إربد والطاقة والمياه: معادلة التحول نحو العاصمة الاقتصادية
إربد والطاقة والمياه: معادلة التحول نحو العاصمة الاقتصادية
بقلم المهندسة دينا شحرور
لم يعد الحديث عن إربد كعاصمة اقتصادية مجرد طموح نظري أو طرح إنشائي، بل بات يستند إلى معطيات رقمية صلبة، تتجسد بوضوح في قطاعي الطاقة والمياه بوصفهما الركيزتين الأساسيتين لأي نهضة اقتصادية مستدامة. فالدول والمدن لا تُبنى على الشعارات، بل على كفاءة مواردها وقدرتها على إدارة التحديات وتحويلها إلى فرص.
في قطاع الطاقة، يخطو الأردن خطوات استراتيجية متسارعة نحو تعزيز الاعتماد على المصادر المتجددة، حيث تجاوزت القدرة الإنتاجية لمشاريع الطاقة النظيفة 1500 ميغاواط، مع خطط للوصول إلى أكثر من 2000 ميغاواط ضمن مزيج الطاقة الوطني. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات بيئية، بل تعكس تحولاً اقتصادياً عميقاً ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، خصوصاً في المناطق الشمالية.
إربد، التي تتمتع بأكثر من 300 يوم مشمس سنوياً، أصبحت بيئة مثالية لتبني حلول الطاقة الشمسية على نطاق واسع، سواء في المنازل أو المنشآت الصناعية. هذا الواقع أدى إلى انخفاض ملموس في كلفة الطاقة، وهو العامل الأكثر حسماً في جذب الاستثمارات الصناعية وتعزيز تنافسية المنتجات المحلية. وعندما تصبح الطاقة أقل كلفة وأكثر استقراراً، فإن ذلك يفتح الباب أمام توسع صناعي حقيقي، ويعزز من قدرة المدينة على التحول إلى مركز اقتصادي إقليمي.
ولا يمكن فصل هذا التقدم عن التحسن الملحوظ في الأمن الطاقي الوطني، حيث انخفض الاعتماد على استيراد الطاقة من 94% في مطلع الألفية إلى نحو 76% في السنوات الأخيرة. هذا التحول يعزز من استقلالية القرار الاقتصادي، ويمنح المدن مثل إربد فرصة أكبر لبناء اقتصاد قائم على موارد أكثر استدامة وأقل تقلباً.
أما في قطاع المياه، فإن التحدي يبدو أكثر تعقيداً، لكنه في الوقت ذاته يمثل فرصة استراتيجية. فالمشاريع المتقدمة في معالجة مياه الصرف الصحي في شمال المملكة، مثل مشروع الشجرة، تعكس تحولاً في التفكير من إدارة الأزمة إلى استثمارها. إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والصناعة لا يخفف فقط الضغط على المياه العذبة، بل يعزز من استدامة الإنتاج ويخلق نموذجاً اقتصادياً دائرياً يعتمد على الكفاءة لا الوفرة.
هذا التكامل بين الطاقة والمياه يشكل قاعدة صلبة لأي نمو اقتصادي حقيقي. فالصناعة، التي تستهلك أكثر من 23% من الكهرباء، تعتمد بشكل مباشر على استقرار هذين القطاعين. وكل انخفاض في كلفة الطاقة أو تحسن في إدارة الموارد المائية ينعكس فوراً على الإنتاجية، وفرص العمل، وحجم الصادرات.
وعند ربط هذه المعطيات بالبنية التحتية المتطورة، مثل مشروع الطريق الدائري، والثقل الصناعي المتمثل في مدينة الحسن الصناعية، تتضح الصورة بشكل أكبر: إربد لا تسير نحو المستقبل بخطوات عشوائية، بل وفق معادلة واضحة تجمع بين الموارد، والبنية التحتية، والاستثمار.
إن ما يحدث اليوم في إربد هو تحول حقيقي قائم على الأرقام، حيث تتقاطع كفاءة الطاقة مع استدامة المياه لتشكل نموذجاً اقتصادياً متكاملاً. ومن هنا، فإن رؤية إربد كعاصمة اقتصادية لم تعد خياراً نظرياً، بل مساراً واقعياً يتعزز يوماً بعد يوم.
فالمدن لا تُصنع بالخطط وحدها، بل بقدرتها على توظيف مواردها بذكاء… وإربد بدأت تثبت أنها تمتلك هذه القدرة. وللحديث بقية .
هذا المحتوى إربد والطاقة والمياه: معادلة التحول نحو العاصمة الاقتصادية ظهر أولاً في سواليف.





