الحسكة – محمد جفال
لم يستعد الوسط التجاري في مدينة الحسكة نشاطه وحيويته التي كان يتمتع بها قبل الحرب السورية، رغم التحسن الذي طرأ على الأوضاع الأمنية والسياسية، التي كانت من أبرز العوامل في تراجع الحركة التجارية خلال السنوات الماضية، ولا سيما مع انتشار قوات النظام السابق في المنطقة وتحول مركز المدينة إلى ما عُرف بـ”المربع الأمني”.
ومع سقوط النظام في نهاية عام 2024، تراجعت المخاوف الأمنية التي دفعت شريحة من السكان إلى تجنب وسط المدينة، لكن عودة الحركة إلى سابق عهدها لم تتحقق، مع نشوء أسواق خارج المركز خلال سنوات الحرب، وتحولها إلى متنفس يستقطب السكان، إذ لم تعد الحركة التجارية متركزة بالدرجة نفسها في الأسواق القديمة والمتفرعة من شارع فلسطين، وباتت أسواق الأحياء جزءًا أساسيًا من النشاط التجاري اليومي.
أسواق ارتبطت بتاريخ المدينة
يعود تاريخ الوسط التجاري في الحسكة إلى بدايات تشكل المدينة وتوسعها خلال النصف الأول من القرن الماضي.
وبحسب الباحث أحمد الحسن، ينقسم الوسط التجاري إلى أسواق قديمة تأسست في النصف الأول من القرن الماضي، وأخرى حديثة ظهرت خلال العقود الأخيرة.
ويعد سوق “المأمون” للأقمشة من أبرز الأسواق القديمة في المدينة، إذ تأسس في بدايات القرن الماضي مع ظهور الحسكة كتجمع بشري، بينما سُقف جزء منه خلال ثمانينيات القرن الـ20.
ومن بين أقدم المحال في السوق محل أسسه عبد الأحد عبد لكي، بين عامي 1930 و1935، واستمر في العمل لنحو 40 عامًا، قبل أن يرثه أولاده عنه في سبعينيات القرن الماضي.
وكان سوق “المأمون” مركزًا لبيع مختلف أنواع الأقمشة، من الجوخ والكودلي والشانيل والساتان والمخمل إلى القطنيات وأقمشة البياضات والبرادي وغيرها، ما جعله جزءًا أساسيًا من النشاط التجاري في مركز الحسكة.
ولا يقتصر تاريخ وسط المدينة على سوق “المأمون”، إذ يضم كذلك سوق “الصاغة” الواقع إلى الشرق منه، وسوق “الحموية” إلى الغرب، وهما يقعان إلى الجنوب من شارع فلسطين، الذي يعد من أشهر شوارع الحسكة وأقدم تجمعاتها التجارية.
الحرب غيّرت وجه السوق
كان الوسط التجاري في الحسكة، قبل الحرب، الوجهة الرئيسة للتسوق بالنسبة إلى سكان المدينة، كما كان يستقطب سكان مناطق وبلدات محيطة بها.
لكن اندلاع الحرب السورية وما رافقه من تغيرات أمنية وعسكرية أدى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين السكان ووسط المدينة.
وقال الخبير الاقتصادي سامر العلي، إن الوسط التجاري كان “السوق الوحيد” في مدينة الحسكة قبل الحرب، لكن تركز قوات النظام السابق في المنطقة خلال سنوات الحرب أدى إلى تحولها إلى ما كان يُعرف بـ”المربع الأمني”.
وأدى ذلك، بحسب العلي، إلى انكفاء عدد من أبناء الحسكة عن التردد إلى السوق نتيجة المخاوف الأمنية، ما أسهم في تراجع الحركة التجارية في المركز.
ولم يكن تراجع الحركة مقتصرًا على انخفاض عدد المتسوقين، إذ انعكس الوضع الأمني أيضًا على أصحاب المحال التجارية، ودفع بعض أصحاب المحال الكبيرة إلى مغادرة الوسط التجاري باتجاه مناطق أخرى، في ظل انخفاض أعداد الزبائن، إلى جانب الإتاوات التي كانت تفرضها قوات النظام السابق عليهم.
وفي المقابل، بدأت أسواق موازية بالظهور في أحياء المدينة والبلدات المحيطة بها، لتتحول تدريجيًا من بدائل مؤقتة فرضتها ظروف الحرب إلى أسواق مستقرة لها زبائنها وتجارها وحركتها الخاصة.
ومن أبرز هذه الأسواق سوق “المفتي” في حي المفتي، وسوق “الإسفنج” في حي غويران، وسوق “الحلبية” في حي تل حجر، إضافة إلى أسواق أخرى توزعت على أحياء المدينة.
وبذلك، لم تعد رحلة التسوق مرتبطة بالضرورة بوسط الحسكة، كما كانت الحال قبل الحرب، إذ أصبح بإمكان سكان الأحياء شراء جزء كبير من احتياجاتهم من الأسواق القريبة منهم.
بعد سقوط النظام.. لماذا لم تعد الحركة؟
كان من المتوقع أن يؤدي تغير الظروف السياسية والأمنية بعد سقوط النظام، في نهاية عام 2024، إلى استعادة وسط المدينة جزءًا من حركته السابقة، خصوصًا أن العامل الأمني كان أحد أسباب ابتعاد السكان عنه.
لكن ذلك لم يحدث بالوتيرة نفسها، وفق المعطيات المتوفرة لدى الخبير الاقتصادي سامر العلي.
ويرى العلي أن الأسواق التي نشأت خارج الوسط التجاري خلال الحرب أصبحت منافسًا حقيقيًا للمركز، بعدما طورت حضورها ووفرت تنوعًا في البضائع وجودة متفاوتة وأسعارًا قادرة على جذب الزبائن.
