أنا وكأس العالم
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
قبل نحو أربعة عقود كان الزميلان العزيزان عبدالله الضويحي وعادل عصام الدين يحدثاني عن كأس العالم 1978 الذي استضافته الأرجنتين وحلقت بكأسه، كانا حاضرين هناك، وكانت قصصا مليئة بالإثارة والشغف يتلقفها فتى يحلم أن يرى مثل تلك التظاهرات أمام عينيه.. التواجد في ذلك المحفل يعني أنك في المكان الصحيح لمشاهدة كرة القدم الحقيقية، وأنك في الموقع الراسخ للخلاصة النهائية لأفضليات كرة القدم. نعم هناك أفضليات كما هي في أبطال أوروبا للأندية وأمم أوروبا وكوبا أمريكا، لكنها لن تبلغ شغف كأس العالم من حيث قيمة التجمع العالية لبلدان ذات ثقافات مختلفة من جميع القارات، يجري خلفهم عشرات الآلاف من المناصرين بعاداتهم وأغانيهم وأهازيجهم وحتى نوع الملابس التي يرتدونها. كأس العالم يختلف عن غيره من حيث القيمة الأعلى والأكبر لكرة القدم، ولا يقف عند ذلك فقط، فحينما كان الزميلان الضويحي وعصام الدين يتحدثان كان كمن يتلو علينا ثقافة جديدة لا نعرفها، ترانيم مختلفة عبارات محفزة كيف فعل البرازيليون قبل المباراة، وكيف أن جماهيرهم حاصرت اللاعبين في الحافلة؟ كيف رقص الأرجنتينيون التانجو بأعداد قدرت بالآلاف وهم في طريقهم إلى الملعب؟ لماذا عربد الهولاند وقبعوا في أماكنهم؟ كلها قصص غير تلك التي تحدث في ملاعب كرة القدم. كانت روايات كأنها من واقع ألف ليلة وليلة، أو ملحمة تتحدث عن كيشوت رغم أن سيفه خشبي، لكنها كانت محفزة للبحث عن كأس عالم جديد يختمها الصديق عادل عصام الدين بقوله: كم تمنينا في خضم العالم المختلف أن يكون لمنتخبنا نصيب في الحضور والمشاركة، لكن الأمر لم يستمر طويلا لنكون حاضرين في سبع منافسات متتالية بثقافتنا، بكرتنا وفرحنا وانكسارنا، المهم كنّا حاضرين لتبدأ الحكاية. قد تكون هذه القصة من المحفزات أو الموجعات وفي الصفة الأخيرة بما يجعل البعض ممن لديه مثلها يجعلها في إطار التشاؤم حين سرد ذكرياته ويبتعد عنها.. وأنا شخصيا كنت أريد من كأس العالم مشاهدة الناس، والأحداث المحيطة، أما التنافس في الملعب فقد فقد الكثير من شغفه لكنه قد يكون متاحا لي من خلال التلفزيون.. لكن أنا كصحفي كان مهتما بهذه المستديرة يهمني أن أتابع حتى المآثر السيئة أو المؤلمة لكرة القدم.. بأن أعرف تفاصيل يد مارادونا التي خطفت الفوز من أمام إنجلترا 1986 وأنا داخل الملعب، وسقوط الإنجليزي جاسكوين الذي كان يبكي بعويل مرتفع كالطفل بعد خسارة بلاده في نصف نهائي 90، ونحيب مارادونا بعد أن خسروا كأس العالم من ألمانيا في البطولة نفسها.. لكن قد يكون القدر أنصفني بأن أكون مشاهدا مباشرا لنطحة زيدان للإيطالي ماتيرازي من على المدرجات.. لكن ما باليد حيلة الأحداث التي لم تحضرها تتخيلها وتستعين بالتلفاز لتأكيدها.. والأكيد أنها لن تكون بقيمة أن تشاهدها مباشرة. دقائق أو لنقل ثوان معدودة من الذكريات الضوئية التي تجدها في ذاكرتك خلال كل حديث عن كأس العالم تشبه نسيما باردا يمر من أمام وجهك يزيد من نشوتك وحبورك واعتزازك بما أنت عليه، فأنا لا أقلل من تلك الذكريات أو لنقل اللقطات الباهرة الرائعة، حتى لو كانت قصيرة أو يراها البعض أنها عابرة ولا تستحق الاحتفال الكبير بها، لكن بوسع ذكرى عابرة مبهجة أن تغير من الكيمياء البشرية بحيث تبث البهجة وتقضي على كل السأم.




