اسماعيل الشريف : الاتفاقيات الإبراهيمية من جديد
القضية الفلسطينية ستبقى القضية المركزية، ولا سلام ولا استقرار في الشرق الأوسط من دون حلها العادل- عبد الله الثاني ابن الحسين. أثناء ولاية الرئيس ترامب الأولى، وفي واشنطن، في الخامس عشر من أيلول عام 2020، وُقّعت مجموعة من الاتفاقيات التي هندستها الولايات المتحدة بين الكيان الصهيوني وعدد من الدول العربية والإسلامية، وأُطلق عليها اسم الاتفاقيات الإبراهيمية. جاءت التسمية نسبةً إلى النبي إبراهيم عليه السلام، في إيحاءٍ بأن ما يجمع هذه الدول أكبر مما يفرّقها. وقد جادل عرّابا الاتفاق، جاريد كوشنر وآفي بيركوفيتز، بأن الفكرة القديمة القائمة على معادلة السلام مقابل التطبيع قد تغيّرت، وطرحا بدلًا منها مقاربة جديدة تزعم أن التطبيع سيقود لاحقًا إلى قيام دولة فلسطينية. كانت حجتهما، ببساطة: طبّعوا أولًا، ثم استخدموا هذا النفوذ لاحقًا لدفع القضية الفلسطينية إلى الأمام من موقع قوة. كان من بين أهداف هذه الاتفاقيات بناء حلف سنّي يقوده الصهاينة في مواجهة المحور الشيعي. غير أن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا؛ إذ ازداد المحور الشيعي تقاربًا وتماسكًا، بل واتسع نفوذه، في حين فشل مشروع بناء ذلك التحالف السنّي. وكان من أبرز نتائج هذه الاتفاقيات تراجع القضية الفلسطينية، إلى جانب إخفاق الرهان على إنشاء محور سنّي مضاد. وقد وصفها الرئيس محمود عباس آنذاك بأنها «طعنة في الظهر». واليوم، في خضمّ مفاوضات الولايات المتحدة وإيران بشأن وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، رفع الرئيس ترامب سماعة الهاتف وتحدّث مع عدد من قادة المنطقة، مطالبًا إياهم بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، بل جاعلًا من ذلك شرطًا لإنهاء الحرب مع إيران. هذه المرّة جاءت ردود الفعل سريعة؛ فقد سارعت السعودية الشقيقة وباكستان إلى إعلان الرفض، فيما آثر آخرون الصمت. فقد أدركت دول المنطقة أن المستفيد الأكبر من هذه الاتفاقيات هو الكيان الصهيوني. كما حصل الرئيس ترامب على انتصار كبير في السياسة الخارجية، فيما عزّزت الولايات المتحدة موقعها في المنطقة وسط تصاعد نفوذ الصين وروسيا فيها. ويبدو أن دول المنطقة قد تعلّمت الدرس؛ فالاتفاقيات الإبراهيمية لم تحقّق شيئًا للقضية الفلسطينية، بل كانت سببًا رئيسًا في تراجعها، وأحد العوامل التي قادت إلى طوفان الأقصى، وفق تصريحات الشهيد يحيى السنوار، الذي أشار في أكثر من مناسبة إلى هذه الاتفاقيات بوصفها أحد دوافع الطوفان. تعي دول المنطقة أن التوقيت ليس مصادفة؛ فالرئيس ترامب يستخدم هذه الورقة أداةً للمساومة، أو يحاول تسويقها بوصفها انتصارًا يخرجه من ورطته في إيران. كما تدرك أن الولايات المتحدة تفقد شيئًا من نفوذها في المنطقة، وأنه بات من الصعب، أخلاقيًا وسياسيًا، أن تضع هذه الدول أيديها في يد مجرم حرب ارتكب إبادة جماعية في غزة. من وجهة نظر الرئيس ترامب، فإن إيران وحلفاءها قد تعرّضوا لضربات موجعة، ولن يشكّلوا أي تهديد قريب المدى لدول المنطقة. كما يرى أن هناك دولًا مزّقتها الحروب الأهلية يمكن أن تستفيد اقتصاديًا من هذه الاتفاقيات، وأنه قادر على تحقيق ذلك عبر سياسة الضغط الأقصى. لم تكن الاتفاقيات الإبراهيمية، ولن تكون يومًا، سببًا للسلام في المنطقة، بل كانت واحدًا من أهم الأسباب التي مهّدت لما جرى لاحقًا. فلا سلام حقيقيًا يمكن أن يتحقق في المنطقة ما لم يُطرح حل عادل يرضى به الفلسطينيون، ويستجيب لحقوقهم وتطلعاتهم.

