إصلاح ضريبي جديد في سوريا.. هل يخفف العبء المعيشي فعلاً؟
تابع المقالة إصلاح ضريبي جديد في سوريا.. هل يخفف العبء المعيشي فعلاً؟ على الحل نت.
في ظل المشهد الاقتصادي المتأزم الذي تعيشه سوريا، تبرز التحولات الأخيرة في السياسة الضريبية كواحدة من أكثر الملفات جدلاً بين الرؤية الرسمية التي تسوقها وزارة المالية وبين الواقع المعيشي الذي يطحن الفئات الهشة والمتوسطة على حد سواء.
وفي خطوة وصفتها وزارة المالية السورية بأنها تأتي في سياق تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية عن حزمة إصلاحات ضريبية واسعة تشمل إعفاءات كبرى للدخول المحدودة والمتوسطة، إلى جانب استبدال “رسم الإنفاق الاستهلاكي” بـ “ضريبة المبيعات”، في محاولة لإعادة هيكلة النظام الضريبي الذي ظل لعقود معقداً ومثقلًا بالاستثناءات.
موازنة عامة متصاعدة وضغط معيشي متزايد
تأتي هذه الإجراءات تزامناً مع قفزة في تقديرات الموازنة العامة لعام 2026، الأمر الذي أثار تساؤلات جوهرية حول مدى انعكاسها الفعلي على معيشة السوريين، الذين يعيش غالبيتهم تحت خط الفقر، وحول قدرتها على تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية واستدامة المالية العامة.
بحسب تقديرات “الأمم المتحدة” حتى عام 2025 فإن نحو 90 بالمئة من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، مع اعتماد حوالي 16 مليون شخص على المساعدات الإنسانية.

وقد أوضح برنية، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية “سانا”، أن المقترح الحكومي ينص على إعفاء كل مواطن أو موظف يقل دخله السنوي عن 50 مليون ليرة سورية قديمة من ضريبة الدخل، على أن يضاف إلى هذا الإعفاء مبلغ 6 ملايين ليرة بدل إعالة، و8 ملايين ليرة بدل معيشة تشمل الإيجار والطبابة، ليصل إجمالي الدخل السنوي المعفى إلى 64 مليون ليرة قديمة.
وأكد أن هذه الشريحة من محدودي الدخل ستكون “معفاة إعفاءً كاملاً”، مشيراً إلى أن معظم العاملين والموظفين في الدولة يندرجون ضمن هذه الفئة، في إطار سعي الحكومة لتقليل العبء الضريبي في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
إصلاح مزدوج بين العدالة ودعم الأعمال
بينما تتجه الحكومة الانتقالية السورية لخفض الضريبة على أرباح الشركات من 28 بالمئة إلى أقل من 15بالمئة وتقديم حوافز للقطاع الصناعي، شدد برنية على أن الإصلاح يقوم على ركيزتين أساسيتين هما العدالة الاجتماعية عبر دعم محدودي الدخل، وتعزيز التنمية الاقتصادية من خلال دعم قطاع الأعمال.
في السياق نفسه، كشف برنية عن توجه الحكومة لإلغاء “رسم الإنفاق الاستهلاكي المعقد والمطبق منذ أكثر من 35 عاماً، واستبداله بـ “ضريبة مبيعات” بنسبة 5 بالمئة، على أن يكون هذا الإجراء تمهيداً للانتقال إلى نظام ضريبة القيمة المضافة (VAT) لاحقاً، كما أعلن عن إعفاء نحو 9300 سلعة وخدمة أساسية من هذه الضريبة، بما في ذلك الغذاء والدواء، بهدف حماية الاستهلاك الأساسي للأسر السورية.
وبينما اعتبر وزير المالية هذه الخطوة تبسيطاً للإجراءات وتحقيقاً للعدالة الضريبية، رأى خبراء أن الضرائب غير المباشرة، مهما تغيرت مسمياتها، تظل ذات أثر تنازلي يثقل كاهل محدودي الدخل في ظل غياب تمييز حقيقي بين الشرائح الاجتماعية.
وقوبل هذا الإعلان الرسمي بقراءات متباينة من قبل خبراء الاقتصاد، الذين ركزوا على الفجوة الواسعة بين النصوص التشريعية والواقع المعيشي المتردي.
تآكل القوة الشرائية وضغوط إضافية
من جهته أكد الخبير الاقتصادي يونس الكريم، في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن تحديد حد الإعفاء عند 64 مليون ليرة سنوياً، أي ما يعادل حوالي 5.3 مليون ليرة شهرياً، لا يعكس الفجوة الكبيرة بين الدخل الاسمي والدخل الحقيقي في ظل التدهور المستمر للقوة الشرائية.

