إسرائيل ترفع سقفها.. الحزام الأمني والخطّ الأصفر وخرائط الجنوب الجديدة!
لم ترتفع إلّا أصواتٌ قليلة، متردّدة وخجولة، في وجه الخطط الإسرائيليّة لجنوب لبنان. ويجوز القول إنّ مختلف القوى تبدو غير آبهةٍ بلبنان الآن، فيما تمضي إسرائيل في رفع سقفها السّياسيّ والعسكريّ دفعةً واحدة، لتتعامل مع الجنوب بوصفه أرضًا سائبةً ومستباحةً لإعادة رسمها، كما تمليه الأهواء والشروط الإسرائيليّة.
ولئن حفَّ الغموض أفقَ المفاوضات الإقليميّة، فإنّ طبيعة الخطط الإسرائيليّة في لبنان واضحةٌ ومكشوفة. هي خططٌ معلنة، يجهر بها المسؤولون الإسرائيليّون تباعًا، وتسندها الوقائع الميدانيّة بقدر ما تسندها التصريحات السّياسيّة. وآخر هذه الإشارات ما صدر عن رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، الذي قالها جهارًا، وبعد أيّامٍ من التسريبات، محدِّدًا الغاية السياسيّة للحرب، ومرسِّخًا مسارها العسكريّ. وعندما يتحدَّث عن "توسيع" المنطقة العازلة في لبنان، فهو يعلن انتقال إسرائيل إلى مرحلةٍ جديدة، عنوانها فرض واقعٍ حدوديٍّ جديد، واستثمار النار في إنتاج خرائط جديدة، وموازين جديدة، وشروط تفاوضٍ جديدة.
وقبل نتنياهو، قال وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس ما هو أكثر مباشرةً، حين تحدَّث عن احتلال شريطٍ واسعٍ من جنوب لبنان حتّى نهر الليطاني، وعن الإمساك بما يسمّيه الإسرائيليّون "منطقةً أمنيّة". بهذا المعنى، وضع كاتس الخطة بصيغةٍ عسكريّة، ومنحها نتنياهو الغطاء السياسيّ الكامل. وبذلك يكتمل المشهد الإسرائيليّ، الحكومة الإسرائيليّة تتحدَّث بلسانٍ واحد، مهما توزَّعت الأدوار بين التهديد، والتسريب، والتبرير، والتفاوض.
من المنطقة العازلة إلى "الخطِّ الأصفر"
جوهر المسألة يكمن في المشروع نفسه. "منطقة عازلة"، "حزام أمني"، "خطّ أصفر"، أسماءٌ مختلفة لمشروعٍ واحد، عنوانه اقتطاع جنوب لبنان من دورته الطبيعيّة، وإخضاعه لسيطرةٍ بالنار والمراقبة والإخلاء، ثمّ جرّ الجميع إلى التعامل مع ذلك بوصفه أمرًا واقعًا. وما تحدَّثت عنه القناة 14 العبريّة، نقلًأ عن مسوؤلين كبار، لجهة توسيع خطّ الحدود الشماليّة بنحو 8 كيلومترات داخل لبنان، ويمكن تسميته "الخط الأصفر" أو "حزام أمني" أو أي اسم آخر، وسيشمل أيضا سيطرة عملياتية تتجاوز نهر الليطاني، أي أن السيطرة لن تنتهي عند خط النهر، بل ستمتد إلى ما بعده، في الجانب الأكثر شمالًا، فقد صار جزءًا من المسار الإسرائيليّ الراهن.
وهنا، تتكشَّف خطورة اللحظة كاملةً. فالمسار الإسرائيليّ يرسم عمقًا لبنانيًّا جديدًا، تتحرَّك فيه إسرائيل عسكريًّا متى تريد، وتقصفه متى تريد، وتمنع عودته إلى حياته الطبيعيّة متى تريد. هذا احتلالٌ مرن، يترسَّخ بالتدرّج، ويطلب لاحقًا غطاءً سياسيًّا وتطبيعًا تفاوضيًّا.
وكانت "المدن" قد تحدّثت في مقالٍ سابق عن هذه النيّة، الّتي نوقشت سابقًا بين الإسرائيليين والأميركيين، لجهة مشروع أشمل لتقسيم جنوب لبنان إلى ثلاثة خطوط.
نتنياهو يمهِّد لليوم التالي
تظهر أهمّيّة نتنياهو هنا مرّةً أخرى. فهو يدير اليوم التالي للحرب منذ الآن. يتحدَّث عن الأمن، ويرتِّب السياسة. يرفع شعار "حماية الشمال"، ويرسم معادلةً جديدة لجنوب لبنان. ويتحدَّث عن "منع عودة التهديد"، ويفتح الباب أمام تغييرٍ أعمق يمسّ شكل الدولة اللبنانيّة، وطبيعة السلطة في الجنوب، وحدود حضور "حزب الله" العسكريّ والسّياسيّ.
لذلك تجاوزت المسألة مطلب نزع السلاح إلى مشروعٍ أوسع. إسرائيل تتحرَّك بمنطقٍ أشمل، تفكيك بيئة القوّة، إنهاك الحاضنة، إعادة صياغة الجغرافيا، فرض قيودٍ دائمة على العمران والحركة والعودة، ثمّ ترجمة ذلك في السياسة الداخليّة اللبنانيّة. وهي تدفع نحو إضعاف "حزب الله" إلى الحدّ الذي يعاد فيه ترتيب لبنان سياسيًّا على إيقاع الهزيمة والإنهاك والانقسام.
