اسماعيل الشريف : الخامنئي.. رجل من نار ورماد
النقد يجب أن يكون مُنصِفًا وعقلانيًّا ومسؤولًا - الخامنئي. قضى سبعةً وثلاثين عامًا في سُدّة الحكم؛ اعتبره ملايين من الناس شخصية مُقدّسة، في حين عدّه فريقٌ آخر قاتلاً. وفي الثامن والعشرين من شباط من العام الجاري، اغتاله الصهاينة والأمريكان في غارةٍ جوية مُدبَّرة. وتشير بعض الروايات إلى أنه كان يتوقع احتمالية تصفيته، غير أنه آثر المضيَّ قُدُمًا دون أن يختبئ. رحل الرجل، إلا أن السؤال لم يمُت معه: هل كان قاتلاً أم بطلاً؟ لا يَخفى على القارئ الكريم أن الحديث يدور هنا عن علي خامنئي. ثمة قادة يعجز التصنيف المبسَّط عن الإحاطة بهم؛ إذ جمع هذا الرجل بين كونه رمزًا راسخًا لدى محبيه، ومصدرَ خوفٍ ورهبةٍ لدى معارضيه. ولم يكن زعيمًا ثوريًا مفعمًا بالكاريزما على غرار تشي غيفارا أو فيدل كاسترو أو جمال عبد الناصر أو صدام حسين، بل كان شخصيةً أكثر تركيبًا وتعقيدًا؛ أرسى منظومةً أيديولوجيةً مُحكمة البُنيان، لا تُبدي أدنى تساهلٍ مع أي صوتٍ معارض أو مشككٍ في ثوابتها. على مدار سبعةٍ وثلاثين عامًا من حكمه لإيران، ظل خامنئي حاضرًا في صميم مشهدٍ سياسي تشكّلت ملامحه عبر عقودٍ متلاحقة. فقد انخرط في الحياة السياسية في مرحلةٍ بالغة الحساسية، بعد أن دبّرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية انقلابًا عام 1953 أطاح برئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق، إثر قراره تأميمَ الثروة النفطية الإيرانية ومواجهته للمصالح الغربية في المنطقة. وقد أُعيد الشاه إلى عرشه، لكن هذا الجرح لم يندمل في الوجدان الإيراني، بل ظل حاضرًا حتى في وعي كثيرٍ ممن عارضوا حكم رجال الدين لاحقًا. التقى بالخميني للمرة الأولى عام 1958، فوجد في أفكاره وفلسفته ضالّتَه، فاعتنقها بحماسٍ وإخلاص؛ من موقفٍ عدائي تجاه الغرب، إلى الدعوة إلى إحياء المذهب الشيعي ونشره، وصولًا إلى معارضة حكم الشاه. ومنذ عام 1963، خاض غمار الاحتجاجات المناهضة للحكومة، وذاق مرارة السجن في أكثر من مناسبة. في أعقاب ثورة عام 1979 التي أسّست للجمهورية الإسلامية الإيرانية، شقّ خامنئي طريقه نحو القمة بخطىً متسارعة. وقد أفلت من محاولة اغتيالٍ وقعت خلال توليه رئاسة الجمهورية، إلا أنها خلّفت أثرًا دائمًا؛ شللًا جزئيًّا في يده اليمنى. وحين وافت المنيّةُ الخمينيَّ عام 1989، آل منصب المرشد الأعلى إليه، وهو أرفع المناصب وأشدها نفوذًا في البنية السياسية الإيرانية. في نظر الملايين من مؤيديه، كان الرجلَ الذي جاهر بالرفض في وجه الهيمنة الأمريكية؛ فقد تحمّل وطأة العقوبات الاقتصادية، وخاض مواجهاتٍ مضنية مع الصهاينة، وانخرط في عمليات سيبرانية هجومية، وصبر على اغتيال كوادره العلمية والحصار المتواصل المفروض على بلاده. ورأى أنصاره في مجمل ذلك صورةً ناصعة للصمود والعزة، فأضحى في وجدانهم رمزًا للكرامة الوطنية التي لا تُساوم. بيد أن المشهد يبدو مغايرًا تمامًا من زوايا أخرى؛ فالمرأة الإيرانية التي نالت عقوبةً بسبب عدم التزامها بارتداء الحجاب لن تتردد في وصفه بالسفاح. والمواطن الإيراني المتدين سيصفه بالبطولة دون تحفظ. أما السوري الذي فقد ذويه في أتون الحرب الأهلية، فسيحمّله مسؤولية دعم نظام بشار الأسد الذي أجرم بحق شعبه، مشيرًا إلى أن الميليشيات المدعومة من طهران ارتكبت مجازر بشعة، وأسهمت في موجات التهجير القسري التي وصمت تلك الحقبة المأساوية. وعلى المنوال ذاته، يصفه كثيرٌ من السنة