وأشار إلى أن هذا المبلغ لا يتناسب مع الحد الأدنى الفعلي لتكاليف المعيشة، حيث أظهر “مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة” أن الحد الأدنى لمعيشة أسرة سورية من خمسة أفراد بلغ في نهاية آذار/ مارس 2026 حوالي 7,816,764 ليرة شهرياً، بينما بلغ وسطي التكاليف نحو 12.5 مليون ليرة، ما يعني أن شريحة واسعة من محدودي الدخل ستبقى ضمن دائرة التكليف الضريبي رغم هشاشة أوضاعها، أو أن دخولها لا تغطي حتى أساسيات الحياة.
وحذر من أن التعويل على الإعفاءات الضريبية كوسيلة لخفض الأسعار يفتقر إلى الواقعية في ظل استمرار تقلبات سعر الصرف وغياب بيئة إنتاجية مستقرة، ففي الوقت الذي يتراوح فيه سعر صرف الدولار في السوق الموازية بين 12,960 و13,000 ليرة سورية قديمة، تفقد العملة المحلية قيمتها بسرعة، مما يعني أن أي تخفيف ضريبي قد لا ينعكس فعلياً على المستهلك، بل قد يُمتص ضمن هوامش الربح أو يتآكل بفعل التضخم.
عبء مالي تدريجي
أشار الكريم إلى أن هذه الإجراءات تتزامن مع تقليص الدعم الحكومي وتسريع وتيرة خصخصة قطاعات حيوية، ما ينقل العبء المالي تدريجياً إلى الأفراد ويرفع الكلفة الاجتماعية للإصلاحات في ظل غياب شبكات أمان فعالة.
على صعيد الاستدامة المالية، تطرح هذه الإصلاحات معضلة حقيقية، ففي الوقت الذي تتوسع فيه الإعفاءات الضريبية، تتوقع الحكومة قفزة هائلة في الإيرادات العامة لعام 2026 لتصل إلى 8.716 مليار دولار، أي بزيادة 149بالمئة عن العام السابق، مدفوعة بإيرادات النفط والغاز التي تشكل 28 بالمئة من الإجمالي.
كما تشير التقديرات إلى تحقيق فائض مالي فعلي للمرة الأولى منذ 35 عاماً، حيث بلغ الفائض في عام 2025 نحو 46 مليون دولار.
المستثمر بين الحوافز والمخاطر
فيما أكد الخبير الاقتصادي جورج خزام أن أي تخفيضات ضريبية أو مالية تقرها وزارة المالية يمكن أن تسهم نظرياً في خفض تكاليف الإنتاج المحلي، بما ينعكس على تعزيز قدرة السلع الوطنية على المنافسة أمام المستوردات، غير أن هذا الأثر يبقى، برأيه، محدوداً في السياق السوري الحالي، حيث ما تزال كلفة الإنتاج المحلي أعلى بكثير من نظيرتها في دول المنشأ للسلع المستوردة، ما يجعل فجوة المنافسة قائمة حتى مع أي تخفيضات ضريبية.

وأوضح خزام في منشور له عبر منصة “فيسبوك” أن الاعتماد على هذه التخفيضات وحدها لن يكون كافياً لإعادة التوازن إلى السوق أو حماية الصناعة المحلية، في ظل استمرار تدفق المستوردات منخفضة الكلفة عبر رسوم جمركية متدنية، مشيراً إلى أن هذا الواقع يضعف المنتج الوطني ويحد من قدرته على التوسع أو الاستمرار.
وأضاف أن أي تراجع في الإيرادات الضريبية الناتج عن هذه السياسات سيشكل عبئاً إضافياً على الخزينة العامة التي تعاني أساساً من نقص حاد في الموارد، ما يستدعي، وفق تقديره، إعادة النظر في بنية الرسوم الجمركية بما يضمن تحقيق توازن بين دعم الإنتاج المحلي وحماية المالية العامة.
خيار أكثر فاعلية
رأى خزام أن رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة البديلة عن المنتج الوطني يمثل خياراً أكثر فاعلية لتعزيز الطلب على الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج، بما ينعكس إيجاباً على تشغيل المصانع والورشات، وخلق فرص عمل جديدة، والحد من تراجع الدورة الاقتصادية الداخلية. واعتبر أن هذا التوجه يمكن أن يحقق نتائج أسرع وأكثر استدامة في دعم الاقتصاد الوطني.
