اسرائيل تُعلنها: لا نريد نسخة لبنانية عن محمود عباس
دخل لبنان في نفق سياسي مظلم تعجز الخرائط التقليدية عن فك شيفراته، مما يجعل هذه المرحلة هي الأكثر حرجاً منذ عقود، حيث تتقاطع الرسائل الدبلوماسية الواردة عبر الموفدين الدوليين وحركة الاتصالات المكثفة عند تقاطع خطير: "فك الارتباط" بين أي تسوية محتملة بين واشنطن وطهران وبين واقع الجبهة اللبنانية. فالمؤشرات الراهنة توحي بأن العاصمة اللبنانية باتت خارج مظلة الحماية التي قد توفرها التفاهمات الإقليمية الكبرى، في ظل إصرار تل أبيب على فرض واقع ميداني جديد يتجاوز حدود "قواعد الاشتباك" التقليدية.
تُشير القراءة المتأنية للتحركات الإسرائيلية إلى تحول جذري في العقيدة العسكرية تجاه الساحة اللبنانية. لم تعد إسرائيل تتعامل مع حزب الله كقوة إقليمية خاضعة لمنطق "الردع المتبادل"، بل انتقلت إلى استنساخ "نموذج غزة" في تعاملها مع الحزب، من خلال اعتماد استراتيجية التفكيك البنيوي والإنهاك الميداني الشامل.
هذا التحول يترافق مع "تنميط" سياسي خطير للسلطة اللبنانية؛ إذ تنظر الدوائر الاستخباراتية والأمنية في تل أبيب إلى الحكومة والرئاسة في بيروت بصفتها "نسخة" عن السلطة الفلسطينية في رام الله. فالسلطة اللبنانية، برأي اسرائيل، تمتلك "شرعية تمثيلية" لكنها تفتقر إلى "السيادة الإجرائية" على الأرض، مما يجعل قراراتها الرسمية وتعهداتها بتطبيق القرار 1701 مجرد "حبر على ورق" لا يعتد به في صياغة الضمانات الأمنية المستقبلية للجليل.
ميدانياً، تؤكد التقارير أن إسرائيل لا تكتفي بالرد على النيران، بل تتحرك وفق "مخططات مرسومة سلفاً" تتسم بالتدرج التصعيدي. الهدف المعلن هو السيطرة العملياتية على جنوب نهر الليطاني، إلا أن المعطيات تشي بطموحات أبعد تتضمن السيطرة على نقاط استراتيجية في شمال النهر لضمان "عمق أمني" يمنع أي قدرة للحزب على إعادة التموضع. هذا التوجه يعكس قناعة إسرائيلية بأن "الوضع القائم قد انتهى إلى غير رجعة، وأن الاتجاه نحو التصعيد هو المسار الوحيد الذي ترسمه تل أبيب لفرض "اليوم التالي" في لبنان.
على المقلب الآخر، يؤكد رئيس الجمهورية ومعه رئيس الحكومة ثباتهما على منصة المطالبة بـ "المفاوضات المباشرة" والحل الدبلوماسي الشامل. ويشدد المسؤولون اللبنانيون في لقاءاتهم مع الوفود الغربية على أن مفتاح الحل يكمن في ممارسة واشنطن لـ "ضغوط وازنة" على الجانب الإسرائيلي لكبح جماح الآلة العسكرية والجلوس إلى الطاولة.
إلا أن هذا الرهان اللبناني يصطدم بجدار من الرفض الإسرائيلي المدعوم بصمت دولي، حيث ترفض إسرائيل أي مسار تفاوضي قبل استكمال أهدافها الميدانية. هذا التباين يضع الدولة اللبنانية في موقف حرج، بين رغبتها في تجنيب البلاد "الحرب الشاملة" وبين واقع ميداني تفرضه إسرائيل بالقوة، مستغلةً الانقسام في الموقف الدولي وتشتت الأولويات الإقليمية.
إن الرسالة الأبرز التي وصلت إلى بيروت في الاسابيع الماضية هي أن لبنان قد وُضع في "غرفة معزولة" عن التسويات الكبرى. فبينما قد تجد طهران وواشنطن طريقاً للتفاهم، يبدو أن القرار قد اتُخذ بترك الساحة اللبنانية لتصفية الحسابات العسكرية. لبنان اليوم لا يواجه خطراً حدودياً فحسب، بل يواجه خطر "التحلل السيادي" أمام مطامع إسرائيلية تسعى
لتحويل جنوبه إلى "منطقة عازلة" دائمة، خارجة عن سيطرة الدولة ومنطق القانون الدولي.
The post اسرائيل تُعلنها: لا نريد نسخة لبنانية عن محمود عباس appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




