالات. ويخشى البعض في الولايات المتحدة من أن إقرار المادة سيعني كشف القدرات العسكرية الأمريكية بالكامل أمام «إسرائيل»، مما يسمح لها بتطوير أنظمة مضادة لها، وحتى بيعها.
من ناحية أخرى، يرى البعض أن دمج التقنيات العسكرية الإسرائيلية مباشرةً في عمليات البحث والتوريد والتصنيع والاستحواذ الأمريكية قد يعني تحويل القدرات العسكرية الأمريكية إلى «رهينة»، حيث ستصبح «إسرائيل» قادرة على حجب مكونات أو برامج ضرورية لتشغيل هذه القدرات للتأثير على القرار السياسي في واشنطن، في انعكاس لما يوفره نموذج المساعدات الحالي من قدرة أمريكية -نظرية- على الضغط على «إسرائيل».
وصلت مخاوف البعض في الولايات المتحدة من إقرار المادة 224 إلى حد التحذير من أنه في حال تبني التقنيات الإسرائيلية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التنبؤي والطائرات المسيرة والأنظمة ذاتية التشغيل، التي استخدمت ضد الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين في الحروب الإسرائيلية الأخيرة، فإن الحكومة الأمريكية يمكن أن تستخدمها ضد مواطنيها، خاصة من يسميهم دونالد ترامب «إرهابيين محليين»، بحسب ما قال المقدم المتقاعد من سلاح الجو الأمريكي ويليام أستور، لموقع إنترسبت.
يأتي ذلك في ظل الجدل الذي أثارته تقارير حديثة حول التجسس الإسرائيلي على مسؤولين أمريكيين. إذ نقلت النيويورك تايمز قبل أيام عن تقارير استخبارية أمريكية أن الموساد عمل على التنصت على المفاوضين الأمريكيين الذين يسعون للتوصل لاتفاق مع إيران. ورغم أن التجسس الإسرائيلي على الولايات المتحدة لم يكن سرًا، إلا أن تلك التقارير اعتبرت أن مستوى «التهديد الاستخباري» الذي تمثله «إسرائيل» قد ارتفع في الأسابيع الأخيرة ليصل مستوى حرجًا.
بالمحصلة، رغم أن الترابط السياسي والعسكري والاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي ما يزال القاعدة، إلا أن توجه القيادات على الطرفين للبحث عن آليات جديدة لتأمين ديمومة دعم «إسرائيل» يعكس توترًا متناميًا من تجاه المستقبل الذي يبدو أكثر غموضًا وهشاشة بالنسبة للكيان من أي وقت مضى.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