في سياق متصل، انتقد خزام ما وصفه بـ”الطرح الخاطئ” القائل إن فتح باب الاستيراد يهدف إلى خلق صناعة محلية أكثر قوة، معتبراً أن هذا التصور أدى عملياً إلى إضعاف القاعدة الإنتاجية، وإغلاق العديد من المنشآت الصناعية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إضافة إلى الضغط المستمر على سعر صرف العملة المحلية.
وشدد على أن حماية الإنتاج الوطني تتطلب سياسات جمركية ومالية متكاملة، لا تكتفي بتخفيض الأعباء الضريبية، بل تعيد ضبط التوازن بين الداخل والمستورد بما يضمن استقرار الاقتصاد وتعافي سوق العمل.
ما بين المنظومة القديمة والجديدة
يشار إلى أن في نهاية العهد البائد للرئيس المخلوع بشار الأسد، كان النظام الضريبي في سوريا يقوم أساساً على قانون ضريبة الدخل رقم 24 لعام 2003، ضمن نموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي” الذي خفّض نسب الضرائب نسبياً مقارنة بالمرحلة السابقة، مع شرائح دخل للأفراد تتراوح تقريباً بين 5 و22 بالمئة، ونحو 10بالمئة إلى 28 بالمئة للأعمال، إضافة إلى معدل وسطي يقارب 22 بالمئة على الشركات، مع إعفاءات قطاعية محدودة، خصوصاً في الصناعة.

لكن مع اندلاع الحرب في عام 2011 وتفاقم الانكماش الاقتصادي، تراجع جوهر النظام الضريبي فعلياً نتيجة تقلص القاعدة الإنتاجية، وانكماش الاقتصاد الرسمي، واتساع الاقتصاد غير المنظم، ما دفع الدولة تدريجياً إلى الاعتماد أكثر على الضرائب غير المباشرة والرسوم الجمركية والجبايات الإدارية لتعويض ضعف الإيرادات المباشرة، في ظل تضخم حاد وانهيار في القوة الشرائية.
وأصبحت الجباية الضريبية مرتبطة بقدرة الاقتصاد الفعلية على الإنتاج والدخل الحقيقي، ما خلق فجوة واسعة بين الدخل الاسمي والقدرة الضريبية الفعلية، وأدى إلى ضغط أكبر على الموظفين والقطاعات النظامية مقارنة ببقية الاقتصاد غير المنظم.
تحدٍ أساسي
أما في النظام الجديد الذي أعلنته وزارة المالية مؤخراً، فيبدو التوجه مختلفاً من حيث الأدوات، حيث يجري الانتقال نحو توسيع الإعفاءات الضريبية للأفراد ذوي الدخل المحدود والمتوسط، ورفع سقف الإعفاء إلى نحو 64 مليون ليرة سنوياً، بالتوازي مع إلغاء “رسم الإنفاق الاستهلاكي” واستبداله بـ”ضريبة مبيعات”، وإعفاء آلاف السلع الأساسية من الضرائب، كما يترافق ذلك مع تخفيضات على ضرائب الشركات ومحاولات لتحفيز الاستثمار.
ورغم هذا التحول في شكل النظام الضريبي، يظل التحدي الأساسي مشتركاً بين المرحلتين، وهو ضعف البيئة الإنتاجية وتآكل القوة الشرائية، فإذا كان النظام السابق يعتمد أكثر على الجباية في ظل اقتصاد منهك، فإن النظام الجديد يحاول تخفيف العبء الضريبي وإعادة هيكلة الأدوات، دون أن تتضح بعد قدرته على تحويل هذه التعديلات إلى تحسن فعلي في الدخل والمعيشة أو في استقرار الإيرادات العامة، ما يجعل الفارق بين النظامين أقرب إلى تغيير في الآليات أكثر منه تحولاً جذرياً في النتائج الاقتصادية.
- إصلاح ضريبي جديد في سوريا.. هل يخفف العبء المعيشي فعلاً؟
- دعوات لاعتصام مفتوح في الرقة احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية
- بيراميدز يدخل قمة الزمالك بنصف القوة.. وإدارة التحكيم تحت ضغط القرار
- تقرير حقوقي يوثّق اعتداءات على اعتصام “قانون وكرامة” في دمشق
- الجيش الملكي يعود لنهائي إفريقيا بعد 41 عاماً… والبطولة الاحترافية تستعد لجولة مفصلية
تابع المقالة إصلاح ضريبي جديد في سوريا.. هل يخفف العبء المعيشي فعلاً؟ على الحل نت.





