إصلاح المنظومة الصحية يدخل إلى "منعطف حاسم" بقيادة كفاءات عسكرية
إشارات قوية حملها المجلس الوزاري الأخير، برئاسة الملك محمد السادس، عقب تعيين طبيب عسكري برتبة جنرال على رأس المجموعة الترابية الصحية بسوس ماسة، في خطوة تعكس إرادة حازمة لتسريع وتيرة الإصلاح وتعزيز حكامة المنظومة الصحية، في سياق التحولات العميقة التي يشهدها القطاع بالمغرب.
يأتي هذا التعيين الملكي الجديد، عقب تعيين سابق للكولونيل ماجور كمال الدغمي مديرًا للوكالة المغربية للدم ومشتقاته، ليؤكد هذا التوجه الاستراتيجي الذي يراهن على الكفاءة والانضباط في تدبير الأوراش الكبرى، حاملا في طياته دلالات عميقة، من أبرزها إسناد المسؤوليات الاستراتيجية إلى “بروفايلات” متمرسة، قادرة على مواجهة التحديات البنيوية التي طالما أعاقت إصلاح القطاع، وتوجها نحو الاستفادة من الخبرات المتراكمة في المجال العسكري، خاصة فيما يتعلق بتدبير الأزمات والعمليات المعقدة، بما يضمن نجاعة أكبر في تنزيل السياسات الصحية العمومية.
تجاوز الفوارق
يرى الدكتور أحمد درداري، أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بجامعة عبد الملك السعدي رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات، أنه انطلاقا من الأدوار الاجتماعية للدولة، وتفاعلا مع الأزمات التي تعرفها مجالات مختلفة، سواء الأزمات الدولية أو الأزمات الطبيعية أو الأزمات المرتبطة بسوء تدبير السياسات العمومية الصحية، فإن هذه التعيينات العسكرية في مجال الصحة المدنية تندرج ضمن مواصلة تنزيل ورش إصلاح المنظومة الصحية، الرامي إلى تعزيز الحكامة الجهوية وتطوير أداء المؤسسات الصحية، بما يساهم في تحسين جودة الخدمات الصحية وتقريبها من المواطنات والمواطنين بمختلف جهات المملكة.
وأضاف درداري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن تعيين الملك محمد السادس مسؤولا طبيا عسكريا برتبة جنرال، طبقًا للفصل 49 من الدستور، على رأس المجموعة الصحية الترابية بجهة سوس-ماسة، “هو قرار مولوي يعكس توجها نحو تعزيز الحكامة والانضباط داخل القطاع الصحي، وهي رسالة قوية تتوخى اعتماد الكفاءة والصرامة في تدبير القطاع الصحي، والاستجابة السريعة لاحتياجات المواطنين الصحية”.
وتهدف هذه الخطوة، بحسب المصدر ذاته، إلى “تقريب السرعتين وتجاوز الفوارق المجالية والاجتماعية في المجال الصحي، وذلك بالدفع نحو تعزيز الحكامة الصحية وتكريس الانضباط داخل القطاع الصحي صونًا لكرامة المواطن”.
وأكد المحلل السياسي والقانوني أن التعيينات العسكرية في المجال الصحي المدني تأتي ضمن خطة إعادة تأهيل العنصر البشري الصحي وتقوية الخدمات والرعاية الصحية باعتبارها أولوية اجتماعية، لكون القطاع الصحي أساس التنمية، ويتطلب تنظيما عاليا ومشرفا ومستجيبا لاحتياجات المواطنين.
وذكر أن من دلالات التعيينات الجديدة أنها تأتي ضمن تقوية السيادة الصحية التي تعتبر من بين عوامل تقوية حضور الدولة في مؤشرات التنمية البشرية، مبرزا في هذا السياق أن المواطن المغربي، على امتداد التراب الوطني، لا يزال يواجه تفاوتا ملحوظا في الولوج إلى الخدمات الصحية، وهو ما يعمّق من معاناته اليومية.
