لكن سيطرة العثمانيين لم تكن فقط في البحر المتوسط القريب من أوروبا، بل تجلت أيضا في سيطرة محكمة على الممرات المائية الحيوية، حيث شكلت مضائق البوسفور والدردنيل وبحر مرمرة شريان الحياة الرابط بين البحر الأسود والبحر المتوسط. وامتد هذا النفوذ ليشمل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وصولا إلى مياه الخليج العربي، مما منح الدولة العثمانية القدرة على توجيه مسارات التجارة العالمية بين الشرق والغرب، والتحكم في تدفق البضائع عبر هذه المنافذ الاستراتيجية لقرون مديدة، بجانب مهمة حماية طرق الحج التي آلت الى العثمانيين بعد سقوط دولة المماليك، وهذه الطرق هددها البرتغاليون أكثر من مرة.

البرتغاليون في الشرق
كان اكتشاف فاسكو دي غاما طريق رأس الرجاء الصالح هو الحدث الذي وضع أقدام البرتغاليين في الشرق، وإن كان هذا الطريق معروفا من قبل لدى البحارة العرب، لكن لعدم حاجتهم إليه ظل غير مقصود، إلى أن ساعد البحار العربي ابن ماجد، فاسكو دي غاما، وأمده بالخرائط التي وضعها المسلمون منذ زمن الفتوحات لهذا الطريق، الذي باكتشافه انتقلت طرق التجارة إليه بعدما كانت تمر بمصر، مما أضعف الدولة المملوكية، وساهم مع هجمات العثمانيين عليها في انتهائها.
يؤكد الباحث محمود كوريا في كتابه "الحج وأوروبا في عصر الإمبراطورية"، أن دي غاما كانت له مآرب أخرى من اكتشاف هذا الطريق، وربما هذا ما يفسر ارتكابه العديد من الفظائع التي سجلتها كتب التاريخ في رحلته الثانية.
شهدت مياه إزيمالا على ساحل مليبار بشبه القارة الهندية في عام 1502م فاجعة إنسانية تمثلت في اعتراض دي غاما السفينة المملوكية "ميري" التي كانت تقل قرابة 400 حاج بينهم نساء وأطفال في طريق عودتهم من مكة المكرمة، ورغم العروض السخية بالفدية التي قدمها قائد السفينة، إلا أن دي غاما قابلها بصلف شديد، ومثل بالرسل تنكيلا، ثم أمر بإحراق السفينة بمن فيها، باستخدام البارود بعد نهب حمولتها الثرية، في جريمة لم ينج منها إلا قلة قليلة استبقوا لمآرب خاصة، أقلها وطأة كان التنصير القسري.

ثم في العام 1537م، كانت حادثة مقتل السلطان بهادر شاه، سلطان كوجارات، حين اشتبه البرتغاليون في مقاصده السياسية لإرساله سفنا إلى جدة، متهمين إياه بتحريض الأتراك ضدهم رغم تأكيده أن غرض الرحلة لم يتجاوز أداء فريضة الحج. وقد عزز البرتغاليون سطوتهم بفرض نظام "الكارتاز" الصارم، الذي أجبر السفن كافة على استخراج تصاريح مرور مسبقة، مما جعل من أي سفينة تبحر دونه هدفا مشروعا للهجوم والإغراق، بما في ذلك سفن الحجاج التي استهدفت عمدا تحت دعاوى واهية تتعلق بصعوبة التمييز بين السفن التي تحمل المدنيين وتلك التي تقل المقاتلين، وهي ممارسات استمرت حتى مع تراجع القوة البرتغالية في منتصف القرن السابع عشر، كما توثق حادثة عام 1650م حين تعرض 109 من الحجاج لهجوم غادر في البحر الأحمر أدى إلى نهب بضائعهم وتشتيت شملهم.