خديعة التفاوض مرّةً أخرى
يتحوَّل الحديث عن المفاوضات هنا إلى جزءٍ من العمليّة نفسها. إسرائيل تفاوض لتثبيت ما تنتجه النار. وهذه هي القاعدة التي اعتمدتها في غزّة، حين حوَّلت التفاوض إلى أداةٍ لكسب الوقت، وإلى غطاءٍ لمراكمة الوقائع الميدانيّة. تفاوض فيما تدمِّر، تفاوض فيما تهجِّر، تفاوض فيما توسِّع نطاق السيطرة، ثمّ تطلب من الجميع أن يناقشوا "الترتيبات" انطلاقًا من الأرض المحروقة التي صنعتها.
وبهذا المعنى، يصير الجسر المدمَّر بندًا تفاوضيًّا، والقرية المفرغة بندًا تفاوضيًّا، والحزام الأمني بندًا تفاوضيًّا، وخرائط النار كلّها موادَّ أوليّة على طاولة الوسطاء. ويكشف هذا المسار حقيقة الكلام الإسرائيليّ عن "الحلول"، فهو كلامٌ عن إدارة نتائج القوّة وتكريسها. إنّه تفاوضٌ على قاعدة ما فرض، وعلى قاعدة موازين القوّة التي أنتجت بالنار.
هذا هو الدرس الذي حاولت إسرائيل فرضه في غزّة، وهذا ما تسعى إلى تكراره في لبنان بلا مواربة. وما يزيد هذا المسار خطورةً أنّ لبنان أكثر هشاشةً من غزّة من زاوية البنية السياسيّة الداخليّة. فهنا ليس ثمّة سلطة واحدة، ولا اصطفافٌ واحد، ولا أولويّة وطنيّة واحدة. هنا بلدٌ شديد الانقسام، مفتوحٌ على تنازع الروايات والمصالح والحسابات الخارجيّة. ولهذا فإنّ أيّ محاولةٍ إسرائيليّة لفرض "اليوم التالي" في الجنوب لا تتوقّف عند الجنوب، بل تمتدّ تلقائيًّا إلى قلب النظام اللبنانيّ، إلى سؤال الدولة، وسؤال السلاح، وسؤال التمثيل، وسؤال مَن يحكم ومَن يُقصى ومَن يُعاد تأهيله.
لبنان داخل الصفقة الكبرى
يظهر لبنان هنا كبندٍ داخل ترتيباتٍ إقليميّةٍ أوسع. وهذا ما أضاءت عليه التسريبات الأخيرة لرويترز، حين تحدَّثت عن إصرار إيران على إدراج لبنان في أيّ اتّفاقٍ لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وربط إنهاء الحرب بوقف الهجوم على "حزب الله". وفي المقابل، تتحدَّث واشنطن عن نزع سلاح الحزب بوصفه عنصرًا أساسيًّا في أيّ استقرارٍ مقبل. وتبعث إسرائيل برسالةٍ واضحة، مفادها استمرار الضغط العسكريّ على الحزب حتّى بعد انتهاء الحرب الأوسع.
وهكذا يحضر لبنان في صلب التفاوض من موقع المادّة الّتي يتفاوض عليها. إسرائيل تريد الدخول إلى أيّ مسارٍ تفاوضيٍّ من موقع من فرض الوقائع. إيران تريد ضمان موقع "حزب الله" داخل أيّ تسوية. والولايات المتحدة تدفع نحو إعادة ترتيب التوازنات تحت عنوان الاستقرار. وبين هذه المسارات الثلاثة، يقف لبنان الرسميّ ضعيفًا، مرتبكًا، وعاجزًا عن الإمساك بحدود موقفه، فضلًا عن حدود أرضه.
يعود هنا معنى لبنان بوصفه "ساحة معركة الشرق الأوسط"، على ما وصفه ديفيد هيرست قبل سنوات. فلبنان يعامَل دائمًا بوصفه مساحةً قابلةً للاستخدام، ومختبرًا دائمًا لصراعات الآخرين. طائفيّته الداخليّة، هشاشة دولته، موقعه الجغرافيّ، وتداخل ملفّاته مع الإقليم، كلّها عوامل جعلته على الدوام عرضةً للاستباحة الخارجيّة والاستنزاف الداخليّ في آنٍ معًا.
ولهذا يتجاوز ما يجري اليوم حدود التصعيد العسكريّ. إنّه مشروعٌ متكامل العناصر. نتنياهو يحدِّد السقف السياسيّ، كاتس يقدِّم الخطة الميدانيّة، والإعلام الإسرائيليّ يختبر المصطلحات، "الخطّ الأصفر"، "الحزام الأمني"، "المنطقة العازلة". أمّا الجوهر فواحد، الجنوب اللّبنانيّ يُراد له أن يتحوَّل إلى أرضٍ معلَّقة، خاضعةٍ لقوّة النار، ومفتوحةٍ على الابتزاز، ومربوطةٍ بمفاوضاتٍ تدير شكلًا جديدًا من السيطرة.
تتحدَّث إسرائيل اليوم عن حدود لبنان. تفاوض على شكل ما بعد الحرب. وتسعى إلى إعادة صياغة الجنوب سياسيًّا وجغرافيًّا وديموغرافيًّا. وهذا هو المعنى الحقيقيّ لكلّ هذه التصريحات في اليومين الأخيرين، من نتنياهو إلى كاتس إلى التسريبات المرافقة، مشروع احتلالٍ بالتفاوض، وتفاوضٌ يراد له أن يشرعن الاحتلال.
بتول يزبك - المدن
The post إسرائيل ترفع سقفها.. الحزام الأمني والخطّ الأصفر وخرائط الجنوب الجديدة! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





