إنقاذ الطيار الأمريكي: كيف كشفت عملية أصفهان الثغرات الإيرانية؟ وطهران تطلب المساعدة من الصين
في لحظة بدت فيها طهران منتشية بإسقاط مقاتلات أمريكية، جاءت عملية إنقاذ الطيار الأمريكي في عمق الأراضي الإيرانية لتقلب المشهد رأساً على عقب، وتفتح باباً واسعاً لإعادة تقييم القدرات الدفاعية الإيرانية، وقُرئت العملية كاختبار مباشر لقدرة واشنطن على الاختراق والعمل داخل بيئة معادية.
داخل دوائر القرار في طهران، لم يقتصر النقاش على تفاصيل العملية بحد ذاتها، بل امتد إلى ما كشفته من ثغرات في منظومة الرصد والاستجابة، وأعاد طرح تساؤلات جوهرية حول جاهزية الدفاعات الجوية في مواجهة سيناريوهات أكثر تعقيداً.
وبين مخاوف من تكرار مثل هذه العمليات، وسعي لاحتواء تداعياتها، برز اتجاه سريع نحو البحث عن دعم تقني خارجي، خاصة من الصين، لسد الفجوات التي كشفتها العملية، وفق ما كشفته لـ”عربي بوست” مصادر سياسية وعسكرية إيرانية.
كما أن التقديرات الإيرانية لم تتوقف عند البعد العسكري المباشر للعملية الأمريكية، إذ بدأت تتشكل قراءات أعمق تربط العملية بأهداف محتملة تتجاوز إنقاذ طيار، لتطال ملفات أكثر حساسية، مثل أمن المنشآت الاستراتيجية ومخزونات اليورانيوم عالي التخصيب.
“توغل خطير” في عمق إيران
قالت مصادر إيرانية سياسية وعسكرية مطلعة لـ”عربي بوست” إن طهران نظرت إلى عملية إنقاذ الولايات المتحدة للطيار الثاني الذي تم إسقاط طائرته في جنوب أصفهان، على أنها توغل خطير في عمق الأراضي الإيرانية ودليل على نقاط ضعف خطيرة في الدفاعات الجوية الإيرانية.
مصدر عسكري مقرب من الحرس الثوري الإيراني قال لـ”عربي بوست”، مفضلاً عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول له بالحديث لوسائل الإعلام، إن تمكن طائرات نقل كبيرة ومروحيات مرافقة لها من التوغل في عمق الأراضي الإيرانية أثار لدى القيادة العسكرية الكثير من المخاوف بشأن الثغرات في أمن المجال الجوي الإيراني.
وأضاف المصدر ذاته قائلاً إن نجاح القوات الأمريكية في التوغل في جنوب أصفهان يعني أن الولايات المتحدة تستطيع في المستقبل إدخال قوات إلى عمق إيران بسهولة، وهو أمر أربك القيادة العسكرية الإيرانية بعد مشاعر الانتصار بإسقاط المقاتلات الأمريكية.
في 3 أبريل/ نيسان 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية دقيقة داخل محافظة أصفهان لإنقاذ طيارها الثاني بعد إسقاط طائرته، وشاركت في العملية طائرات نقل ومروحيات تمكنت من التوغل في عمق الأراضي الإيرانية والوصول إلى موقع الطيار بسرعة.
طلب المساعدة من الصين
قالت مصادر عسكرية إيرانية رفيعة المستوى لـ”عربي بوست” إن القيادات العسكرية الإيرانية لجأت على الفور إلى شركائها في بكين لطلب المساعدة لمعالجة ثغرات الدفاع الجوي الإيراني.
وبحسب المصادر العسكرية الإيرانية، فإن الحرس الثوري طلب من الصين تقييم عملية الإنقاذ الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية، وطلب المشورة العسكرية من نظرائهم في بكين.
كما طلبت طهران من بكين إمدادها بمنظومة رادارية أكثر تطوراً من منظومة الرادار الإيرانية التي أثبتت فشلها في ظل عملية إنقاذ الطيار الأمريكي من عمق الأراضي الإيرانية.
المصدر العسكري المقرب من الحرس الثوري أوضح لـ”عربي بوست” أنه قبل الحرب حصلت إيران على منظومات رادارية حديثة من الصين ساعدتها في الحرب الحالية، “ولكن بعد عملية انقاذ الطيار، تحاول إيران دمج صواريخ ارض-جو في هذه المنظومة لاعتراض المقاتلات الأمريكية والاسرائيلية بفاعلية اكبر، وطلبت طهران مساعدة في بكين في هذا الأمر”.
كما أشار خبير عسكري مقرب من القيادة العليا الإيرانية، في حديثه لـ”عربي بوست”، إلى مساعدة الصين لإيران في إنجاح عملية دمج الصواريخ الإيرانية في المنظومات الرادارية الصينية.
وقال الخبير العسكري: “كانت إيران تحتاج إلى الرصد الدقيق والاستجابة السريعة للعثور على الطيار الأمريكي قبل وصول الامريكان، لكن مع الأسف لم يكن هناك رد فعل سريع، لذلك ستحتاج إيران إلى توسيع نطاق استخدام الطائرات المسيرة للمراقبة، وانظمة صواريخ محمولة للاستهداف، في حال تكرار مثل هذه العملية”.
