العنوان نفسه يطلق صدمة لفظية: ثلاث صور ترمى دفعة واحدة في وجه القارئ (القذائف، الأرداف، الأطراف الاصطناعية) فتعلن منذ البداية أن الدخول إلى الرواية سيكون دخولا جسديا ومباشرا. وفي الوقت نفسه يحمل العنوان سخرية سوداء واضحة: العالم يجمع العنف والمتعة داخل السوق نفسه ويحول الألم إلى مادة قابلة للتداول.
عوالم متجاورة
كيف تحضر تونس هنا، أبوصفها خلفية تاريخية أم بوصفها شخصية خامسة تغير ما يقوله كل صوت؟ وما الذي يمنحه هذا التوقيت للرواية من معنى يصنع اختلافه في كل تفصيل؟
الحقيقة أن الأمر لم يكن اختيارا بالمعنى الدقيق. إذا كانت الأحداث تدور في تونس، فلأن الحكاية التي رواها لي صديق كانت في تونس، ولم أجرؤ على نقلها إلى بلد آخر أو طمس ما فيها من دقة. سأوضح الصورة أكثر: في مساء إحدى ليالي نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2019، حكى لي صديق أنه اضطر عام 2012 إلى تناول الغداء في فندق فخم بقمرت شمال تونس. وحين وصل إلى الشرفة ومشى في محاذاة المسبح، اكتشف مشهدا غير متوقع: جهة تضم نساء يتعافين من عمليات جراحية تجميلية، وفي الجهة المقابلة جنود أو مرتزقة مصابون بجروح بالغة قدموا من ليبيا. لم يستطع قول أكثر من ذلك لي إلا أن ذلك لم يكن مهما، فما قاله في ثلاث جمل كان كافيا تماما. هنا ولدت في رأسي شخصية على الفور: ماجد، الجراح المبتور الساق. ثم ظهرت الشخصيات الثلاث الأخرى لاحقا، وبشكل طبيعي.

في هذا المعنى يضاعف سياق تونس عام 2012 ما يحدث داخل الفندق: مكان يبدو مثاليا وموعودا بالرفاه لكنه مخترق بقوى مقلقة وموتورة. بالنسبة لشخصيات الرواية، كما بالنسبة للتونسيين والتونسيات عام 2012، كان السؤال واحدا: هل ستكون حيويتنا أقوى؟ هل ستنتصر فينا رغبة العيش؟ كما أبقيت السياق التونسي لسبب آخر أيضا: الأماكن التي تعدك بإبعاد العالم عنك غالبا ما تكون خدعة. العالم يلحق بنا دائما. نزلاء هذا الفندق المبني على الشاطئ يرون البحر المتوسط أمامهم. يريدون تجاهله وعدم التفكير في شيء بسوى مسبح الفندق، لكن ما إن نحاول التحصن حتى يعود الواقع ليطرق الباب. أثناء كتابتي ذلك، كنت أفكر في رواية لإيمانويل باياماك تام بعنوان "أركاديا"، تصور جماعة شبه طائفية يربكها وصول لاجئ. كما كنت أفكر أيضا في أوروبا نفسها، التي بدأت بالتحصن في وجه لاجئي أفريقيا.










