هنا يصل السؤال إلى أخطر نقطة: إذا كان الوصول إلى التزكية لخوض انتخابات 2026، يتطلب ضخ أموال طائلة، فماذا ينتظر ممن ضخّها حين يصل إلى البرلمان؟.
هل يدخل حاملاً مشروعاً للدفاع عن المواطن، أم يصبح استرجاع ما ضُخَّ، وربما مضاعفته، جزءاً من الحساب السياسي؟.
* حنان فراطس
سنوات ونحن نُرهَق بالخطب والأيام الدراسية والمرافعات حول تمكين النساء، والمناصفة، وإيصال المرأة إلى مواقع القرار.
لكن لحظة التزكيات كانت كافية لتكشف الفارق بين ما يُقال على المنابر وما يجري في الكواليس.
فما كان معروفاً في الكواليس خرج هذه المرة إلى العلن، حين اختارت امرأة من داخل التنظيم أن تكسر جدار الصمت، وأن تطالب بفتح تحقيق في المال المرتبط بالتزكيات.
وهنا تُحسب لها الشجاعة؛ لأنها لم تكتفِ بالاحتجاج، ولم تبحث عن صفقة، بل وضعت السؤال حيث يجب أن يكون: أمام المساءلة والتحقيق.
ومن حق الرأي العام أن يسأل: إذا كانت التزكية تقوم على الكفاءة والاستحقاق والنضال والقدرة على تمثيل المواطنين، فلماذا يدخل المال في معادلتها؟.
فالتزكية ليست سلعة، والمقعد النيابي ليس استثماراً خاصاً، والبرلمان ليس سوقاً لاسترداد رأس المال.
وهنا يصل السؤال إلى أخطر نقطة: إذا كان الوصول إلى التزكية يتطلب ضخ أموال طائلة، فماذا ينتظر ممن ضخّها حين يصل إلى البرلمان؟.
هل يدخل حاملاً مشروعاً للدفاع عن المواطن، أم يصبح استرجاع ما ضُخَّ، وربما مضاعفته، جزءاً من الحساب السياسي؟.
لا نتهم أحداً بعينه، ولا نعمم على كل منتخب، لكن هذا السؤال يصبح مشروعاً حين يتحول المال إلى معيار للوصول إلى التمثيلية السياسية.
فالبرلمان ليس مشروعاً تجارياً لاسترداد رأس المال، والمقعد النيابي ليس أصلاً استثمارياً، والمواطن ليس سوقاً لتعويض ما أُنفق للوصول إليه.
والسؤال يصبح أكثر إحراجاً حين نتذكر أن الدولة نفسها ترصد موارد عمومية وبرامج لدعم تمثيلية النساء وتشجيع مشاركتهن السياسية.
فأي مفارقة أكبر من أن يُرصد المال العمومي لتمكين المرأة، ثم يصبح المال الخاص معياراً للوصول إلى التزكية؟.
والأخطر أن تُقصى الكفاءات لأنها مستقلة في مواقفها، وأن تتحول كلمة «لا» إلى تهمة اسمها «التمرد».
وما يُتداول من أن تجربة النساء اللواتي اخترن الاستقلال في مواقفهن يجب ألا تتكرر، وأن كل امرأة قد تتمرد ينبغي قطع الطريق عليها، فهنا لا نتحدث فقط عن تدبير التزكيات؛ بل عن رسالة خطيرة للمرأة: كوني في الواجهة، ولكن لا تكوني مستقلة.
أما نحن، فلم نتمرد من أجل منصب، ولا من أجل تزكية، ولا من أجل امتياز….
تمردنا حين كان الدفاع عن الحق والمواطن يفرض علينا ألا نصمت.
والمرأة التي تقول لا دفاعاً عن المواطن ليست متمردة على الديمقراطية؛ هي أكثر وفاءً لها ممن يقول نعم حفاظاً على موقعه.
واليوم لا نحتاج مزيداً من الخطب عن تمكين النساء.
نحتاج شفافية في التزكيات، ومعايير واضحة، واحتراماً للكفاءة والاستحقاق، وربطاً للمسؤولية بالمحاسبة.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تُقصى امرأة من لائحة.
الأخطر أن يصبح المال معياراً للوصول، والاستقلالية معياراً للإقصاء.
وعندها لن يكون السؤال: أين هي النساء في البرلمان؟
بل السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام الرأي العام:
أي نساء نريد أن نُوصل إلى البرلمان؟ نساءً يصنعن القرار… أم نساءً يُصنع القرار من أجلهن؟
ومع كامل الاحترام لقرار الاستقالة، أقول لمن اختارت المغادرة:
لا تتركي بيتاً سياسياً لأن بعض من يسكنه أساؤوا تدبيره. فالقيادات تُستبدل، أما التاريخ فلا يُستقال منه؛ والحزب الذي صنعته أجيال من المناضلين لا يملكه شخص، ولا يختصره عابرون. ابقي وفية للمبدأ، ودعي الزمن يتكفل بمن ظنوا أن الكراسي أبدية.
* برلمانية إتحادية



