🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
429583 مقال 250 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2446 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

اسماعيل الشريف : حروب فاشلة

سياسة
أخبارنا
2026/05/31 - 00:44 501 مشاهدة

الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، والعمليات العسكرية التي لا تخدم أهدافاً سياسية قابلة للتحقيق ليست استراتيجيات، بل مجرد تمارين في التدمير- كلاوزفيتز، الجنرال والمفكر العسكري الألماني. فيما كان سكان دول المنطقة منهمكين في تبادل تهاني عيد الأضحى، وإحياء شعائر الأضاحي، والحجاج يتجلببون البياض في مشهد يتوهج بالخشوع والطهارة، أطلّ مجرم الحرب نتن ياهو على الكاميرات داعياً جيشه إلى تصعيد العمليات العسكرية ضد حزب الله بأقصى ما يمكن من قوة وزخم. وفي أعقاب ذلك، شنّ الكيان الصهيوني ما يزيد على سبعين غارة جوية طالت مواقع متعددة في لبنان، لتكون الأشد وطأةً منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في نيسان الماضي. وامتد نطاق العمليات ليشمل قطاع غزة؛ حيث أوقعت سلسلة من الضربات المكثفة ما يتجاوز أربعمائة شهيد منذ بدء سريان الهدنة في كانون الثاني الماضي. وفي السياق ذاته، تواصل إسرائيل توظيف ملف إبستين أداةً للضغط على الإدارة الأمريكية، بهدف تعطيل المسار الدبلوماسي مع إيران، ودفع المنطقة نحو مزيد من التوتر والاشتعال. في أدبيات الدراسات الاستراتيجية، يُعرف ما يمارسه الكيان اليوم بمفهوم «التمدد المفرط»، وهو الحالة التي تتخطى فيها الدولة السقف الحقيقي لإمكاناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في مسعاها نحو التوسع والمواجهة. وقد جرت سنة التاريخ ألا تُبقي على الدول التي سلكت هذا المسار، إذ كثيراً ما كان الإفراط في التمدد بوابةً للاستنزاف التدريجي، ثم الانهيار الذي لا يُبقي ولا يذر. دويلة مارقة صغيرة لا يتخطى عدد سكانها تسعة ملايين نسمة تخوض منذ ثلاثة أعوام حروباً متزامنة على جبهات متشعبة. ففي قطاع غزة، تمسك بزمام السيطرة على نحو 60 % من مساحته، وتواصل قتل واستنزاف سكانه يوماً بعد يوم، فيما أتت على معظم مقومات الحياة فيه، واغتالت كبار قيادات حركة حماس، وأحكمت تدمير أجزاء شاسعة من شبكة أنفاقها الاستراتيجية. ومع ذلك كله، وبالنظر إلى أي معيار عسكري أو استراتيجي موضوعي، يظل النصر الحاسم بعيد المنال. في سياق الصراعات غير المتكافئة، لا يُقاس النصر العسكري بمقدار الأراضي التي تُضمّ أو بعدد القيادات التي تُستهدف، بل بمدى بلوغ الأهداف السياسية التي أُشعلت الحرب من أجلها. والهدف الصهيوني المُعلن في غزة - تحويلها إلى منطقة «آمنة» خالية من التهديد - لا يزال بعيد المنال بكل المقاييس. فالسكان باتوا أعمق تجذراً في المقاومة، ويُفرز الدمار المتراكم أجيالاً جديدة من المقاتلين، فيما يجد الكيان نفسه أمام فراغ سياسي وأمني متكامل، دون أي رؤية واضحة أو قابلة للتطبيق لما سيكون عليه الوضع في اليوم التالي. فلا نتن ياهو، ولا المؤسسة العسكرية الصهيونية، ولا حتى الإدارة الأمريكية، تمتلك إجابة مقنعة عن السؤال الجوهري: من سيتولى إدارة غزة حين تضع الحرب أوزارها؟ أما على الجبهة اللبنانية، فقد نجح الكيان في التوغل الميداني، غير أن الأهداف الاستراتيجية ظلت بعيدة المنال. فقد وسّع نطاق عملياته البرية في جنوب لبنان متخطيا الحدود الأمنية المعلنة، ونفّذ ضربات شمال نهر الليطاني، وحشد خمس فرق عسكرية داخل الأراضي اللبنانية. والهدف المُعلن من كل ذلك هو إجبار حزب الله على الانسحاب إلى شمال الليطاني وتفكيك منظومته العسكرية، إلا أن هذا الهدف يبدو أقرب إلى المطمح غير الواقعي منه إلى الغاية القابلة للتحقيق. فالسوابق التاريخية، وتضاريس الجغرافيا اللبنانية، وطبيعة البنية العسكرية والتنظيمية لحزب الله، جميعها تشير إلى أن إنجاز ذلك بالأدوات العسكرية وحدها يكاد يكون ضرباً من المستحيل. وليست هذه المرة الأولى التي يجرّب فيها الصهاينة الاحتلال في جنوب لبنان؛ إذ مضت في ذلك ثمانية عشر عاماً متواصلة، من عام 1982 حتى عام 2000، فلم تُسفر تلك الحقبة المديدة عن إخضاع لبنان أو وأد المقاومة، بل كانت البيئة التي احتضنت نشأة حزب الله وتغذّت منها قوته وترسّخ حضوره العسكري والسياسي. والحزب في لبنان اليوم أعمق من أن يُختزل في تشكيل عسكري مجرد، فهو مكوّن متجذر في النسيج الاجتماعي اللبناني، يحظى بقاعدة شعبية واسعة وحضور سياسي واجتماعي راسخ، مما يجعل فرضية القضاء عليه بالقوة وهماً لا يقل حجماً عن سابقيه. وعلى الجبهة الإيرانية، استقبلت طهران الضربات دون أن تنكسر. وكانت التبعات الاستراتيجية بالغة الخطورة؛ فمن الانخراط الكامل لحزب الله في المواجهة، إلى إطلاق إيران مئات الصواريخ في إشارات تصعيدية طالت أجواء المنطقة، مروراً بارتفاع حاد في أسعار النفط وتعطّل الملاحة في الممرات المائية الحيوية، بدت المنطقة برمتها تدفع فاتورة باهظة لمغامرات لا تبدو نهايتها في الأفق. إن استهداف قيادة دولة والنيل من منشآتها النووية لا يُفضي إلى إطفاء جذوة الصراع، بل يُرسي أرضية خصبة لثأر دموي مديد. فإيران ستمضي العقد القادم، وربما الجيل بأكمله، ساعيةً إلى استعادة زمام الردع وتحصيل حقها من الانتقام. وقد تنجح الضربات العسكرية في تعطيل أجزاء من برنامجها النووي أو تأخير مساره لسنوات، غير أنها لن تبلغ حد تدمير دولة يناهز عدد سكانها تسعين مليون نسمة، تستند إلى هوية حضارية ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ منذ آلاف السنين. فالأمم ذات الإرث الحضاري الراسخ لا تُمحى بالغارات، ولا تنهار تحت وطأة القوة العسكرية مهما تصاعد زخمها وامتدت رقعتها. لا يمكن إنكار أن الصهاينة يحققون جملةً من الإنجازات التكتيكية الميدانية؛ إذ تمارس آلة الحرب الصهيونية القتل والدمار بقدرة نارية هائلة عبر مختلف الجبهات، بيد أنها تُخفق في الوقت ذاته على المستوى الاستراتيجي في بلوغ غاياتها الكبرى. ففي غزة، لا تملك القنابل قدرة على اجتثاث الأيديولوجيات، وفي لبنان يتعذر اقتلاع حزب الله من بيئته الاجتماعية والسياسية التي احتضنته وأمدّته بأسباب البقاء، وفي إيران يبقى إخضاع دولة حضارية كبرى بالقوة الجوية وحدها أمراً يعجز عن التحقق. ووسط هذا الركام من القتل والدمار، لم يُقدّم مجرم الحرب نتن ياهو تعريفاً واضحاً لصورة «الانتصار» التي يسعى إليها، ولا لموعد توقف الآلة العسكرية وإسكات أصوات المدافع. فلا تزال الإجابات غائبة عن شكل النهاية المنشودة، وعن المشهد الذي سيتشكّل في اليوم التالي لهذه الحروب المفتوحة على المجهول. وما لم تُجَب هذه الأسئلة الجوهرية، ستظل هذه الجبهات مشتعلة، في مشهد يبدو فيه الكيان كمن يحصد انتصارات ميدانية، بينما يستنزف في العمق رصيده الاستراتيجي والأخلاقي والسياسي. فقد يكسب المعارك، لكنه يخسر الحرب الطويلة الأمد وستتفاقم خسائره كلما تقدم الزمن.


مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free