... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
113027 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9041 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

أنطولوجيا الشعر السعودي المعاصر... نشيد متعدد الأصوات

العالم
مجلة المجلة
2026/04/06 - 07:49 501 مشاهدة
أنطولوجيا الشعر السعودي المعاصر... نشيد متعدد الأصوات layout Mon, 04/06/2026 - 08:49
Lina Jaradat

ترسم أنطولوجيا "أناشيد الصحراء" صورة كثيفة للمشهد الشعري السعودي في لحظة معاصرة مشبعة بالتوتر والتحول، إذ تنعكس فيها أصوات شعرية متباينة من حيث التجربة والرؤية والبناء، غير أنها تلتقي عند نقطة عميقة تتصل بسؤال الوجود واللغة والانتماء إلى أرض ذات رمزية متجذرة في المخيال العربي: الصحراء.

يحمل العنوان في ذاته طاقة إيحائية جلية، حيث تتجاور مفردتا "أناشيد" و"الصحراء" في تركيب يفتح المجال أمام قراءة مزدوجة: نشيد بوصفه تعبيرا جماعيا يتجاوز الفرد، والصحراء بوصفها فضاء أوليا للمعنى ومخزنا للذاكرة ومسرحا للتجربة الوجودية. من هنا، تبدو الأنطولوجيا محاولة لإعادة كتابة هذا الفضاء عبر أصوات متعددة، تشتغل على تفكيكه وإعادة تشكيله داخل اللغة الشعرية الحديثة.

تظهر الصحراء في نصوص هذه الأنطولوجيا، الصادرة عن "دار أبجد" في بغداد (2026) ومن إعداد الشاعر علي الحازمي، بوصفها أكثر من خلفية جغرافية، فهي بنية رمزية تحضر في عمق النصوص، سواء من خلال استدعاء الذاكرة الشعرية القديمة، أو عبر تحويلها إلى مجاز مفتوح على أسئلة الكينونة، حيث تتجلى كحالة من الامتداد، تتسع الرؤية وتتخفف من الضجيج، فينشأ نوع من الصفاء الذي يسمح للذات بأن تنصت إلى نفسها وإلى العالم في آن.

يتخذ حضور الصحراء أشكالا متعددة، يظهر أحيانا عبر استحضار عناصر الطبيعة، وأحيانا أخرى عبر الإحساس بالعزلة أو عبر التوتر بين الامتداد والضياع. وهنا، يمكننا القول إن هذه الأنطولوجيا تعيد تعريف العلاقة بين الشعر والمكان، حيث يصبح المكان محفزا للتفكير، وليس مجرد إطار، فالصحراء تكتسب بعدا كونيا وتغدو معادلا للفراغ والبدء والصمت الذي يسبق اللغة.

تكمن خصوصية هذه الأنطولوجيا في تنوع أشكال الكتابة الشعرية، فتتجاور القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، في مشهد يشي بحيوية التجربة الشعرية السعودية المعاصرة وثرائها، مما يدل على مرحلة انتقالية يعيشها الشعر، إذ تتداخل المرجعيات وتتقاطع الرؤى. وتبرز في هذا السياق أصوات في القصيدة العمودية مثل أحمد الحربي وأحمد السيد عطيف، حيث تنحو القصيدة العمودية في بعض النصوص المختارة نحو التخلي عن صرامتها الكلاسيكية، عبر تخفيف النبرة والانفتاح على موضوعات ذات طابع وجودي، لتتراجع النزعة الخطابية لصالح التأمل.

كتابة جماعية للذات
03 أبريل , 2026

تتجاور القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، في مشهد يشي بحيوية التجربة الشعرية السعودية المعاصرة وثرائها

أما قصيدة التفعيلة، فتبدو جسرا بين الماضي والحاضر، تحافظ على إيقاع داخلي يمنح النص تماسكا، مع فسحة تسمح بتفكيك البنية التقليدية، كما يتجلى في تجارب أحمد قران الزهراني وجاسم الصحيح، حيث تتكثف الحساسية الحديثة داخل إيقاع مرن ومتجدد. في حين تتجلى قصيدة النثر كأفق مفتوح، أقرب إلى ومضة أو تأمل مكثف، يشتغل على التفاصيل الصغيرة ويحولها إلى لحظة شعرية مشبعة بالدلالة، كما يظهر في كتابة هدى الدغفق، التي تميل إلى تكثيف العبارة وتفجير طاقتها الإيحائية ضمن بنية مفتوحة.

