إسلام آباد.... حيث اهتزّت قواعد اللعبة الدولية
المحامي خالد عجاج
في السياسة الدولية لا تقاس التحولات الكبرى بصخب الأحداث بقدر ما تقاس بقدرتها على كسر المسلمات التي حكمت العالم لعقود. ما يبدو أحياناً مجرد تعثر تفاوضي أو تصعيد عابر، يخفي في عمقه إعادة تشكل بطيئة لموازين القوة وأدواتها. من هنا لا يمكن قراءة ما جرى في إسلام آباد بوصفه حدثاً منفصلاً، بل كمدخل لفهم سياق أوسع يتآكل فيه نموذج الهيمنة التقليدية، وتبرز فيه أنماط جديدة من الصراع والتأثير تفرض إعادة التفكير في طبيعة النظام الدولي وحدود القدرة على التحكم بمساراته.
ضمن هذا السياق يكتسب ما يجري في إسلام آباد دلالته الحقيقية. فهو لا يُختزل في فشل جولة مفاوضات أو تعثر مسار دبلوماسي، بل يكشف عن تصدع بنيوي في نموذج الهيمنة ذاته. ما حدث خلال ساعات لم يكن معزولاً بل شكّل تكثيفاً لمسار طويل من التآكل في قدرة الولايات المتحدة على فرض شروطها كما اعتادت منذ نهاية الحرب الباردة. تآكل بات واضحاً وإن لم يبلغ بعد لحظة الانهيار الكامل، ما يجعل المرحلة الراهنة أكثر دقة وتعقيداً.
التحول الأبرز لا يكمن فقط في موازين القوى، بل في طبيعة القوة نفسها. بحيث لم تعد القوة العسكرية التقليدية، مهما بلغ حجم إنفاقها، قادرة على حسم المعادلات كما في السابق. إذ باتت الفجوة بين الكلفة والفعالية عاملاً حاسماً، حيث يمكن لأدوات منخفضة الكلفة أن تربك منظومات باهظة التعقيد. هذا لا يعني زوال التفوق العسكري الأميركي، بل تراجع قدرته على ترجمة هذا التفوق إلى نتائج سياسية حاسمة، وهو جوهر المأزق الحالي.
في موازاة ذلك عادت الجغرافيا لتتحول من مجرد مسرح للصراع إلى أداة فيه. لم يعد التحكم بالممرات الحيوية قائماً على الإغلاق الكامل، بل على إدارة انتقائية للمسارات، تسمح بممارسة ضغط اقتصادي وسياسي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذه الحالة الرمادية تخلق قدراً عالياً من اللايقين، ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية، من أسعار الطاقة إلى تكاليف النقل ومسارات التجارة. ومن هنا تتجلى مفارقة لافتة؛ التهدئة قد تبدو قائمة سياسياً ولكنها غائبة فعلياً في سلوك الاقتصاد.
حتى مكان التفاوض لم يعد تفصيلاً ثانوياً، انتقال طاولة التفاوض إلى فضاءات خارج المدار التقليدي للنفوذ الأميركي يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. لم تعد واشنطن تحتكر الإطار الذي تدار ضمنه الأزمات، ما يحدّ من قدرتها على التحكم بمساراتها ونتائجها.
الأعمق من ذلك هو التباين في الرؤية بين الأطراف، لم يعد الخلاف حول بنود اتفاق أو آليات تنفيذ، بل حول تعريف النظام نفسه؛ طرف يسعى إلى استعادة توازن سابق وآخر يعمل على إعادة صياغته. في مثل هذا المشهد يصبح الفشل نتيجة طبيعية لأن التفاوض يجري بين تصورين لعالمين مختلفين.
المأزق الأميركي لا يتشكل في الخارج فقط، بل يتغذى من الداخل أيضاً؛ تراجع الدعم الشعبي، الضغوط الاقتصادية، والتحديات المرتبطة بالقدرة الصناعية، كلها عوامل تقلص هامش الحركة. دولة اعتادت إدارة صراعات ممتدة بكلفة داخلية محدودة تجد نفسها اليوم أكثر حساسية لأي استنزاف طويل.
في المقابل تحقق القوى الصاعدة مكاسب لا تُقاس فقط بالميدان العسكري، بل بإعادة تشكيل شبكات الاقتصاد والتجارة، والالتفاف على العقوبات، تنويع الشركات، وتوسيع استخدام عملات بديلة، كلها خطوات تُضعِف تدريجياً أدوات الضغط التقليدية. قد تبدو هذه التحولات بطيئة ولكنها تراكمية، ما يجعل التراجع عنها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ما نشهده اليوم ليس انهياراً مفاجئاً لنظام قائم، بل انتقالاً تدريجياً نحو نظام أكثر تعددية، نظام قد لا يكون أكثر استقراراً، بل أكثر هشاشة لأن قواعده لم تستقر بعد.
في المحصلة لم يسقط اتفاق بقدر ما تراجعت فرضية أن القوة الصلبة وحدها تكفي لإدارة عالم متغير. ما يتشكل هو واقع جديد تتداخل فيه أدوات التأثير، وتفقد فيه أي قوة منفردة قدرتها على التحكم الكامل، إنها بداية تآكل طويل لنظام قديم، لا نهايته الفورية، لكن خطورته تكمن في أن المراحل الانتقالية في التاريخ هي دائماً الأكثر قابلية للمفاجآت.





