اسماعيل الشريف : تغيّرٌ مهم
الأشياء الكبيرة تبدأ صغيرة، ثم تكبر حتى لا يستطيع أحد إيقافها – عبد الرحمن منيف، مدن الملح. تبدأ الحكاية من إبادةٍ جماعية وتطهيرٍ عرقي اقترفهما الكيان الصهيوني في غزة على امتداد ثلاثة أعوام، في مشهدٍ حيٍّ ومباشر تابعته البشرية جمعاء. غير أنّ العالم، وهو يشاهد، لم يكن يدرك أنّ هذه الإبادة لم تكن وليدة اللحظة، بل امتداداً لقرنٍ كامل من الممارسة. رأى العالم الكيان الصهيوني يمعن في قتل النساء والأطفال، مسلمين ومسيحيين، وشاهد ساسته يغوصون حتى أخمص أقدامهم في مستنقع هذه الإبادة. ومع مرور الزمن، بات الدفاع عنه عبئاً ثقيلاً؛ إذ لا يستطيع الساسة تجاهل إرادة ناخبيهم إلى الأبد. وهكذا بدأت بعض الدول، على استحياء، تسحب استثماراتها منه وتقيّد تدفّق السلاح إليه. وللمرة الأولى، وجدت اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (إيباك) نفسها في مرمى انتقاداتٍ متصاعدة، بعدما تكشّف للرأي العام ولو متأخراً حجم قبضتها على خيوط السياسة الأمريكية في منطقتنا، ودور المال في التأثير على قرارات النواب. غير أنّ هذه الضغوط، بدل أن تُضعفها، دفعتها إلى مزيدٍ من الشراسة، فاندفعت لتعزيز نفوذها داخل الكونغرس بوتيرةٍ أشد. في السادس عشر من الشهر الجاري، طرح السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، المعروف بموقفه المناهض لسياسات الكيان، مشروعين للتصويت داخل مجلس الشيوخ، يتصلان بصفقةٍ تشمل جرافاتٍ عسكريةً وقنابلَ ثقيلةً تُقدَّر قيمتها بنحو 450 مليون دولار. وشكّلت نتائج التصويت ضربةً قاسيةً لإيباك، كاشفةً عن تراجعٍ ملحوظ في نفوذها، ومؤكدةً أنّ الساسة الأمريكيين لم يعودوا بمنأى عن التحوّل في مزاج ناخبيهم. ووفقاً لتقريرٍ نشره موقع أكسيوس، ارتفع عدد الديمقراطيين الرافضين لصفقات السلاح إلى أربعين عضواً في الكونغرس، بعد أن كان خمسة عشر فقط قبل عام واحد. والأهم أنّ جميع الأسماء الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة عام 2028 اتخذت موقف الرفض، فيما ذهب بعضهم أبعد من ذلك برفض تمويلٍ إضافي لنظام القبة الحديدية. ويُعدّ ذلك مؤشراً بالغ الأهمية على أنّ ضغط الناخبين لوقف تمويل الكيان الصهيوني بدأ يُثمر فعلياً، رغم المساعي المستمرة لتسويق القبة الحديدية بوصفها منظومةً دفاعيةً بحتة. في المقابل، ظلّت معاقل الدعم الصهيوني على ثباتها، متمثّلةً في الجمهوريين الأكبر سنّاً من الإنجيليين البيض، الذين تحرّكهم تصوّراتٌ أيديولوجية ونبوءاتٌ آخر الزمان. ويبرز من بينهم وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيت، الذي ذهب إلى حدّ وصف المواجهة مع إيران بأنها حربٌ مقدّسة. ويمثّل هذا التحوّل ضد الكيان منعطفاً بالغ الخطورة، إذ يعكس انقلاباً في بنية التوازنات السياسية داخل الولايات المتحدة. فمنذ ستينيات القرن الماضي، تمتع الكيان بدعمٍ شبه مطلق من الكونغرس، الذي سوّقه باعتباره واحةً للسلام والديمقراطية في محيطٍ معادٍ. غير أنّ الستار قد انكشف اليوم، ولم يعد هذا الخطاب مقبولاً، فيما أخذت موجة الرفض لنفوذ اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (إيباك) تتصاعد إلى السطح. ولم يعد الخلاف مجرّد تباينٍ في الآراء، بل تحوّل إلى اعتراضٍ صريح على حضورها وتأثيرها في القرار السياسي الأمريكي. وبلغت الإبادة الجماعية حدّاً بالغ القسوة، ومع ذلك لم يتراجع الكيان الصهيوني أو يسعَ إلى ترميم صورته المتداعية عالمياً، بل اختار المضيّ في نهج التصعيد؛ فوسّع رقعة المواجهة إلى لبنان، حيث دمّر القرى واستهدف المدنيين، وجرّ الولايات المتحدة إلى حربٍ مع إيران تفتقر إلى أي تأييد شعبي يُذكر، في مشهدٍ يعكس اندفاعاً متواصلاً نحو مزيدٍ من العنف.