من الغنائية إلى التأمل

تتحرك الذات الشاعرة في النصوص المختارة بين مستويين أساسين: الغنائية والتأمل. ففي بعض القصائد، تظهر الذات في حالة انفعال، فتتدفق اللغة محملة بالعاطفة، وتتشكل الصور عبر انزياحات حسية. غير أن هذه الغنائية تخضع في كثير من الأحيان لنوع من التهذيب، فيتم ضبطها عبر إيقاع داخلي، أو عبر بناء تأملي.

وفي نصوص أخرى، تتراجع الغنائية لصالح التأمل، فتتجه القصيدة نحو التفكير، وتصبح اللغة وسيلة لاستكشاف الأسئلة الوجودية. هنا، تظهر الذات وهي تنظر إلى العالم من مسافة، تحاول أن تفهم وتفسر، ومن ثم تعيد ترتيب الفوضى.

يعكس هذا التحول من الغنائية إلى التأمل نضجا في النصوص المختارة، فلا تعود القصيدة مجرد تعبير عن حالة، بل تصبح فضاء للتفكير ومجالا لإعادة بناء العلاقة بين الذات والعالم.

Fayez Nureldine / AFP
زوار يتجولون في أحد الأجنحة في معرض الرياض الدولي للكتاب في العاصمة السعودية، 9 أكتوبر 2021

تتسم اللغة في نصوص هذه الأنطولوجيا بتنوع واسع، فتتراوح بين الشفافية والكثافة. ففي بعض النصوص نجد لغة بسيطة تميل إلى الوضوح، وتشتغل على التفاصيل اليومية، فتتحول الأشياء الصغيرة إلى لحظات شعرية آسرة، فيما تقترب اللغة من الحساسية المعاصرة التي تلتقط لحظات عابرة ومشبعة بالدلالة في آن واحد.

وفي نصوص أخرى، تتجه اللغة نحو التكثيف، فتصبح العبارة محملة طبقات من المعنى، وتحتاج إلى قراءة متأنية، فتظهر المفارقة والانزياح والتوتر بين الدال والمدلول، مما يمنح النص عمقا إضافيا.

كما يلعب حضور المجاز دورا أساسا في تشكيل هذه اللغة، فيتم تحويل الواقع إلى صور، لتتحول الصور بدورها إلى مفاتيح لقراءة التجربة. المجاز هنا أداة للتفكير ووسيلة لإعادة تشكيل العالم داخل النص.

AFP
امرأة سعودية تحضر معرض جدة الدولي للكتاب في مدينة جدة، 13 ديسمبر 2015

تدور معظم نصوص الأنطولوجيا حول مجموعة من الثيمات التي تشكل نواة التجربة الشعرية، فيظهر الحب كقوة دافعة، غير أنه يتخذ أشكالا متعددة، تتراوح بين الحنين والرغبة والتوق، ويرتبط بالزمن والذاكرة والغياب.

لا تعود القصيدة مجرد تعبير عن حالة بل تصبح فضاء للتفكير ومجالا لإعادة بناء العلاقة بين الذات والعالم

ويشكل الفقد ثيمة مركزية أيضا، فتحضر القصائد كنوع من المراثي الصغيرة التي تستعيد ما مضى وتحاول أن تمنحه معنى. الفقد يمتد من الأشخاص إلى الطفولة والأماكن، وإلى اللحظات التي تلاشت.

FAYEZ NURELDINE / AFP
منحوتة من الخط العربي تزيّن شارع الأندلس الساحلي في مدينة جدة، 9 يوليو 2011

أما الزمن، فيظهر قوة خفية تتحكم في التجربة، فتتحرك القصائد بين الماضي والحاضر، وتحاول أن تفهم هذا التدفق المستمر. الزمن في هذه النصوص غير خطي، أقرب إلى الدائري أو المتشظي، حيث تتداخل اللحظات وتتقاطع الأزمنة.

