إربد... ربيع سكن القلب
• قذفني المصير على صفحة الصبا وعنفوان الروح، في ذروة المراهقة، عند الفصل الثاني من السنة الثانوية ما قبل الأخيرة، حين ساقني القدر إلى تجربة لم أكن أتصور أنها ستصبح بعد أعوام واحدة من أجمل ذكرياتي.
•فقد وقع بيني وبين أستاذ عزيز على القلب، كانت تربطني به مودة صادقة، سوء فهم انتهى بشجار لم يخل من القسوة، وآل بي مطروداً من مدرسة الرمثا الثانوية، ومنقولاً إلى الكرك.
•غير أن الأيادي البيضاء امتدت وفتحت لي باباً آخر، فكان نصيبي أن ألتحق بمدرسة الحسن الثانوية في إربد حتى نهاية العام الدراسي.
هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
قذفني المصير على صفحة الصبا وعنفوان الروح، في ذروة المراهقة، عند الفصل الثاني من السنة الثانوية ما قبل الأخيرة، حين ساقني القدر إلى تجربة لم أكن أتصور أنها ستصبح بعد أعوام واحدة من أجمل ذكرياتي. فقد وقع بيني وبين أستاذ عزيز على القلب، كانت تربطني به مودة صادقة، سوء فهم انتهى بشجار لم يخل من القسوة، وآل بي مطروداً من مدرسة الرمثا الثانوية، ومنقولاً إلى الكرك. غير أن الأيادي البيضاء امتدت وفتحت لي باباً آخر، فكان نصيبي أن ألتحق بمدرسة الحسن الثانوية في إربد حتى نهاية العام الدراسي. كانت مدرسة الحسن مدينة صغيرة أكبر من أحلامي، وحيث ساحة الملعب البلدي تغمرها الشمس، وحين كانت الصفوف تنتصب أبواباً تفضي إلى احلامي وأيامي. كنت أمضي إليها وفي القلب شيء من رهبة الغريب ولهفة ونفحة أوسع من الأمل، كأنني أعبر عتبة حياة أرادها القدر أن تبدأ من إربد لتسرد جكاية من ربيع.
أربعة أشهر فقط قضيتها في إربد، من آذار حين بعثر الريح حقول الحنين إلى حزيران الذي كان يتصبب عرقاً في صدر النهار، اربعة كانت من أجمل فصول العمر. كان صباحي يبدأ مع أولى خيوط الشمس، أمضي إلى مجمع السفريات في الرمثا، وأستقل سيارة السرفيس، رفيقة الطريق الوحيدة آنذاك، إلى جانب باص شايش الذي لا تخطئه الذاكرة. وما إن أصل إلى مجمع السفريات شرق البريد القديم، حتى أبدأ رحلتي اليومية مع الأفكار سيراً على الأقدام نحو المدرسة، رحلة تمتد قرابة عشرين دقيقة مثلما نزهة في حضن الربيع والحياة.
كانت إربد يومئذ نغمة شجية في لحن الطبيعة، بلدة تمشي على مهل وسكينة تعانقها كالنسيم يحتضن أغصان الشجر، والمروج مثلما بساط أخضر تمده الأرض للسماء وترقص الزهور فيه كأطفال فرحين. كانت البيادر والحقول تمتد على جانبي الطريق، تتهادى فيها سنابل القمح، وترتفع رؤوس عباد الشمس كأنها تتبع الشعاع عشقاً، وتتجاور الخضروات والذرة في لوحة رسمتها الأرض بيدها الندية. وكان دفء الربيع، ورقة الهواء، وصفاء السماء، يسكب في النفس طمأنينة وسلام.كانت مدرسة الحسن أكبر من مدرستي في الرمثا، فقد كانت تحتضن طلبة القرى والبلدات المحيطة بإربد، وتضم عدداً كبيراً من صفوف الثانوية العامة. وهناك وجدت نفسي غريباً يحمل حكاية سبقته؛ فالطالب الجديد الذي جاء مطروداً من مدرسته أثار الريبة في النفوس، وإن كان مظهري أبعد ما يكون عن صورة المشاغب التي رسمتها الأخبار. غير أن الأيام كانت أسرع من الشائعات، فما لبثت نظرات الحذر أن تحولت إلى احترام، ثم إلى مودة وصداقة، حين عرف الزملاء أن ما أحمله في حقيبتي من اجتهاد أكبر بكثير مما حملته عني الألسن من روايات.
وما زلت، بعد كل السنين، أودع ربيع إربد عطراً في قلبي، أحمل هدوءها، وكرامة أهلها وحكاياهم العتيقة، وخصب ترابها، وصفاء سمائها، وأرفع ذلك الحصن الذي اتسع للجميع، وذاك القلب الذي كان يفتح أبوابه لكل عابر سبيل، إذ علمتني أن بعض المنافي ليست إلا أوطاناً مؤجلة، وأن قليل انكسارات ليست سوى طرق خفية تقود إلى أجمل محطات العمر. فشكراً لذلك الأستاذ الذي لم يكن يدري أن شدته ستقودني إلى ربيع آخر، وشكراً للأقدار التي رتبت خطواتي بحكمة لم أفهمها يومئذ، حتى جعلت من إربد صفحة مضيئة في كتاب حياتي، وربيعاً يزهر في القلب وعلى صفحة الأيام.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





