انتقائية الدم والذاكرة
بقلم / عفاف الفرجاني
ليس ما يثار كل عام حول السابع من أبريل سوى إعادة إنتاج ممنهجة لذاكرة مبتورة، يجري تشكيلها وفق مقتضيات الخطاب السياسي لا وفق منطق التوثيق. فالأحداث المرتبطة بتاريخ 7 أبريل 1976 في ليبيا لم تشهد، كما يروج، مشاهد إعدامات جماعية أو حملات تصفية، بل كانت في جوهرها حركة طلابية في سياق سياسي محتقن، جرى لاحقًا تحميلها ما لا تحتمل، وتحويلها إلى رمز مشحون بالدلالات المفبركة.
الإشكال لا يكمن في الخطأ فحسب، بل في الإصرار على إعادة إنتاجه. فحالات الإعدام التي حدثت في سنوات لاحقة، ومنها ما ارتبط بأسماء مثل عمر دبوب ومحمد بن سعود، لم تكن أحداثًا معزولة عن سياقها، بل جاءت في إطار مواجهة مباشرة مع عناصر تورطت في أعمال عنف وتخريب، شملت استهداف مقرات سيادية ومحاولات تفجير، ضمن نشاطات ذات طابع تكفيري واضح. غير أن هذا السياق يتم حذفه عمدًا، ليعاد تقديم هذه النماذج كضحايا، في عملية قلب فج للوقائع.
هذا النمط من السرد الانتقائي لا يمكن فصله عن محاولة أوسع لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، حيث يتم تجريم الدولة بأثر رجعي، وتبرئة الفعل العنيف تحت غطاء إنساني زائف. وهنا تبرز المفارقة الأكثر فجاجة، نفس الأصوات التي تبكي على أحداث مضى عليها عقود، تصمت صمتًا تامًّا أمام ما عاشته ليبيا منذ 2011.
خمسة عشر عامًا من الفوضى المفتوحة، حيث أصبح القتل ممارسة يومية، والخطف وسيلة ضغط، والتهجير واقعًا مفروضًا، دون أي إطار قانوني أو حتى مساءلة شكلية. مدن استبيحت، وأحياء دمرت، وساحات تحولت إلى فضاءات لتصفية الحسابات. ومع ذلك، لا نجد ذات الحماسة في الإدانة، ولا ذات الخطاب الأخلاقي المرتفع.
إن المقارنة هنا ليست تبريرًا، بل كشف لانتقائية فجة في التعاطي مع التاريخ والواقع. فبين دولة واجهت تهديدات داخلية محددة، وبين حالة انهيار شامل فقدت فيها الدولة ذاتها، يكمن الفرق الذي يحاول البعض طمسه.
إعادة تدوير سردية السابع من أبريل ليست قراءة في التاريخ، بل استثمار فيه. هي محاولة لإعادة تعريف الجلاد والضحية، وتقديم العنف كبراءة، والفوضى كبديل. وفي هذا، لا يكون الهدف إنصاف الماضي، بل التمهيد لإعادة إنتاجه بصورة أكثر فوضوية وخطورة
في تقديري أن أخطر ما في تزييف التاريخ ليس تشويه الماضي فحسب، بل غرس وعي مشوَّه في وجدان الأجيال القادمة، يجعلها تتبنى الوهم كحقيقة.
The post انتقائية الدم والذاكرة appeared first on الموقف الليبي.





