ارتفاع الإيجارات في العراق: أزمة تُفاقم الضغوط المعيشية وتكشف خلل السياسات
بغداد / تبارك عبد المجيد
في وقت تتسع فيه فجوة القدرة المعيشية داخل المدن العراقية، يبرز ملف الإيجارات بوصفه أحد أكثر المؤشرات وضوحًا على اختلال التوازن بين الدخل الفردي وكلفة الحياة اليومية، فمع استمرار الضغط السكاني على المراكز الحضرية وتراجع فعالية السياسات الإسكانية، بات الحصول على سكن ملائم تحديًا متصاعدًا يثقل كاهل شرائح واسعة من المجتمع، خصوصًا ذوي الدخل المحدود والمتوسط.
هذا الارتفاع المتسارع في أسعار الإيجارات لا يبدو معزولًا عن السياق الاقتصادي العام، بل يرتبط بتداخل عوامل بنيوية تشمل محدودية المعروض السكني، واتساع الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى، إلى جانب تحولات في سوق العقارات باتت تخضع في بعض جوانبها للمضاربات والطلب غير المنضبط.
يعزو الخبير الاقتصادي ضياء المحسن هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل البنيوية، في مقدمتها ضعف دور الحكومات المحلية في توزيع الأراضي السكنية على المواطنين بمختلف شرائحهم، إلى جانب النمو السكاني المتزايد الذي أدى إلى تفكك العوائل واتساع الحاجة إلى وحدات سكنية جديدة، في وقت لا يواكب فيه المعروض من السكن حجم الطلب المتنامي.
وأضاف المحسن لـ”المدى”، أن المجمعات السكنية التي يفترض أن تكون جزءًا من الحل، تحولت بدورها إلى عبء إضافي، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الوحدات السكنية داخلها، ما جعلها بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين.
وفيما يخص العاصمة بغداد، أشار المحسن إلى أن الأزمة أكثر تعقيدًا، لكونها تشهد موجات هجرة مستمرة من المحافظات القريبة والبعيدة، بحثًا عن فرص العمل، باعتبارها مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا رئيسيًا، الأمر الذي أدى إلى تضخم الطلب على السكن وارتفاع الإيجارات بشكل ملحوظ.
وعلى صعيد السياسات الحكومية، وصف المحسن الإجراءات الحالية بأنها “سياسات عرجاء”، لا تقدم حلولًا حقيقية لأزمة السكن، بل تسهم في تعقيدها، خصوصًا ما يتعلق بفرض الضرائب والرسوم تحت عنوان تنويع الإيرادات غير النفطية، دون وجود بيئة سكنية واقتصادية داعمة.
وعن الحلول الممكنة، دعا إلى اعتماد رؤية بعيدة المدى تبدأ بدراسة الأسباب الجذرية للأزمة، وصولًا إلى وضع خطط قابلة للتنفيذ، تُترجم إلى برامج قصيرة المدى مترابطة مع الاستراتيجية العامة، بما يضمن معالجة تدريجية ومستدامة للمشكلة.
كما شدد على ضرورة معالجة ملف الهجرة الداخلية عبر خلق فرص عمل داخل المحافظات، بما يخفف الضغط السكاني عن بغداد والبصرة، إلى جانب إلزام الحكومات المحلية بحصر الأراضي القابلة للتوزيع على المواطنين الذين لا يملكون وحدات سكنية، مع الحد من تحويل هذه الأراضي إلى مشاريع استثمارية عقارية من قبل مطورين قد يسهمون في تعميق الأزمة بدلًا من حلها.
ويرى الناشط السياسي علي القيسي أن الارتفاع المستمر في أسعار الإيجارات في العراق لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي عابر، بل تحول إلى أزمة معيشية تضغط بشكل مباشر على أغلب العوائل، خصوصًا ذوي الدخل المحدود والمتوسط.
ويشير القيسي لـ”المدى”، إلى أن استمرار ارتفاع الإيجارات بهذا الشكل، وفي ظل غياب سياسات إسكانية فعالة، يدفع باتجاه سيناريوهات أكثر صعوبة خلال السنوات المقبلة، قد تصل إلى عجز شريحة واسعة من المواطنين عن توفير سكن ملائم داخل المدن الرئيسية، ما سيؤدي إلى توسع ظاهرة السكن العشوائي أو الانتقال القسري إلى أطراف المدن ومناطق أقل خدمات.
وأضاف أن سوق الإيجارات بات يتحرك بشكل غير منضبط، تحكمه المضاربات وارتفاع الطلب مقابل شح العرض، خصوصًا في بغداد والمدن ذات الكثافة السكانية العالية، وهو ما يجعل الأسعار عرضة للزيادة المستمرة دون سقف واضح.
كما لفت القيسي إلى أن ملف السكن والإيجارات لم يعد بعيدًا عن التدخلات السياسية، حيث تشهد بعض السياسات المرتبطة بالأراضي والمجمعات السكنية تأثيرات مباشرة للنفوذ الحزبي والهيمنة السياسية، ما انعكس على آليات التوزيع والاستثمار، وأضعف مبدأ العدالة في الوصول إلى السكن.
وأكد أن استمرار هذا التدخل في قطاع حيوي مثل السكن، مع غياب الرقابة الفعلية، سيعمّق الأزمة أكثر ويحولها من مشكلة اقتصادية إلى خلل اجتماعي واسع، داعيًا إلى إبعاد الملف عن المحاصصة والتجاذبات السياسية، واعتماده كأولوية خدمية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
وفي توضيح سابق صادر عن المتحدث باسم وزارة التخطيط، عبد الزهرة الهنداوي، فإن “خط الفقر بالنسبة للفرد هو 137 ألف دينار في الشهر الواحد”، مبينًا أنه “إذا كان دخل الفرد أعلى من هذا الرقم فيُعد غير فقير”.
وأشار في تصريح تابعته “المدى”، إلى أن “الوزارة تقيس خط المتوسط وخط الفقر بالنسبة للأسرة، فإذا كان عدد أفراد الأسرة 5 فيكون حاصل ضرب 137 ألفًا في 5 فيكون ناتج الدخل لأسرة من 5 أفراد هو 700 ألف، والذي يكون هو خط الفقر للأسرة وليس الفرد”، مبينًا أنه “إذا كان دخل الأسرة أقل من 700 ألف شهريًا فهي أسرة فقيرة”.
وأضاف أن “الأسرة التي يكون دخلها أكثر من 700 ألف تُعد غير فقيرة”، مؤكدًا أن “هذا هو معيار قياس الفقر كون الدخل يُقاس على متطلبات الحياة التي تتضمن الغذاء والصحة والتعليم والأشياء الأساسية التي يحتاجها الإنسان بحياته اليومية”.
ولفت إلى أن “استراتيجية مكافحة الفقر هي استراتيجية نُفذت خلال السنوات الثلاث الماضية، وكانت آثارها واضحة بحيث انخفضت نسبة الفقر من 23 بالمئة إلى 17.5 بالمئة، والتي تضمنت شبكة الحماية الاجتماعية والبطاقة التموينية ودعم الفقراء في مجالات التعليم والصحة”.
The post ارتفاع الإيجارات في العراق: أزمة تُفاقم الضغوط المعيشية وتكشف خلل السياسات appeared first on جريدة المدى.