انقسام حول تقييم عملية إنقاذ الطيار الأمريكي
فيما انقسمت الآراء داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإيرانية حول تقييم العملية الأمريكية لإنقاذ الطيار، وبحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ”عربي بوست”، كانت النقاشات خلال اليومين الماضيين تدور حول دراسة تداعيات هذه العملية، وانقسمت الآراء إلى فريقين.
- الفريق الأول: انتكاسة وضعف عسكري
بحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ”عربي بوست”، فقد وقعت اشتباكات مع القوات الأمريكية التي عملت على إنقاذ الطيار الأمريكي الثاني.
وقال مصدر عسكري إيراني لـ”عربي بوست”: “كانت القوات الإيرانية علي بُعد عشرات الكيلومترات من مكان تواجد الطيار الثاني ولكن القوات الأمريكية وصلت بشكل أسرع، ووقعت اشتباكات بينها وبين مجموعة من السكان المحليين الذين كانوا يساعدون القوات الإيرانية في العثور على الطيار، ومات العديد منهم، ووقعت إصابات في الجانب الأمريكي أيضا”.
لكن في نفس الوقت أشار المصدر العسكري الإيراني في تصريح لـ”عربي بوست” إلى أن نجاح الولايات المتحدة في انقاذ احدى افراد قواتها الجوية، قد يخلق لدى واشنطن انطباعا بأنها تستطيع تكرار هذه العملية في أي وقت تريد.
بعد هذه العملية، يضيف المصدر، احتدمت النقاشات العسكرية حول تداعياتها، وهناك جزء كبير من القيادة العسكرية والأمنية الإيرانية يرى أن نجاح الامريكان دليل على ضعف لدى القوات الايرانية، وأن هذا الضعف من الممكن أن يشجع الولايات المتحدة وإسرائيل على تكرار هذه العملية للوصول إلى منشآت حساسة أو السيطرة على النفط الإيراني.
كما أشار المصدر ذاته إلى أن القيادة العسكرية الإيرانية لم تُجمع على إمكانية قيام الولايات المتحدة بتدخل بري في عمق الأراضي الإيرانية على إثر نجاحها في عملية انقاذ الطيار، فقال لـ”عربي بوست”، “صحيح أن فشل إيران في أسر الطيارين انتكاسة ولكن المؤسسة العسكرية الإيرانية ترى أيضا الجانب الايجابي من هذه العملية”.
- الفريق الثاني: تجربة مفيدة لإيران
على الجهة المقابلة، يرى جزء من المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية أن عملية إنقاذ الطيار الأمريكي منحت طهران تجربة مفيدة للتعلم على الرغم من فشلها في أسر الطيارين أو العثور على الطيار الثاني قبل وصول القوات الأمريكية.
وفي هذا الصدد يقول حسن وحيدي المحلل الاستراتيجي المقرب من الحرس الثوري الإيراني لـ”عربي بوست”، “هناك عدد من قادة الحرس الثوري يرون أن إيران نجحت في اسقاط المقاتلات الأمريكية مما سيجعل واشنطن تفكر في التكلفة الباهظة في حال رغبت في تنفيذ تهديداتها السابقة بتدخل بري في إيران، كما أنهم يرون أن واشنطن في تقييمها للعملية ستفهم جيدا أن البيئة الإيرانية ليست بيئة عملياتية سهلة واي تكرار لعملية مشابهة ستكون مخاطرها عالية”.
وأضاف وحيدي: “هناك دروس مستفادة لكلا الجانبين، فطهران ستعمل على تعديل دفاعاتها الجوية وخططها في التعامل مع التحركات الأمريكية المستقبلية، كما أن واشنطن ستفكر مرارا قبل التورط في أي عمليات برية داخل إيران نظرا للتكاليف الباهظة التي تكبدتها رغم التفاوت العسكري بين البلدين”.
ماذا عن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب؟
على الرغم من انقسام الآراء داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية حول تقييم عملية إنقاذ الطيار الأمريكي، لم تنكر المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ”عربي بوست” القدرات الأمريكية على تنفيذ عمليات معقدة داخل إيران، بل اشارت المصادر إلى ظهور تفسير ثالث لهذه العملية، وهو مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
مصدر سياسي مقرب من المؤسسة السياسية الإيرانية قال لـ”عربي بوست”، “هناك شكوك قوية لدى المؤسسة السياسية والعسكرية في إيران بأن عملية إنقاذ الطيار الأمريكي كانت أيضا بمثابة غطاء لمحاولة انزال جوي فاشلة في اصفهان لاستكشاف إمكانية السطو على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب”.
بينما علق حسن وحيدي الخبير الاستراتيجي المقرب من الحرس الثوري على هذا التفسير، قائلاً لـ”عربي بوست”، “هذا التفسير يُضيف بُعدا خطيرا على العملية الامريكية، ويدفع القيادات العسكرية الإيرانية إلى الإسراع في تأمين مخزونات اليورانيوم بشكل أكثر صرامة”.
فإذا صح هذا التفسير، يضيف حسن وحيدي، يمكن القول بأن هذه العملية “قدمت دروسا عديدة للقوات الايرانية، ووضعتها أمام نقاط ضعفها بجدية للعمل على حلها بشكل فوري”.