وهنا تبدو المفارقة واضحة، فالسبب الذي أدى إلى تراجع الوسط التجاري خلال الحرب لم يعد حاضرًا بالدرجة ذاتها، لكن النتيجة التجارية لذلك التراجع بقيت قائمة.
وأدى الخوف الأمني في البداية إلى دفع السكان نحو الأسواق البديلة، لكن استمرار هذه الأسواق سنوات طويلة سمح لها بتكوين قاعدة من الزبائن، كما دفع التجار إلى الاستثمار فيها وفتح محال جديدة، ما جعل عودة المتسوقين إلى المركز بعد تغير الوضع الأمني أمرًا غير تلقائي.
التجار: الزبون اعتاد السوق القريب
قال فواز الحمود، صاحب محل أحذية في مدينة الحسكة، إن تراجع الحركة في الوسط التجاري لم يعد مرتبطًا بالخوف الأمني كما كان خلال سنوات الحرب، بل إن الأسواق التي نشأت خارج المركز أصبحت منافسًا واضحًا، بعدما اعتاد السكان شراء حاجاتهم من المناطق القريبة من منازلهم.
ويرى فواز أن الزبون الذي كان يقصد وسط المدينة بصورة منتظمة قبل الحرب بات يجد اليوم محال وأسواقًا توفر له جزءًا كبيرًا من احتياجاته في الأحياء، الأمر الذي خفف الحاجة إلى التوجه إلى المركز.
وأضاف أن حركة البيع في الوسط التجاري لا تزال موجودة، لكنها لا تشبه الزخم الذي كان معروفًا قبل الحرب، عندما كانت الأسواق القديمة والمتاجر الواقعة في مركز المدينة تشكل مقصدًا رئيسًا لسكان الحسكة.
من جهته، يربط علي السلمان، صاحب محل أقمشة في المدينة، تراجع النشاط التجاري في المركز بالتغيرات التي طرأت على حركة السكان خلال سنوات الحرب.
وقال علي، إن سوق الأقمشة، شأنه شأن بقية الأسواق، تأثر بابتعاد قسم من الزبائن عن المركز وظهور أسواق جديدة في الأحياء، مشيرًا إلى أن المنافسة لم تعد بين محال داخل السوق نفسه، وإنما بين وسط المدينة ومراكز تجارية أخرى نشأت وتوسعت خارجها.
وأضاف أن الأسواق الجديدة تمكنت خلال السنوات الماضية من جذب الزبائن عبر قربها من مناطق السكن وتوفيرها أنواعًا مختلفة من البضائع، بينما بقي وسط المدينة يحتفظ بأهميته التاريخية والتجارية دون أن يستعيد كامل الحركة التي كانت فيه قبل الحرب.
وتتطابق قراءة فواز وعلي مع خلاصة الخبير الاقتصادي سامر العلي، الذي يرى أن المنافسة التي نشأت خلال الحرب أصبحت أحد العوامل الرئيسة التي تمنع عودة الوسط التجاري إلى سابق عهده.
مركز تاريخي في مواجهة خريطة تجارية جديدة
لا يعني تراجع الزخم في وسط الحسكة اختفاء دوره التجاري، إذ لا تزال الأسواق القديمة تحتفظ بأهميتها، خصوصًا الأسواق المرتبطة تاريخيًا بأنشطة تجارية محددة، مثل سوق “المأمون” للأقمشة وسوق “الصاغة” وسوق “الحموية”.
لكن طبيعة المدينة تغيرت، وكذلك سلوك المتسوقين.
الباحث أحمد الحسن أشار إلى أن ظهور الأسواق الحديثة لم يكن مقتصرًا على مركز المدينة، بل امتد إلى الأحياء الواقعة شرقًا وشمالًا وجنوبًا، ما أدى إلى تعدد المراكز التجارية داخل الحسكة.
وهذا التعدد يعني أن وسط المدينة لم يعد يحتكر النشاط التجاري كما كان قبل الحرب.
ففي السابق، كان الذهاب إلى وسط المدينة جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للسكان الراغبين في التسوق، بينما باتت الأحياء اليوم تمتلك أسواقها الخاصة، ما يقلل من حاجة السكان إلى قطع مسافات للوصول إلى المركز.
وتضاف إلى ذلك عوامل تتعلق بالأسعار وتنوع السلع وجودتها، وهي عناصر يرى العلي أنها ساعدت الأسواق الجديدة على ترسيخ حضورها ومنافسة الوسط التجاري.
وبالتالي، فإن استعادة الأمان لم تؤدِ تلقائيًا إلى استعادة النشاط التجاري السابق، لأن المشكلة لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت مرتبطة ببنية تجارية جديدة تشكلت خلال سنوات طويلة.
بالنسبة إلى أصحاب المحال في الوسط التجاري، فإن عودة الزبائن تحتاج إلى أكثر من تحسن الوضع الأمني، إذ ترتبط بقدرة المركز على منافسة الأسواق الأخرى في الأسعار والتنوع والخدمات، وبقدرة التجار على استعادة النشاط الذي فقدوه خلال السنوات الماضية.
كما أن بعض المحال التي غادرت المركز خلال الحرب لم تعد إليه، بعدما وجدت في المناطق الجديدة ظروفًا تجارية مختلفة وقاعدة من الزبائن.
وبذلك، يبدو أن الحسكة انتقلت من نموذج يقوم على مركز تجاري رئيس إلى نموذج أكثر تعددًا، تتوزع فيه الأسواق بين المركز والأحياء.




