اسماعيل الشريف : شطرنج
لا أؤمن بعلم النفس؛ أؤمن بالنقلات الجيدة. فكل ما يهم على رقعة الشطرنج هو النقلات الجيدة- بوبي فيشر، لاعب شطرنج عالمي. سقطت طائرة مروحية أمريكية، واتهمت الولايات المتحدة إيران بإسقاطها، في حين نفت إيران مسؤوليتها عن الحادث. وردّت الولايات المتحدة بقصف أهداف إيرانية، لتردّ إيران باستهداف دول عربية. وانتهت المواجهة عند هذا الحد، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة انتهاءها. تشير تصريحات دبلوماسية عديدة إلى أن عمليات عسكرية واسعة ضد إيران كانت قد استُكملت استعداداتها، ولم يكن يفصلها عن التنفيذ سوى قرار الرئيس ترامب. غير أن قوى إقليمية عدة، وفي مقدمتها الأردن والسعودية وقطر والإمارات، كانت تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة؛ فهذه الدول ترتبط مصالحها باستقرار المنطقة، وتدرك أن أي حرب شاملة لن تترك خلفها منتصرين بقدر ما ستخلّف دمارًا واسعًا يهدد دول الإقليم بأسره. وتشير تقارير استخباراتية صادرة عن مصادر دولية مختلفة إلى أن البرنامج النووي الإيراني قد بلغ مرحلة متقدمة، ولم يعد يفصله عن إنتاج القنبلة النووية الأولى سوى القرار السياسي. ومن هنا يمكن فهم التحول في مسار المفاوضات الإيرانية؛ إذ لم تعد طهران تضع برنامجها النووي في صدارة النقاش، بل باتت تركّز على ثلاثة ملفات رئيسية: أمن المضيق، وتعويضات الحرب، والإفراج عن الأصول المجمدة. وهي، على ما يبدو، لن تعود إلى التفاوض الجاد حول برنامجها النووي إلا بعد تحقيق تقدم ملموس في هذه الملفات. قد يراها البعض عبقرية سياسية، وقد يراها آخرون غباءً سياسيًا أو مقامرة خطرة، لكنها في النهاية تبقى استراتيجية محسوبة؛ فالنووي بات قاب قوسين أو أدنى، وإيران لن تفرّط به بسهولة. وكل يوم إضافي تكسبه في التفاوض يعني مزيدًا من التقدم في هذا الملف. وقد يفسّر ذلك سبب عدم استعجال إيران لإبرام صفقة، بخلاف الرئيس ترامب؛ فكل يوم يمرّ من دون تدخل عسكري، وكل جولة تنتهي من دون انهيار المفاوضات، يمثّلان بالنسبة إليها انتصارًا استراتيجيًا جديدًا، يقرّبها أكثر من عتبة التحول إلى دولة نووية. فعندما ترفض إيران الدخول بجدية في ملف تخصيب اليورانيوم، وتطالب أولًا بإحراز تقدم في ملفات أخرى، فإنها تحقق عدة أهداف في آن واحد: تُبقي مسار التفاوض قائمًا بما يحدّ من احتمالات العمل العسكري، وتفرض أولوياتها أساسًا لأي مفاوضات لاحقة، وتختبر مدى جدية الولايات المتحدة، والأهم أنها تواصل، في الوقت نفسه، تطوير قدراتها النووية. لذلك، نحن أمام عدة سيناريوهات؛ السيناريو الذي تخشاه إيران يتمثل في قبولها بقيود كبيرة على برنامجها النووي، مقابل تخفيف واسع للعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وتقديم ضمانات أمنية. أما السيناريو الذي تريده طهران، فهو اتفاق جزئي يحافظ على الوضع القائم لأشهر إضافية؛ فلا يحصل أحد على كل ما يريد، لكنه في المحصلة يصب في مصلحة إيران، بينما يتيح للولايات المتحدة أن تعلن نجاح مهمتها. لكن يبقى السيناريو الأخطر: انهيار المفاوضات، ونفاد صبر الرئيس ترامب، ثم اللجوء إلى عمل عسكري يبطئ البرنامج النووي الإيراني بصورة كبيرة. وهذا هو الخيار الذي تخشاه دول المنطقة ولا تريده، لما يحمله من تهديد مباشر لاستقرارها، وما قد يسببه من ارتفاع كبير في أسعار الطاقة. لذلك، نحن أمام لعبة شطرنج سياسية بكل تجلياتها بين طهران وواشنطن؛ لعبة شرقية الجذور، عبرت من الهند إلى فارس، وهناك اكتسبت كثيرًا من رموزها ودلالاتها. فلا مكان على هذه الرقعة للحركة العشوائية ولا للنزوة السياسية. فكل خطوة يُقدم عليها أحد الطرفين يجب أن تُحسب بميزان دقيق، لا بما تحققه في لحظتها فحسب، بل بما قد تستدعيه من رد مقابل، وما قد تفتحه من مسارات جديدة على رقعة إقليمية شديدة الحساسية.