الكتابة كفعل وجودي

تطرح نصوص الأنطولوجيا سؤال الكتابة بوصفه سؤالا وجوديا، فتصبح القصيدة وسيلة لفهم الذات، ولمواجهة العالم. الكتابة هنا فعل مقاومة ومحاولة لإيجاد معنى في عالم متغير، بعيدا من كونها مجرد ممارسة جمالية. يظهر الشاعر في هذه النصوص ككائن يبحث ويختبر ويجرب ويعيد تشكيل اللغة وبناء علاقته بالعالم. فتغدو الكتابة نوعا من الحفر في الداخل، ومن الكشف عن الطبقات الخفية للذات. كما تأخذ العلاقة بين الشكل والمضمون بعدا مغايرا، فيتشكل النص وفق حاجات التجربة، وليس وفق قوالب جاهزة.

تقدم "أناشيد الصحراء" خريطة للمشهد الشعري السعودي المعاصر، يمكن القارئ من خلالها أن يتتبع مسارات مختلفة ويكتشف أصواتا متباينة تعكس حالة من الحراك والبحث المستمر. كما تتيح نوعا من الحوار بين النصوص، حيث تتجاور التجارب وتتقاطع الرؤى، مما يخلق شبكة من العلاقات داخل العمل، ويمنح القارئ فرصة لتأمل الشعر السعودي المعاصر من زوايا متعددة.

تحولات الذائقة وبنية الاختيار

تأتي أنطولوجيا "أناشيد الصحراء" بعد سلسلة من الأعمال التي توقفت عند التجربة الشعرية المعاصرة في المملكة العربية السعودية، ولعل أبرزها كتاب "30 شاعرا 30 قصيدة.. مختارات من الشعر السعودي الحديث" للشاعر زكي الصدير.

في عمل الصدير، تتجلى النزعة التمثيلية بوضوح، إذ يقوم المشروع على مبدأ التكثيف العددي: شاعر واحد يقابله نص واحد، في محاولة لصوغ صورة مركزة للمشهد، أقرب إلى ما يشبه "العينة المختارة" التي تسعى إلى تقديم نماذج معيارية تمثل لحظة من لحظات الشعر السعودي الحديث. بينما تمضي "أناشيد الصحراء" في اتجاه مغاير، فتتوسع دائرة الاختيار، ويتحول العمل إلى فضاء تعددي يتيح للشاعر أكثر من صوت داخل النص، ويتيح للنص نفسه أن يظهر في تنوعاته وتحولاته. هنا، تغيب فكرة "التمثيل المختزل" لصالح "التجاور الحيوي"، فتتجاور النصوص وتتشابك التجارب دون أن تختزل في نموذج واحد.

REUTERS/Hamad I Mohammed
مشهد عام لكثبان رملية في الربع الخالي في السعودية، 11 يناير 2024

كما يظهر التباين في طبيعة الحساسية الجمالية التي تحكم كل عمل. ففي مختارات الشاعر الصدير، يمكن تلمس حضور أقوى للقصيدة التي تحتفظ بقدر من التوازن الإيقاعي والبنائي، حتى في سياق الحداثة، حيث تبدو التجارب وكأنها تبحث عن موقع داخل النسق الشعري العام، مع ميل إلى إبراز الأصوات التي تمتلك وضوحا في الرؤية وبنية أكثر استقرارا. أما في "أناشيد الصحراء"، فإن الحساسية تميل نحو التجريب وكسر التوقعات، حيث تتراجع فكرة "النموذج" لصالح "الاحتمال"، فيتشكل المشهد بوصفه حالة مفتوحة يصعب ضبطها ضمن حدود نهائية.

خريطة للمشهد الشعري السعودي المعاصر، يمكن القارئ من خلالها أن يتتبع مسارات مختلفة ويكتشف أصواتا متباينة تعكس حالة من الحراك والبحث المستمر

تكاد أنطولوجيا "أناشيد الصحراء" أن تكون نشيدا متعدد الأصوات، تتداخل فيه التجارب وتتقاطع الرؤى، لتشكل صورة مركبة للشعر في لحظة معاصرة. ومن خلالها يتضح أن الشعر السعودي المعاصر يعيش لحظة غنية تتسم بالتنوع وبالقدرة على الابتكار والانفتاح على العالم، مع احتفاظه بجذوره العميقة في الذاكرة والثقافة.

06 أبريل , 2026
story cover
Off
Label
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