... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
78010 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8116 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

انتفاضة الروم في سورية في مواجهة نزيف العنف وصراع البقاء

العالم
النهار العربي
2026/04/02 - 09:27 501 مشاهدة
جرجس منير حنا - مصرفي قلب هذا المشرق، الذي تَشَكَّل عبر تلاقي الحضارات وتفاعلها، حيث امتزجت الجذور الفينيقية الكنعانية بالروح اليونانية الرومية، وُلد ذلك النسيج الهيليني الفريد. هنا، لم تكن تسمية الروم مجرد لفظٍ تاريخي، بل تعبير عن هوية حضارية وروحية عميقة، تضرب بجذورها في عمق الزمن.إنها هوية نُسِجت عبر قرون طويلة من التفاعل الثقافي والإيمان الحي، وتكوَّنت في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها الإمبراطوريات. ورغم تبدّل الأزمنة وتعاقب القوى، بقيت هذه الهوية صامدة، شاهدة على حضورٍ مسيحي مشرقي أصيل؛ حضور لم يكن يوماً غريباً عن هذه الأرض، بل كان جزءاً من كيانها، ومن روحها، ومن تاريخها المتجذّر.هذا الحضور اليوم يمرّ بواحدة من أكثر مراحله قسوة وامتحاناً. فالروم في المشرق، ولا سيما في سوريا، لم يعودوا يواجهون تحديات سياسية أو اقتصادية فحسب، بل باتوا أمام معركة وجود حقيقية، التراجع الديموغرافي الحاد، من نحو مليون مسيحي قبل عام 2011 إلى أقل من 300 ألف اليوم، ليس مجرد رقم، بل جرح مفتوح في جسد المشرق، يعكس حجم النزيف البشري والروحي الذي تعانيه هذه الجماعات.في دمشق، المدينة التي لطالما تنفّست المسيحية في أزقتها كما في كنائسها، غابت مظاهر الفرح التي كانت تميّز مواسم الأعياد وخصوصاً هذا العام، لم تعد فرق الكشافة تجوب الشوارع، ولم تُقرَع الطبول معلنة اقتراب أحد الشعانين أو جمعة الصلبوت، وستغيب صورة الأطفال وهم يلوّحون بأغصان الزيتون.سيحلّ الصمت مكان مظاهر الفرح، وسيتراجع الرجاء تحت وطأة الخوف. وحتى احتفالات الفصح، التي طالما حملت معنى القيامة والانتصار على الموت، ستنحصر هذا العام في صلوات تُقام داخل الكنائس، بقرار كنسي سيعكس واقعاً أمنياً مضطرباً وحالة نفسية مثقلة بالقلق.لكن هذا الخوف لم يُطفئ الصوت. في السقيلبية، تلك المدينة التي أصبحت رمزاً للصمود المسيحي في ريف حماة، خرج الناس إلى الشارع، لا ليعلنوا تمرّداً، بل ليؤكدوا انتماءهم.كانت انتفاضة الروم هناك صرخة كرامة، صرخة مواطنين يرفضون أن يُختزلوا إلى أقلية خائفة أو ضيوف مؤقتين في وطنهم، رفعوا شعارات تطالب بدولة القانون، بالمساواة، بالحريات، برفض الطائفية والسلاح المنفلت، وبحماية المقدسات. لم تكن الشعارات طائفية، بل وطنية جامعة، تعبّر عن وعي عميق بأن بقاءهم لا ينفصل عن بقاء الدولة نفسها كإطار عادل لكل مكوناتها.هذه الانتفاضة لم تأتِ من فراغ، بل من تراكم الألم والخوف والغضب. فقبلها بعام واحد فقط، في 2025، شهدت السقيلبية واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخها الحديث، حين استُهدفت كنيسة مار إلياس بتفجير إرهابي أودى بحياة نحو 30 إلى 31 شهيداً.لم يكن التفجير مجرد اعتداء على مبنى ديني، بل محاولة لضرب الروح الجماعية، وزرع الرعب في قلب مجتمعٍ بأكمله، ودفعه نحو الرحيل. ومع ذلك، بقيت المدينة، ودفنت شهداءها، ورفعت الصليب من بين الركام، لتؤكد أن الإيمان أقوى من الموت.اليوم، حين يخرج أبناء السقيلبية إلى الشارع، فإنهم يحملون في ذاكرتهم تلك الدماء، وفي قلوبهم ذلك الخوف، لكنهم أيضاً يحملون إرادة الحياة. إنهم لا يطالبون بامتيازات، بل بحقوق؛ لا يسعون إلى الانفصال، بل إلى الشراكة؛ لا يريدون سوى دولة تحميهم كما تحمي سواهم، وتُخضع الجميع لسلطة القانون دون تمييز.ويأتي ذلك، خصوصاً في ظلّ الأحداث التي شهدتها مدينة السقيلبية في الأيام الأخيرة، تلك المدينة الحموية ذات الحضور المسيحي الكثيف، حيث أدّت مضايقات طالت بعض مسيحيات البلدة إلى توترٍ تصاعد بعد تدخل عدد من الشبان لوقف هذه التجاوزات، ما أسفر عن حالة من الشغب تخلّلها تكسير وتخريب لممتلكات عدد من أبناء المجتمع المسيحي هناك.إن أبناء سورية، على اختلاف طوائفهم، ليسوا في هذا المشرق بقايا تاريخ، بل امتدادٌ حيّ لحضارة أسهمت في تشكيل هوية هذه الأرض. فمن أنطاكية، عاصمة المشرق الرومية، إلى دمشق وحمص وحماة، وصولًا إلى جبال لبنان وسواحل فلسطين، ظلّ هذا الحضور شاهداً حياً على إمكانية التعايش، وعلى قدرة التنوّع في أن يتحوّل إلى غنى حضاري لا يُقدّر بثمن.انتفاضة الروم اليوم ليست ثورة سلاح، بل ثورة وعي. هي إعلان تمسّك بالأرض والهوية، وبفكرة الدولة الجامعة التي تحتضن الجميع. وهي أيضاً رفضٌ لأن يُدفَع المسيحيون إلى الهجرة كخيارٍ وحيد، ورفضٌ لأن يتحوّل المشرق إلى فراغٍ من أحد أقدم مكوّناته.إنها، في جوهرها، معركة من أجل البقاء، ومن أجل غدٍ أفضل لا للروم وحدهم، بل لكل أبناء سورية وهذا الشرق.
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