وشدّد المتحدث لهسبريس على أن تعقّد المساطر الإدارية وتعدد الإجراءات يزيدان من حدة هذا العبء، إلى جانب الارتفاع الملحوظ في تكاليف العلاج، ناهيك عن الاختلالات المرتبطة بجودة الخدمات الصحية. كما أن حالات الإهمال الصحي التي يتعرض لها بعض المواطنين تعكس، في جزء منها، محدودية الوعي أو ضعف تفعيل الحقوق الصحية الأساسية في بعدها المدني.
وشرح أن هذه التحديات الداخلية تتقاطع مع سياق دولي مقلق، تنذر مؤشراته بإمكانية بروز أزمة عالمية ذات تداعيات اقتصادية واجتماعية ومالية جسيمة، ما يفرض مزيدا من اليقظة والاستباقية.
واختتم أحمد درداري تصريحه بالتأكيد على أن التوجهات الحالية تندرج ضمن منطق استشراف الأزمات واتخاذ الاحتياطات اللازمة، انسجاما مع التوجيهات الملكية التي تعكس حرصا متواصلا على تعزيز السياسات الاجتماعية وصون حقوق المواطنين، وهو ما يجعل من هذه التدابير الصحية رافعة أساسية لترسيخ رؤية المملكة نحو مغرب صاعد، قوامه العدالة الصحية والنجاعة في الأداء.
الواجب والصالح العام
اعتبر رشيد أمازوز، الكاتب الجهوي للنقابة الوطنية للصحة العمومية (ف.د.ش) بجهة سوس ماسة نائب الكاتب الوطني، أن تعيين الجنرال طارق الحارثي مديرا عاما للمجموعة الصحية الترابية بجهة سوس-ماسة، “خطوة ذات حمولة مؤسساتية ودلالات متعددة، تعكس المكانة التي أضحى يحتلها إصلاح المنظومة الصحية ضمن الأوراش الاستراتيجية الكبرى لبلادنا تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس”.
وقال الفاعل النقابي ذاته، في تصريح لهسبريس، إن هذا التعيين لا يُقرأ فقط من زاوية تغيير في المسؤولية، وإنما باعتباره “رسالة قوية مفادها أن تدبير الشأن الصحي الجهوي دخل مرحلة جديدة تتطلب كفاءات عالية في التنظيم والقيادة والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة”.
وشدّد نائب الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للصحة العمومية على أن المسار العسكري للجنرال طارق الحارثي يمنحه رمزية قوية قائمة على الانضباط والنجاعة وحسن التدبير، غير أن تجربته على رأس المستشفى العسكري بأكادير تضفي على هذا التعيين بعدا عمليا يجسد الرهان على الكفاءة والخبرة الميدانية والنزاهة في إدارة مؤسسة صحية ذات حساسية خاصة.
وأضاف أن “ما يجسده الرجل من امتداد لقيم وطنية راسخة يمنح هذا التعيين حمولة معنوية ووطنية، تعزز استمرارية ثقافة الواجب وخدمة الصالح العام، ولكن هذه المرة في جبهة لا تقل أهمية، هي جبهة الصحة العمومية، بما يضمن صون كرامة المواطن وتعزيز حقه في الولوج العادل إلى العلاج”.
وأشار أمازوز إلى أن هذا التعيين يأتي في لحظة مفصلية ترتبط بتنزيل ورش المجموعات الصحية الترابية، باعتباره إصلاحا هيكليا عميقا يروم إعادة بناء العرض الصحي على أسس جديدة، قوامها التناسق بين مستويات العلاج، وتجويد الحكامة، وتحسين استثمار الموارد البشرية والتجهيزات، وتقليص الفوارق المجالية، وتثبيت مكانة المهنيين داخل منظومة أكثر وضوحا وإنصافا.
ومن هذا المنطلق، أكد المتحدث أن نجاح هذه التجربة لن يكون رهينا فقط بالكفاءة التدبيرية، ولكن بمدى القدرة على إرساء تدبير تشاركي حقيقي، يستحضر خبرة الأطر الصحية، ويحترم مكتسباتها، ويؤمن بأن الإصلاح الصحي لا يمكن أن ينجح إلا بالحوار الاجتماعي المسؤول وبالإنصات الجاد لانتظارات العاملين والمرتفقين على حد سواء.
The post إصلاح المنظومة الصحية يدخل إلى "منعطف حاسم" بقيادة كفاءات عسكرية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