العراقيين بالخيانة، إذ يرونه قد مهّد الطريق للتدخل الأمريكي في العراق وإفساد استقراره. في المقابل، قد يرى فيه الشيعة العراقيون مرجعًا روحيًا وقائدًا يُحتذى. أما الفلسطينيون، فتتباين مواقفهم حياله؛ فبينما يُثمّن بعضهم دعمه للمقاومة، يرى آخرون أن هذا الدعم لم يكن سوى ورقة ضغطٍ يوظّفها لخدمة مشروعٍ توسعي فارسي، لا اكتراثًا حقيقيًا بالقضية الفلسطينية. وينسحب هذا الانقسام على المجتمع الأردني كذلك؛ فثمة من يعدّه حليفًا للحق الفلسطيني وصوتًا رافضًا للتمدد الصهيوني، في حين يصنّفه آخرون في خانة المجرمين، انطلاقًا من تضامنهم مع الضحايا السنة الذين طالتهم الفظائع، فضلًا عن اعتبارهم إياه المحرّك الفعلي للمشروع الإيراني الرامي إلى التمدد في المنطقة. وبينما يتحاشى فريقٌ الانحياز إلى أيٍّ من المحورين، الأمريكي الصهيوني والإيراني على حدٍّ سواء، معتقدًا أن هذا الصراع ليس في جوهره سوى تنافسٍ بين قوتين تتشابه مصالحهما وأساليبهما، يذهب فريقٌ آخر إلى أن النفوذ الإيراني يمثل خطرًا أشد فتكًا؛ إذ يتذرع بالإسلام شعارًا وغطاءً، على خلاف العدو الصهيوني الذي يجاهر بعدائه دون تلبيسٍ أو مواربة. ولا يختلف الحال في اليمن ولبنان؛ فثمة من يُحمّله المسؤولية المباشرة عن تفتيت هذين البلدين، وما يعانيه مواطنوهما من فقرٍ مدقع وانهيارٍ شامل وأزمات معيشية خانقة. في حين يرى فيه آخرون ظهيرًا لحلفائهم وسندًا لقضاياهم في مواجهة خصومهم الإقليميين. ومن منظوري، تحتوي كلتا الرؤيتين على قدرٍ وافر من الحقيقة؛ فالتدخل الغربي في الشأن الإيراني عام 1953 وقائعٌ موثقة لا تقبل الجدل، وكذلك الدعم للعراق طوال سنوات الحرب المديدة، وما أحدثته العقوبات الاقتصادية من إنهاكٍ ممنهج للاقتصاد الإيراني. وفي المقابل، فإن حملات القمع الممنهج في الداخل وقائعٌ لا تحتمل التأويل، وما خلّفه التدخل الإيراني في عددٍ من البلدان العربية من تمزيقٍ للنسيج الاجتماعي والسياسي حقيقةٌ ثابتة، فضلًا عن المجازر التي اقترفها الحليف السوري وتورطت فيها طهران بالدعم والتمكين. ولعل السؤال الأجدر بالطرح ليس ما إذا كان خامنئي بطلًا أم مجرمًا، بل: مَن الذي حمل عبء قراراته ودفع ثمنها؟ فالحقيقة أن شرائح واسعة جنت ثمار مشروعه؛ من رجال الدين إلى المنظّرين الأيديولوجيين، ومكونات ما بات يُعرف بمحور المقاومة، إلى جانب ملايين وجدوا في خطابه صدىً لما يختلج في نفوسهم من مشاعر. غير أنه في الوقت الذي رفع فيه راية التحدي للهيمنة الغربية، ظل الإيرانيون أسرى الفقر وشُح الفرص، بينما كانت الدماء تُسفك في سوريا، ويتصدع اليمن تحت وطأة الحرب، ويتهاوى لبنان إلى مزيدٍ من الانهيار والعجز. والواقع أن هذين المسارين لا يتعارضان، بل يتكاملان في منطقٍ متسق؛ إذ يغدو العدو الخارجي ذريعةً جاهزة لتبرير القمع الداخلي، فيما يتحول الحرص على استدامة «محور المقاومة» أو صون «الهلال الشيعي» إلى مسوّغٍ لسفك الدماء وتحطيم الدول. وعليه، فإن الإجابة عن سؤال البطولة والإجرام لا تنفصل عن الزاوية التي يُطرح منها؛ فما يراه فريقٌ ملحمةَ صمودٍ وكرامة، يراه فريقٌ آخر سجلًا حافلًا بالجرائم. وما يُعدّ عند قومٍ مقاومةً مشروعة، يُعدّ عند غيرهم خرابًا وتدميرًا منهجيًا. وربما تكمن في ذلك أقسى حقيقةٍ تكشفها سيرة الشخصيات التي تترعرع على تخوم الدم والصراع: أنها لا تُقاس بمسطرةٍ واحدة، بل بحجم الأثر الذي تركته في حياة البشر، وبالثمن الذي اضطر كل طرفٍ إلى أدائه جراء خياراتها ومساراتها. ــ الدستور

