وازدادت الأزمة حدة مع إغلاق مضيق هرمز الذي يتجاوز تأثيره مسألة الأسعار ليطال استمرارية انسياب الموارد الاستراتيجية نفسها، ليتحول المضيق من مجرد معبر للطاقة إلى نقطة تحكم غير مباشرة في الاقتصاد الرقمي العالمي، مما يضع العالم أمام معادلة جديدة: أمن الإمدادات لم يعد نفطا فقط، بل بنية تحتية خفية تقوم عليها منظومة التكنولوجيا بأكملها.
سوق صغيرة وتأثير كبير يتجاوز الحجم
في مصانع أشباه الموصلات في شرق آسيا، لا صوت يعلو فوق أزيز الآلات الدقيقة التي تعمل بلا توقف. داخل غرف معقمة، حيث تقاس الأخطاء بجزء من النانومتر، يتدفق غاز الهيليوم غير المرئي عبر أنابيب معدنية معقدة. لا لون له ولا رائحة، لكنه يحمل وزنا اقتصاديا هائلا. أي انقطاع مفاجئ في تدفقه، ولو لساعات، يعني تلوث بيئة التصنيع، مما قد يتطلب أسابيع لإعادة ضبط الأجهزة الدقيقة، وهو ما يكلف الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات من الفرص الضائعة.
هذه ليست مبالغة، بل واقع يتشكل في قلب الاقتصاد العالمي.
الهيليوم (He) ليس مجرد غاز لبالونات الاحتفالات، إنه العنصر "النبيل" الذي يرفض التفاعل، وثاني أخف عنصر في الكون بعد الهيدروجين. بفضل قدرته الفائقة على التبريد التي تلامس الصفر المطلق (-268.9°C)، أصبح الهيليوم "العمود الفقري الخفي" للصناعات المتقدمة، من أشباه الموصلات إلى غزو الفضاء.

ينتج هذا الغاز بكميات تقدر اليوم بنحو 183–190 مليون متر مكعب سنويا، بحسب تقرير "ملخصات السلع المعدنية 2026" لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، ولا يبدو موردا ضخما مقارنة بالنفط أو الغاز الطبيعي. لكن أهميته لا تقاس بالحجم، بل بالدور الذي يلعبه في الصناعات الأكثر تقدما. فهو عنصر أساس في تبريد الرقائق الإلكترونية أثناء تصنيعها، وفي توفير بيئة كيميائية مستقرة داخل خطوط الإنتاج، وكذلك في تبريد كابلات الألياف البصرية أثناء سحبها بسرعة فائقة، ولضغط خزانات الوقود في الصواريخ، مثل صواريخ "ناسا" و"سبايس أكس"، وهي شروط لا يمكن الاستغناء عنها تقنيا.














