أنا لي إله يعرفني!!
تحاصرك مفارقات الحياة بشكل غريب، كأنها تقول عنك، يا هذا، كل ما تود قوله دون أن تنبس ببنت شفة! ومعنى "لم ينبس ببنت شفة" في معجم المعاني: "لم تصدر عنه ولا كلمة واحدة".
لكننا نقولها لزوم الإبهار اللغوي لا التوضيح! على كلٍّ، مشهد هذا المطعم المكتظ بالكائنات المختلفة يستحق أن نتقاسم تفاصيله.
أجناس مختلفة وأصوات عدة، بين الذين رماهم الحظ العاثر، مثلي، للمشاركة كمدعوّين في لقاءات لم يعد يهتمّ بها الكثيرون، وبين من جاء من آخر الكون يسعى، يبحث عن الطبيعة الجميلة والدهشة، ومن جاء مثقلاً بالأموال والهموم.
عليك أن تميّز بين الناس من حيث مظهرهم، وعلى عكس ما كانت عليه العادة في الزمن الجميل، فقد انقلبت معايير الأناقة كما تغيّرت معايير العلاقات الدولية.
الآن تجد العاملين والسائقين يلبسون البدلات الرسمية الكلاسيكية، تذكّرك ببشوات زمان؛ أناقة مفرطة، شباب مثل الورد، وفتيات أنيقات ساحرات، يطوفون مبتسمين يسألون كل زبون ماذا يريد وما ينقصه.
ويدخل مجاميع بملابس لا هي للرياضة ولا هي "بيجامة" نوم، وتجدهم الطبقة العليا التي كانت في ما مضى لا تنام إلا بالكرافات! ولا تفارقها بدلات صوف الفيكونيا (Vicuña)، التي كانت تُعد من أغلى وأرقى أقمشة البدلات الرجالية في العالم، حيث يُستخرج من حيوان نادر في جبال الأنديز، ويتميز بنعومة وخفة فائقة... الآن لدينا حيوانات أخرى لا صوف لها!
زمن مقلوب
يتجمّع الناس حول شخص ظهر بقميص نصف كم، تخيلت للحظة أنه قميص من أطمار بالية، وبحذاء شبه رياضي، وبنطلون أحمر كالح، فقلت: كيف يرمي الزمن بشخص معوز كهذا بين هؤلاء القوم؟ فإذا بشاب بجانبي لا يخفي انبهاره بالرجل، وراح يعدّد مزايا الملابس الباهظة والمدهشة بالنسبة إليه!
ذكر أرقاماً خرافية عن القميص شبه المثقوب والحذاء المتهالك، وعندما أشار إلى نظارة شمسية حرص الرجل على وضعها على رأسه بوضوح، كان صوت الشاب قد خرج مع صفارة إعجاب تفوق الوصف.
قال: هذا لابس بما يعادل ثمن سيارة!
لم أعلّق، وأنا أتابع الجلبة التي أحدثتها حاشية ملتفّة حول الرجل، وآخرين مثله بأسمالهم العجيبة! وبقيت مركزاً على ركن بعيد هناك: رجل أسمر، غاص محتضناً عوده، ويعزف باقتدار مدهش. وكلما ارتفع ضجيج الصحون والملاعق، جاء صوته حزيناً أخّاذاً.
تتنقل أصوات الضجيج المنافقة لكل زائر يدخل بشكل لافت؛ هذا بسروال قصير وصندل، وتلك حسناء لا ترفع عينيها عن وجهها المثقل بصباغ يحتاج إلى لجنة لمناقشة تفاصيله! وصوت المغني يعود إلى عمق الطرب بأغنية شامية معروفة: "إبعث لي جواب... وطمني
أنا لي إله... يعرفني
من حرّ الأذى ينصفني
من همّي الإله ينقذني".
وقبل أن تطغى عليه أصوات نقاش بعيد، يكمل:
إبعث لي جواااب وطمني...
لا جوابات، يا صاحبي، هنا، ولا ردود، ولا آذان تسمع الآهات.
كنت مشغولاً بما سأتحدث به في جلسة حول تفاقم الأزمات والممرات المائية، وهل يدخل العالم حرباً ثالثة معلنة، أم سيجعلها دون إعلان؟
رغم أني على قناعة بأنها، كحرب، عالمية قائمة، وقد حدثت وجارية كما أعتقد.
يقترب منّي الشاب موضحاً أن هؤلاء مجموعة أصحاب رؤوس أموال ضخمة، يتحدثون عن أزمة ناقلات في البحار البعيدة. رفعت إليه عيني بدهشة على معلوماته المفيدة، ورأيته معجباً بدهشتي، فأكمل يسألني من أكون. قلت له، وأنا أشير إليه أن يقترب برأسه ليكون سراً هامساً: نحن عشاق البحر.. لا حروب البحر... و لا الناقلات! وتركته في دوامة الدهشة التي لم تفارقه، وعدت إلى المطرب منسجماً مع صوته، مردداً:
أنا لي إله.. يعرفني... من حرّ الأذى ينصفني.





