شفيق طاهر
بدأ سلاح الجو الإسرائيلي إعادة تموضع السرب 190 بصورة دائمة، من قاعدة رامون الجوية في النقب إلى قاعدة رامات دافيد القريبة من حيفا. ويشغل السرب مروحيات AH-64A أباتشي، ما يضع جزءاً أساسياً من قوة المروحيات الهجومية على مسافة أقرب كثيراً من لبنان وسوريا.
ورغم تأكيد الجيش الإسرائيلي أن الانتقال كان مخططاً له مسبقاً ولا يرتبط بإنذار أمني فوري، فإن دلالاته تتجاوز تغيير مقر سرب جوي؛ فهو يعكس تحولاً في توزيع القوة، واستعداداً لجعل الجبهة الشمالية ساحة عمليات قائمة بذاتها، بدل التعامل معها بوصفها جبهة يمكن تعزيزها عند الحاجة بقوات تنطلق من جنوب إسرائيل.
استجابة أسرع وبقاء أطول فوق الجبهة
تتمثل النتيجة العملياتية الأبرز للنقل في تقليص الوقت اللازم لوصول المروحيات إلى الحدود اللبنانية أو الجولان السوري المحتل؛ فالانطلاق من قاعدة رامون كان يفرض قطع مسافة طويلة قبل بلوغ الشمال، ما يستهلك جزءاً من الوقود، ويقلل الوقت المتاح للبقاء فوق منطقة العمليات.
أما التمركز في رامات دافيد، فيتيح للمروحيات الوصول إلى الجبهة خلال وقت أقصر، والبقاء مدة أطول لتقديم الدعم الجوي القريب، ومراقبة التحركات، ومرافقة القوات البرية أو التعامل مع أهداف تظهر بصورة مفاجئة. وتكتسب هذه الدقائق أهمية خاصة خلال محاولات التسلل عبر الحدود، حين تكون المعلومات الأولية محدودة ومتغيرة، ويصبح التدخل السريع عاملاً حاسماً في احتواء الهجوم.
وتتميز الأباتشي بقدرتها على العمل على ارتفاعات منخفضة، واستخدام مستشعراتها الكهروبصرية لرصد أفراد ومركبات صغيرة ثم مهاجمتها بأسلحة دقيقة. لذلك، فإن وجود سرب كامل في الشمال يوفر لإسرائيل قوة نيران فورية يمكن استدعاؤها من دون انتظار وصول المروحيات من النقب.
كما يمنح الانتقال القيادة الإسرائيلية قدرة أكبر على دعم أي عملية برية محتملة داخل لبنان أو قرب الحدود السورية. فالمروحيات الهجومية تستطيع البقاء قريبة من الوحدات البرية والتعامل مع أهداف يصعب على المقاتلات النفاثة رصدها أو الاشتباك معها بسرعة، ولا سيما في المناطق الجبلية والمبنية.
المسيّرات والتسلل ورسالة الردع
لا يقتصر دور السرب على مهاجمة القوات البرية، إذ استخدمت إسرائيل مروحيات الأباتشي في اعتراض أنواع معينة من الطائرات المسيرة، مستفيدة من قدرتها على التحليق بسرعات منخفضة والبقاء في منطقة محددة، خلافاً للمقاتلات النفاثة الأسرع والأعلى كلفة في بعض مهام الاعتراض.
وتزداد أهمية هذه المهمة في الشمال، حيث تشكّل المسيّرات المنطلقة من لبنان أو سوريا تحدياً مستمراً لمنظومات الدفاع الجوي؛ وذلك يعني أن الأباتشي ستعمل ضمن شبكة تشمل المقاتلات والمنظومات الأرضية والحرب الإلكترونية، من غير أن تكون بديلاً لها.

ويكشف النقل عن تركيز إسرائيلي على احتمال وقوع هجمات مركبة تجمع بين إطلاق الصواريخ والمسيرات ومحاولات التسلل البري. وفي مثل هذا السيناريو، تصبح المروحية منصة مرنة يمكنها الانتقال سريعاً بين اعتراض هدف جوي ودعم القوات المنتشرة على الأرض.
ويحمل الانتقال كذلك رسالة ردع موجهة إلى حزب الله، مفادها أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى الجبهة الشمالية بوصفها ساحة ثانوية يمكن تعزيزها بعد اندلاع القتال، بل كجبهة تتطلب قوة هجومية جاهزة بصورة دائمة. ومع ذلك، قد تقرأ الخطوة في الاتجاه المعاكس، فالحاجة إلى تقريب المروحيات من الحدود تكشف حجم القلق الإسرائيلي من قدرة الحزب على تنفيذ هجمات مباغتة ومركبة؛ وبذلك يجمع النقل بين استعراض الجاهزية والإقرار ضمنياً بأن زمن الإنذار المتاح قد يكون قصيراً للغاية.
مكاسب عملياتية ومخاطر جديدة
في المقابل، يجعل وجود السرب قاعدة رامات دافيد هدفاً أكثر أهمية للصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة. فالقرب من لبنان يمنح المروحيات ميزة عملياتية، لكنه يضع مرافق الصيانة ومخازن الذخيرة والطواقم ضمن نطاق تهديد أكبر، ما يفرض تعزيز الدفاعات والتحصينات وتوزيع الطائرات داخل القاعدة أو في مواقع بديلة.
في المحصلة، لا يعني نقل السرب 190 أن حرباً شاملة أصبحت وشيكة، لكنه يشير إلى أن إسرائيل تعيد بناء استعدادها على افتراض أن الجبهة الشمالية قد تشتعل بسرعة وبأكثر من شكل. فالخطوة تحول وجود المروحيات الهجومية في الشمال من دعم موقت إلى قدرة دائمة، وتكشف استعداداً لمواجهة تشمل التسلّل والمسيّرات والعمليات البرية المتزامنة، مع ما يرافق ذلك من سرعة أكبر في الرد ومخاطر إضافية على قاعدة رامات دافيد نفسها.




